|
بسم الله الرحمن الرحيم .. والصلاة والسلام
على أشرف الأنبياء وسيد المرسلين أبي القاسم محمد وعلى آل بيته الطيبين
الطاهرين.
هناك جدل قديم حول (الأصل)، هل الأصل للإنسان
أم للفكر والمبدأ؟ يبدو لي أن القراءة المتعمقة في النصوص الدينية تعطينا هذه
البصيرة الواضحة، بأن المحور الأساس هو الإنسان والله سبحانه وتعالى قد بعث
الرسل وواتر الأنبياء، وانزل معهم الكتاب والميزان من أجل مصلحة الإنسان. وقد
قال سبحانه وتعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين) ومن هنا كانت الحقوق
الإسلامية.
وحتى في سائر الديانات الإلهية للإنسان
محورية في تشريعات كثيرة، بل نكاد نقول أن 90% من التشريعات في نهاية المطاف
هي خدمة للإنسان. وفي ظل الديانات الإلهية لم تكن هناك أية شائبة في الحقوق،
التي تسمى اليوم بحقوق البشر، ولكن باعتبار أن الحضارة الغربية انسلخت عن
الدين وقيمها وارتبطت ببعض المبادئ الفلسفية، التي ألهت المادة وجعلتها محورا
لحركتها، اصطدمت هذه الحضارة بحقوق الإنسان، وجاءت منظمات حقوق الإنسان كرد
فعل لهذه الصدمة.. فمنظمات حقوق الإنسان في الغرب، في الحقيقة هي معالجة
جزئية وسطحية وغير متكافئة لمشاكل أوجدتها الجاهلية الغربية القائمة على أساس
تأليه المادة وجعلها فوق الإنسان.
أما بالنسبة لنا كمسلمين فهذه المنظمات تصلح
أن تكون مناهضة لامتدادات الفلسفة الغربية في بلادنا، وليس للتشريعات
الإسلامية، فالتشريعات الإسلامية منذ قامت على أساس أن الناس سواء كبارهم
وصغارهم، وعلى أساس (يا أيها الناس أنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا
وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله اتقاكم) وعلى أساس كلمة الإمام علي سلام
الله عليه التي يقول فيها: (الناس صنفان، أما أخ لك في الدين، وأما نظير لك
في الخلق) وعلى أساس أن الناس جميعا من آدم وآدم من تراب ـ كما جاء الحديث عن
النبي (صلى الله عليه وآله) ـ.
إن الأسس والحرمات التي جاء بها الإسلام،
كحرمة الدم وحرمة المال وحرمة العلم وحرمة الفكر وحرمة المعتقد والرأي.. وهذه
الحرمات التي قد تصل إلي ثلاثين حرمة، هي حدود حقوق الإنسان.
ونحن إذا أردنا أن ندافع عن حقوق الإنسان
بشكل جيد فليس لنا أن نقلد الغرب في تعابيرهم وفي مسائلهم، بل لابد لنا أن
نطرح القضايا الجذرية في العالم. فمثلا لماذا تبقى أكثرية أهل الأرض فقراء
يعيشون على فتات المجتمعات الغربية، فيما تستهلك هذه المجتمعات، وهي نسبة
سكانهم وأراضيهم ضئيلة بالنسبة إلى العالم، تستهلك أكثر من 50% من إمكانات
العالم، لماذا؟ هذه هي حقوق الإنسان! ولماذا نرى أن الغرب سرق من البلاد
الأخرى النامية كل إمكاناتها ولا تزال، ثم تأتي وتحاكم على ضرب أو سجن إنسان،
فلماذا لا تحاكم نفسها على طريقة تعاملها مع البشرية كلها؟
إن منظمات حقوق الإنسان في الغرب ما هي إلا
غطاء للجرائم الكبرى التي يقوم بها الغرب تجاه البلاد الأخرى، فمثلا ترى
الولايات المتحدة الأمريكية تحرم دول في العالم من أبسط حقوقها، وتمنع حتى
العظام عن الجائعين، وتتسبب في موت الملايين من البشر، ثم إذا سجن واحد من
جماعتهم وأصدقائهم، في بلد ترفع عقيرتها بحقوق الإنسان، هذا ليس حقوق
الإنسان، بل هذا غطاء سيء، وهذا الغطاء لا يستر سوءات الغرب.
بل تجد أنهم يصلون في عنادهم واستكبارهم
وصلفهم إلى درجة اتهام العالم الإسلامي والدين الإسلامي بانتهاك حقوق
الإنسان، بينما هم لم يعرفوا شيئاً اسمه (إنسان)، وان نظامهم وبنيتهم التحتية
وقواعدهم الفكرية وثقافتهم، بل كل حياتهم قائمة على أساس الانحراف عن حقوق
الإنسان.
ماذا فعل الغربيون بقارة أفريقيا بأكملها؟
نهبوها وحولوها إلى مزرعة لشهواتهم ولذاتهم. ماذا فعلوا بأمريكا اللاتينية؟
ماذا فعلوا بالسكان الأصليين في بلادهم في أمريكا وأستراليا؟ وماذا يفعلون
اليوم في فلسطين؟!
فإذن نحن ينبغي أن نقوم حين نقوم بالإعلان عن
منظمات حقوق الإنسان بعملين:
العمل الأول: فضح الغرب ومنظمات حقوق الإنسان
في الغرب، بأنها كاذبة ولا تبحث عن الحقيقة، وإذا كانت تبحث عن الحقيقة حقا
لكانت تدين عمليات الاستيطان في فلسطين وتدين مجازر جنين، وتدين الإبادة التي
قام بها البيض في أمريكا ضد الهنود الحمر، وكانت تدين العنصرية التي لا تزال
في العالم، وكانت تدين الفجوة القائمة بين الجنوب والشمال، وتدين القوانين
التي لا تزال موجودة في العالم.. لكنها لا تستطيع أن تفعل ذلك، لأنها بنت تلك
الحضارة ـ إن صح التعبير ـ ولأنها قائمة على أساسها، ولأنها تأكل منها،
ولأنها جالسة على نفس الشجرة الخبيثة الموجودة في الغرب، فلابد أن ندين مثل
هذا النفاق.
العمل الثاني: علينا أن نرفع صوتنا في وجه كل
من تسول له نفسه في تقليد الغرب في بلادنا، ومحاولة تجاوز حرمات الدين التي
هي قائمة على أسس رصينة وشاملة وذات شمولية كافية. وهذا يجعلنا نحن في موقع
أفضل وأقدر على مواجهة التحديات إن شاء الله.
|