الفهرس

 

 

 

 

حوارات

 

إباء تحاور سماحة الشيخ المجاهد جلال الحسناوي

حاوره: علي الشمري

تصوير: محمد رزاق

بهدف تسليط الضوء على جملة الأمور والأحداث المستجدة داخل الساحة العراقية إثر انهيار نظام صدام الدكتاتوري القمعي، والاحتمالات القائمة لصورة المستقبل السياسي للعراق، وما قد تتمخض عنه انعكاسات حرب الخليج الثالثة التي وضعت العراق اليوم على أعتاب مرحلة جديدة تتفاعل معها حالة الوضع العراقي والإقليمي والدولي على ضوء صورة العراق السياسي الجديدة، التقت وكالة الأنباء الشيعية (إباء) بسماحة الشيخ جلال الحسناوي عضو مكتب المرجع الديني الراحل الإمام السيد محمد محمد صادق الصدر (قدس سره) في قضاء الهندية – العراق، وحالياً عضو الهيئة الإدارية لحسينية شهيد الجمعة الإمام الصدر في حي السيدة زينب (عليها السلام) بدمشق – سوريا، وإمام صلاة الجماعة فيها، وحاورته الوكالة الشيعية للأنباء حول أهم القضايا والأحداث الراهنة داخل العراق، من خلال أسئلة عدة أجاب عليها سماحته بكل صراحة ووضوح، وفيما يلي النص الكامل لهذا اللقاء الصحفي:

سماحة الشيخ ما هي صورة الوضع الراهن في النجف الأشرف، وما هي انطباعاتكم عن الأحداث الأخيرة التي شهدتها، ومنها حادثة اغتيال السيد عبد المجيد الخوئي؟

بسم الله الرحمن الرحيم، حقيقة أن ما جرى في العراق من تغييرات بعد سقوط نظام الطاغية المتمثل بصدام المجرم والمؤامرة التي حدثت بعد سقوطه، هو أمر إذا أردنا الخوض فيه لا بد أن نأتي من البداية، فالاحتلال الأمريكي مخطط كبير وليس الغرض منه إسقاط صدام حسين فحسب، إذ لا يخفى على أي مواطن أن صدام أحد عملاء أمريكا، والمكلف بإدخال قوات التحالف إلى أرض العراق، لإقامة قواعد عسكرية فيها وكذلك في الشرق الأوسط، فبدأت هذه العملية وقد مضى على مخططها سنين باتجاه تحديد ساعة الصفر لتنفيذها، وبالفعل تمت اليوم، وكان صدام أحد المشاركين الرئيسيين فيها، وفيها ذبح الشعب العراقي، ونحن نلاحظ أن الأمريكان دخلوا العراق على أن هناك أسلحة دمار شامل وغير ذلك، وهم لم يعثروا إلى الآن على أي من هذه الأسلحة.

فإذن الغاية هي دخول العراق، وقد عملوا على أن تكون هناك سياسة مرسومة سلفاً لأجل كيفية السيطرة على الساحة الداخلية، فعندما دخلوا ودخل السيد عبد المجيد الخوئي كذلك، وأنا أتوقع بل ويقيناً أن أمريكا وبريطانيا هما وراء حادث اغتياله المدبر وأنتم تعلمون أنهم جندوا أربعة آلاف من الذين يجيدون اللغة العربية، وقاموا بزجّهم وسط عوام الناس، وأنا برأيي جاء مقتل السيد عبد المجيد الخوئي هنا ليكون الضحية والجلاد في نفس الوقت، الضحية ضحية المؤامرات التي دبرتها له بريطانيا وأمريكا اللتان أعطته الوعود بحمايته، فعندما دخل معهما في هذا الأمر، كان يتصور بأنه محمياً منهما فعلاً، وأنا أتساءل ما الذي جرى للسيد عبد المجيد الخوئي؟

ألم يعرف بأن هؤلاء يهود وناقضي العهود، فكيف صدق بوعودهم أنا لا أعرف ذلك!!.

والجلاد فمقتله جاء كونه كان جلاداً على الشيعة بالذات، وبمقتله أصبحت هناك فتنة استغلها البعض للترويج لها، على أن هناك تيارات دينية حوزوية هي التي تقف وراء اغتيال الخوئي، وحدث ما حدث، ولكن حالياً أنا أؤكد لك، كان عندي اتصال قريب من النجف، وقد نفى كل الموجودين هناك ما نسب إلى السيد مقتدى الصدر من أنه وراء هذا الحادث المدبر للخوئي، وكذلك اتصل بيَّ الكثير وأكد النفي ذاته.

وأول من استنكر هذه الحادثة هو السيد مقتدى نفسه، وقد أصدر بياناً بذلك وخاطب الناس في خطبة الجمعة في مسجد الكوفة كما برأ الساحة الحوزوية من هذا الاتهام، وقد نسبه إلى جهات معنية مستفيدة من هذا الوضع. وإذا أردنا الخوض في هذا المجال، نتساءل من المستفيد الأول من وراء هذا الحادث؟.

الجواب يصب في مصلحة أمريكا وبريطانيا، ومن المدعوم من هاتين الدولتين لهذا الأمر، أنا أؤكد لك على أنه أحمد الجلبي وراء هذا الأمر، وهو المستفيد الأول منه.

بثت العديد من وسائل الصحافة ووكالات الأنباء بأن الشخص الذي كان مستهدفاً أساساً في حادثة الصحن الحيدري الشريف هو السيد حيدر الكليدار المشرف على إدارة المرقد الحيدري، وأن السيد مقتدى الصدر كان على رأس مجموعة من أنصاره وقد جاء لمطالبة السيد الخوئي بتسليمه حيدر الكليدار، ونتيجة لملابسات أحاطت بهذا الموضوع، حدث ما حدث وراح الخوئي ضحية ذلك، ما هو تعليق سماحتكم على ذلك؟

أنت على علم بأن ليس كل ما ينقل في الصحافة هو حقيقة، وإذا ما عرفنا أن أول من نشر هذا الحديث والخبر، هو قناة الجزيرة، وقد شهد وعرف الكثير، بل والعالم أجمع، بأن قناة الجزيرة كانت تدعم وتطبل لصالح نظام صدام في بداية الحرب، وأنها ومع أول ساعة لسقوط صدام كانت هذه القناة المشبوهة هي أول من سارع إلى بث تقارير ضده وصفته فيها بالمجرم، لذا فقناة الجزيرة لا يؤخذ بها، إضافة إلى ذلك لا تعتبر قناة الجزيرة حجة شرعية في نقل الخبر، والآية القرآنية الكريمة تقول: (وإن جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا..) أين هذه المصطلحات التي نقرأها أين الأحاديث الشريفة؟ أين القرآن؟ يجب الإلتفات إلى هذه النقطة. وأما بالنسبة إلى حيدر الكليدار وما حصل له فقد نال جزاءه العادل لما ارتكبه من ممارسات وجرائم بحق أهالي النجف الغيارى وغيرهم من أبناء العراق، فهذه شخصية معروفة، ويداه ملطخة بدماء الأبرياء، وكان المستهدف هو وليس عبد المجيد الخوئي، ولكن الذي حصل أن الخوئي قد آوى هذا الشخص ودافع عنه دفاعاً مستميتاً، ولا أدري ما الرابط بين هذا الزنديق والسيد الجليل عبد المجيد الخوئي الذي ضحى به من أجله، فهل يعقل هذا، أنه أمر متروك للإنسان اللبيب كي يستنتج هو بنفسه.

كيف تنظرون لصورة المرحلة المستقبلية الجديدة في العراق، بعد سقوط نظام صدام المقبور؟ وما هو موقفكم أيضاً من اجتماع المعارضة العراقية في الناصرية، لرسم صورة هذا المستقبل؟

نحن قد عانينا ما عانينا من النظام الدكتاتوري الموجود سابقاً في العراق، فأي شعارات ترفع أو بيانات تصدر، أو أن أي أحزاب ولدت سواءاً داخل العراق أو خارجه، فإذا كانت تلك تدعو حقاً إلى الوحدة وإلى التماسك والتمسك بخط أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام) فنحن نرحب بهذا الأمر، لكن ما موجود حالياً على الساحة فهذا قطعاً لا يمثل الشرعية، لأن أي حكومة تتشكل داخل العراق، وتكون مدعومة من أمريكا، إنما هي حكومة مستأجرة، ولا تمثل إلا أمريكا في قلب العراق، وهذا لا يكون أمراً مقبولاً أنتم شاهدتهم التلفاز وشاهدتم المظاهرات الجماهيرية التي خرجت في مدن عراقية وبالذات في مدينة الناصرية، ترفض الاجتماع الذي حمل اسم المعارضة رفضاً تاماًَ، وكانت تعلن صراحة على أن أي حكومة مشكلة من قبل أمريكا، مرفوضة من قبل الحوزة العلمية ومرفوضة من قبل الشعب العراقي، لأن الشعب العراقي عانى ما عانى، وليس من المعقول أن يقبل بأن يكون الضحية مرة أخرى.

هل تتوقعون بأن التظاهرة التي شهدتها الناصرية للتعبير عن رفض هذا المؤتمر أو التنديد به، كان طابعها طابع قوى إسلامية أم قوى سياسية أخرى من خارج دائرة الإسلاميين؟

حقيقة أن للحوزة العلمية باع طويل في هذا الأمر، ونحن ليس بصدد المطالبة بأن تكون هناك حكومة إسلامية أو حكومة علمانية، نحن نريد حكومة تعطي حق الحوزة العلمية، وتكون هذه الحكومة والحوزة على مسار واحد، هذا ما نريده نحن وما يريده أيضاً الشعب العراقي، ودلالة ذلك أن الشعب خرج يحمل لافتات وقد كتب عليها (أن من يمثلنا هو الحوزة العلمية)، كما أن الجرأة في تسيير مثل هذه التظاهرات الحاشدة لم تكن موجودة في العراق خلال حكم نظام صدام الدكتاتوري، وأن أول من امتلك القدرة والجرأة على تنظيم مثل هذه التجمعات والمسيرات الشعبية الكبرى كان شخص واحد، هو سماحة المرجع الديني الأعلى السيد محمد محمد صادق الصدر (قدس سره) حين قام بتلك الثورة العظيمة من داخل العراق بدون تنظيم (وأقصد ليس بإطار حزبي أو حركي)، وكانت مناسبات صلاة الجمعة صوراً من تلك الثورة الشعبية التي انبثقت من تلك المدرسة المجاهدة، التي تقتدي بمبادئ وتعاليم الإسلام وما يوصي به الله تعالى، والشهيد الصدر الثاني كان من أعلامها المجاهدين.

باعتباركم من ضحايا قمع النظام الإرهابي المنهار، وأحد السجناء السياسيين من التيار الإسلامي، نرجوا إعطاءنا صورة عن ممارسات وجرائم نظام صدام بحق الشعب العراقي والإنسانية؟

بالنسبة إلى جرائم صدام، كل ما يقال عنها، ومهما نغوص في أعماق الحديث بشأنها،لا نستطيع أن نحصيها في الحقيقة، لأن صدام المجرم قد ارتكب ما ارتكب من جرائم لا يمكن أن نشرحها بلسان، وحتى أن عرضت صورها، لا يستطيع البعض أن يتصور مدى قمعية وإجرام هذا النظام الوحشي.

أنا شخصياً مسيرتي في زنزانات النظام طويلة، وقد دخلت 11 سجناً، وشاهدت بأم عيني كثير من العوائل المعذبة، وكثيراً من النساء وضعن حملهن داخل السجن، أطفال بنين وبنات وبأعمار مختلفة ولدوا داخل السجون، وهناك قصص كثيرة رهيبة بخصوص تعذيب وقتل أعداد كبيرة من المعتقلين والسجناء من الرجال والنساء اللائي انتهكت أعراضهن داخل السجون. بسبب عدم إدلاءهم بمعلومات تخدم أمن النظام الحاكم ولا مجال هنا لسرد التفاصيل بذلك، سوى إني أذكر أن ما حدث في سجن أمن الناصرية على يد ضابطي الأمن المجرمين (النقيب أحمد طلقة والرائد محمد الشفل) من إجرام وبشاعة فضيعة بحق السجناء، هو شيء قليل من هذا الإرهاب والتنكيل المروع، ففي حادثة واحدة من جملة جرائم هذين العنصرين هو أنهما قتلاً داخل سجن أمن الناصرية ثلاثة أطفال لمجاهدة من أهل المحافظة المذكورة كانت قد اعتقلت بسبب زوجها المجاهد والمعارض الهارب، كما تعرضت هي للتشوية والتعويق البدني بسبب صلابة موقفها وتحديها للسلطة وعدم إدلاءها المعلومات المطلوبة والإعتراف على زوجها.

أما بالنسبة ما جرى لي في السجن منذ اعتقالي منتصف عام 1998م ولغاية أواخر 2002م فقد اعتقلت السلطة أهلي بأجمعهم، وبدأت معهم مسائل التحقيق، وأنا تعرضت لمختلف أنواع التعذيب، وهذه بعضاً من آثار التعذيب، حيث كُسرت يدي اليمنى وتعطلت إحدى الكليتين، وكذلك الجهاز التناسلي قد انتهى جراء التعذيب، إضافة إلى وجود كسر في جمجمة الرأس.

وهنا أضيف لك معلومة غائبة عن الكثير من وسائل الصحافة والإعلام، وهي أن نظام صدام، وبعد إصداره ما أسماه بقرار العفو العام عن السجناء وتحديداً بتاريخ 13/8/2002، قام بضرب السجناء السياسيين الموجودين في قسم الأحكام الخاصة سجن أبو غريب ببغداد، بالسلاح الكيماوي مستخدماُ ما يسمى بـ(غاز السي-أس)، وقد وقعت إصابات كثيرة جراء ذلك في صفوفهم، حيث توفي خمسة سجناء وأصيب عشرات آخرين تم نقلهم إلى المستشفى الخاصة بالسجن، وحين اندلع الإحتجاج والغضب داخل السجن، تذرع مسؤولوا النظام، بأن وحدة عسكرية كانت تجري تمريناً بالسلاح الكيمياوي في مكان مجاور للسجن، وأن خطأً ما تسبب في إصابة السجناء، وكانت تلك كذبة مفضوحة، وقد دون السجناء شهاداتهم بهذه الحادثة المفجعة.

أما عن أعداد السجناء السياسيين، فأنا يكفي أن أقول أن العراق كله هو سجن كبير، وأن الشعب بأسره يرزح بداخله، وسجانه هو نظام صدام المجرم، وما شاهدته في السجون العديدة التي تنقلت بها فهو شيء رهيب، ففي سجن القاطع السياسي بمديرية أمن بغداد وحده كان هناك حوالي 5 آلاف سجين سياسي، أما في قاطع الإعدامات فحدث ولا حرج، ففي ليلة واحدة قبل صدور ما سمي بقرار العفو العام الأخير بأيام قليلة أعدمت السلطة 1600 سجين سياسي في ليلة واحدة فقط وهم قياديي حركة أنصار الشهيد الصدر الثاني، فيما وصل مجموع عدد الذين أعدموا خلال شهر آب 2002 وحده إلى ما يقارب الأربعة آلاف سجين، وهؤلاء السجناء هم من الإسلاميين من أنصار السيد محمد محمد صادق الصدر ومن قوى وانتماءات وطنية ومستقلين كذلك.

 تجري حالياً استعدادات مكثفة لعقد مؤتمر خاص لعلماء الدين الشيعة والسنة في العراق قريباً، وفي مدينة النجف الأشرف، وذلك على ضوء مبادرة من سماحة العلامة السيد محمد بحر العلوم، كيف تنظرون إلى هذه المبادرة والمؤتمر المرتقب، وهل ستشاركون فيه؟

في البداية أقول جزاء الله للعلامة السيد بحر العلوم ألف خير على مبادرته الكريمة بعقد هذا المؤتمر، لأننا لا ننادي فقط بأننا شيعة، وإنما ننادي بالوحدة الإسلامية الشاملة وحقيقة إن تم هذا المؤتمر فإنه خطوة جيدة، وهذا أيضاً ما نادى به المرجع الشهيد السيد محمد محمد صادق الصدر (قدس سره) عندما وحّد بين السنة والشيعة، ودعاهم إلى صلواة الجمعة، وقد استجاب الكثير من الأخوة السنة لهذه الدعوة، ورحبوا بذلك، وبادروا إلى الحضور فعلاً في مراسم صلاة الجمعة، كما وحضروا مجالسنا، ونسأل الله تعالى بأن يتم أمر المؤتمر وتتوحد الأمة الإسلامية.

 

أرسل ملاحظاتك حول اللقاء