الفهرس

 

 

 

 

حوارات

 

الدولية في حوار مع المرجع الديني آية الله السيد محمد تقي المدرسي

في حوار مع (الدولية) سماحة المرجع المدرسي يتحدث عن مهام المنظمات الحقوقية في بلادنا الإسلامية، حيث التقت مجلة (الدولية) ـ الصادرة عن المنظمة الدولية للدفاع عن حقوق الإنسان في العراق ـ في عددها الأخير سماحة آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي وحاورته بشأن نظرة الإسلام إلى المنظمات والجماعات المدافعة عن حقوق الإنسان الناشطة في الغرب وباقي بلدان العالم، ومدى تعارض توجهاتها مع مبادئ الإسلام الحقوقية وكذلك نظرة سماحته حول إمكانية التوفيق بين نظرية الحكم الإسلامية والتعددية السياسية في المجتمع، وأيضا ملامح (عراق الغد) برأي سماحته ولأهمية ما دار في اللقاء ننشر هنا نص المقابلة مع سماحته:

سماحة آية الله العظمى السيد محمد تقي المدرسي .. باعتباركم زعيم ديني، كيف ينظر الإسلام إلى التجمعات والمنظمات التي تدافع عن حقوق الإنسان كحق من الحقوق المدنية، وهل تتعارض نشاطات هذه المنظمات المدافعة عن حقوق الإنسان مع المبادئ الدينية أو ما يسمى بالحقوق الإلهية إزاء بني البشر باعتبارهم (عباد الله)؟.

 

 

 

بسم الله الرحمن الرحيم .. والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين أبي القاسم محمد وعلى آل بيته الطيبين الطاهرين.

هناك جدل قديم حول (الأصل)، هل الأصل للإنسان أم للفكر والمبدأ؟ يبدو لي أن القراءة المتعمقة في النصوص الدينية تعطينا هذه البصيرة الواضحة، بأن المحور الأساس هو الإنسان والله سبحانه وتعالى قد بعث الرسل وواتر الأنبياء، وانزل معهم الكتاب والميزان من أجل مصلحة الإنسان. وقد قال سبحانه وتعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) ومن هنا كانت الحقوق الإسلامية.

وحتى في سائر الديانات الإلهية للإنسان محورية في تشريعات كثيرة، بل نكاد نقول أن 90% من التشريعات في نهاية المطاف هي خدمة للإنسان. وفي ظل الديانات الإلهية لم تكن هناك أية شائبة في الحقوق، التي تسمى اليوم بحقوق البشر، ولكن باعتبار أن الحضارة الغربية انسلخت عن الدين وقيمها وارتبطت ببعض المبادئ الفلسفية، التي ألهت المادة وجعلتها محورا لحركتها، اصطدمت هذه الحضارة بحقوق الإنسان، وجاءت منظمات حقوق الإنسان كرد فعل لهذه الصدمة.. فمنظمات حقوق الإنسان في الغرب، في الحقيقة هي معالجة جزئية وسطحية وغير متكافئة لمشاكل أوجدتها الجاهلية الغربية القائمة على أساس تأليه المادة وجعلها فوق الإنسان.

أما بالنسبة لنا كمسلمين فهذه المنظمات تصلح أن تكون مناهضة لامتدادات الفلسفة الغربية في بلادنا، وليس للتشريعات الإسلامية، فالتشريعات الإسلامية منذ قامت على أساس أن الناس سواء كبارهم وصغارهم، وعلى أساس (يا أيها الناس أنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم) وعلى أساس كلمة الإمام علي سلام الله عليه التي يقول فيها: (الناس صنفان، أما أخ لك في الدين، وأما نظير لك في الخلق) وعلى أساس أن الناس جميعا من آدم وآدم من تراب ـ كما جاء الحديث عن النبي (صلى الله عليه وآله) ـ.

إن الأسس والحرمات التي جاء بها الإسلام، كحرمة الدم وحرمة المال وحرمة العلم وحرمة الفكر وحرمة المعتقد والرأي.. وهذه الحرمات التي قد تصل إلي ثلاثين حرمة، هي حدود حقوق الإنسان.

ونحن إذا أردنا أن ندافع عن حقوق الإنسان بشكل جيد فليس لنا أن نقلد الغرب في تعابيرهم وفي مسائلهم، بل لابد لنا أن نطرح القضايا الجذرية في العالم. فمثلا لماذا تبقى أكثرية أهل الأرض فقراء يعيشون على فتات المجتمعات الغربية، فيما تستهلك هذه المجتمعات، وهي نسبة سكانهم وأراضيهم ضئيلة بالنسبة إلى العالم، تستهلك أكثر من 50% من إمكانات العالم، لماذا؟ هذه هي حقوق الإنسان! ولماذا نرى أن الغرب سرق من البلاد الأخرى النامية كل إمكاناتها ولا تزال، ثم تأتي وتحاكم على ضرب أو سجن إنسان، فلماذا لا تحاكم نفسها على طريقة تعاملها مع البشرية كلها؟

إن منظمات حقوق الإنسان في الغرب ما هي إلا غطاء للجرائم الكبرى التي يقوم بها الغرب تجاه البلاد الأخرى، فمثلا ترى الولايات المتحدة الأمريكية تحرم دول في العالم من أبسط حقوقها، وتمنع حتى العظام عن الجائعين، وتتسبب في موت الملايين من البشر، ثم إذا سجن واحد من جماعتهم وأصدقائهم، في بلد ترفع عقيرتها بحقوق الإنسان، هذا ليس حقوق الإنسان، بل هذا غطاء سيء، وهذا الغطاء لا يستر سوءات الغرب.

بل تجد أنهم يصلون في عنادهم واستكبارهم وصلفهم إلى درجة اتهام العالم الإسلامي والدين الإسلامي بانتهاك حقوق الإنسان، بينما هم لم يعرفوا شيئاً اسمه (إنسان)، وان نظامهم وبنيتهم التحتية وقواعدهم الفكرية وثقافتهم، بل كل حياتهم قائمة على أساس الانحراف عن حقوق الإنسان.

ماذا فعل الغربيون بقارة أفريقيا بأكملها؟ نهبوها وحولوها إلى مزرعة لشهواتهم ولذاتهم. ماذا فعلوا بأمريكا اللاتينية؟ ماذا فعلوا بالسكان الأصليين في بلادهم في أمريكا وأستراليا؟ وماذا يفعلون اليوم في فلسطين؟!

فإذن نحن ينبغي أن نقوم حين نقوم بالإعلان عن منظمات حقوق الإنسان بعملين:

العمل الأول: فضح الغرب ومنظمات حقوق الإنسان في الغرب، بأنها كاذبة ولا تبحث عن الحقيقة، وإذا كانت تبحث عن الحقيقة حقا لكانت تدين عمليات الاستيطان في فلسطين وتدين مجازر جنين، وتدين الإبادة التي قام بها البيض في أمريكا ضد الهنود الحمر، وكانت تدين العنصرية التي لا تزال في العالم، وكانت تدين الفجوة القائمة بين الجنوب والشمال، وتدين القوانين التي لا تزال موجودة في العالم.. لكنها لا تستطيع أن تفعل ذلك، لأنها بنت تلك الحضارة ـ إن صح التعبير ـ ولأنها قائمة على أساسها، ولأنها تأكل منها، ولأنها جالسة على نفس الشجرة الخبيثة الموجودة في الغرب، فلابد أن ندين مثل هذا النفاق.

العمل الثاني: علينا أن نرفع صوتنا في وجه كل من تسول له نفسه في تقليد الغرب في بلادنا، ومحاولة تجاوز حرمات الدين التي هي قائمة على أسس رصينة وشاملة وذات شمولية كافية. وهذا يجعلنا نحن في موقع أفضل وأقدر على مواجهة التحديات إن شاء الله.

 

هل تؤمنون شخصيا ـ باعتباركم ـ مرجعية دينية وسياسية معارضة لنظام الحكم في العراق بالتعددية السياسية؟ وكيف يمكن التوفيق بين نظريتكم الدينية في الحكم (ولاية الفقيه) وبين دعوتكم إلى الانتخابات الحرة والتعددية السياسية؟

التعددية السياسية قد تكون تعددية واقعية، بمعنى انك تؤمن بوجود نظريات ومبادئ مختلفة وإنك لا تستخدم ولا تؤمن باستخدام القوة في تصفية هذه المبادئ، وقد تكون التعددية بمعنى الدعوة إلى تنوع المبادئ.

نحن كمسلمين ندعو إلى الإسلام، ونعتقد أن الإسلام له حلول جذرية لكل مشاكل البشرية، وندعو لذلك ونوصي لذلك ونعمل لنشر الإسلام وإقناع الناس بمبادئ الإسلام.

ولكن إذا لم يقتنع أحد بالإسلام، نعترف بوجوده كإنسان وله حقه في التعبير عن مبادئه. فهناك فرق بين ما ندعو إليه وبين الاعتراف بالواقع الخارجي.

الإسلام ليس دين القهر إنما هو دين الإقناع، ونحن نعتقد انه لو أتيحت الفرصة للإسلام وللدعاة إليه في أي بلد من البلاد، خصوصا في بلادنا الإسلامية، لوجدت الدعوة إليه آذانا صاغية بين الناس. كما أن ولاية الفقيه لا تعني الدكتاتورية، بل ولاية الفقيه، نوع من نظام الحكم ينسجم مع التعددية، لأن التعددية في الواقع هي احتواء لاختلاف الناس مع تعدد مصالحهم وأفكارهم، وهذا الاحتواء قد يكون ضمن إطار ولاية الفقيه.

وكما انه في الغرب هناك نظام سياسي باسم النظام الديمقراطي، قد تختلف معه، لكن هذا النظام السياسي يشمل تحت مظلته الأحزاب المختلفة، والنظام السياسي الإسلامي الذي ندعو إليه أيضا يستطيع أن ينسجم مع التعددية السياسية، التعددية في الأحزاب والمنظمات والجمعيات وما أشبه.. فإذا كانت في الغرب تعددية وهي لا تعني تغيير النظام الديمقراطي هناك، يعني بعد تكريس الدستور والنظام السياسي الموجود في الغرب ضمن الإطار العام لهذا النظام، هناك أيضا تعددية في أطروحة ولاية الفقيه.. نحن أيضا ندعو إلى وجود نظام سياسي ثابت مستقر باسم ولاية الفقيه، ثم في ظل هذه الولاية، في ظل هذا النظام السياسي تكون هناك تعددية.

وأخيرا.. باعتباركم من الزعامات الدينية والسياسية المعروفة بمعارضتها لنظام الحكم في العراق، وأنكم تتهمون هذا النظام بممارسة الاستبداد والظلم، وكبت الحريات السياسية والثقافية والدينية.. ما هي وجهة نظركم، أو رؤيتكم للنظام السياسي والقانوني لعراق الغد؟

أهم نقطة نؤمن بها في العراق هي أن أي نظام سياسي عراقي قادم يجب أن ينتخبه ويختاره الناس طواعية، ومن دون إكراه ومن دون تأثيرات خارجية.

النقطة الثانية: ينبغي أن يكون هذا النظام، نظاما موحدا لكل العراق ولا تكون هناك كانتونات، لأن هذه الكانتونات أو الدعوة إليها سوف تسمح للقوى الرجعية والديكتاتورية أن تنمو من جديد في العراق وتدعو إلى وحدة العراق في ظل الديكتاتورية.

نحن ندعو إلى وحدة العراق في ظل الحرية والديمقراطية، وليس في ظل الديكتاتورية، ونرى أن الحرية ممكن أن تكون وسيلة أنجح وأفضل لوحدة الشعب العراقي من الديكتاتورية، لكن إذا كانت دعوات شاذة هنا وهناك إلى تقسيم العراق، أو تفكيكه فهذه الدعوة تضر بالمسار الديمقراطي الحر في العراق، لأن هذا يكون ذريعة للقوى الديكتاتورية أن تلجأ إلى القوة والبطش باسم المحافظة على وحدة العراق.

النقطة الثالثة: والمهمة عندنا هي أن يكون النظام السياسي القائم في المستقبل في العراق، نظاما مستقرا، يؤمن بحسن الجوار للدول الأخرى، وينسجم مع القرارات الدولية، وذلك بغية أعطاء فرصة للشعب العراقي بأن يضمد جراحاته العميقة الغائرة، وان ينمي مواهبه ويظهر نفسه مظهرا لائقا، وتكون هناك فرصة لعودة العراق إلى سابق ازدهاره ومكانته الدولية.

هذه النقاط الثلاثة هي ليست شروطاً، وإنما هي مبادئ عامة أمام الحكم القائم في العراق في المستقبل، أما التفاصيل فكما قلنا ترجع إلى الشعب العراقي، ونرى بأن الشعب العراقي شعب مسلم ورشيد ويستطيع أن يختار طريقه بحيث ينسجم مع تاريخه وتراثه وقيمه وينسجم أيضا مع مصالحه.

• هناك العديد من الفتاوى التي صدرت بعدم التعاون مع القوى الخارجية، فما صحتها وهل هناك تعارض مع الهدف الأساسي للمعارضة العراقية؟

إن الفتاوى التي صدرت تتعلق بموضوعين مهمين!

الموضوع الأول: هو عدم جواز الاستعانة بالكافر وهذا صحيح حيث إن الإسلام لا يجيز التعاون، مع الكافر ولكن لا توجد مصداقية خارجية هنا.

وكما هو معلوم أن نضال الشعب العراقي لم ينقطع ضد سلطة النظام الحاكم طيلة أكثر من ثلاثين عاما وقدم خلالها أنهار الدماء والضحايا والشهداء ولم يطلب مساعدة من أية جهة خارجية.

والموضوع الثاني: هو الموقف الواضح والصريح من مراجع الدين في ضرورة إنقاذ الشعب العراقي من المعاناة التي يمر بها نتيجة تسلط النظام الحاكم عليه في العراق وكانت أوضح هذه الفتاوى ما أصدره آية الله العظمى المرجع الديني الكبير السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله المبارك.

 

 

أرسل ملاحظاتك حول اللقاء