رجوع

ارشيف الأخبار

الشيخ محمد الصفار يدعو للانفتاح على التشدد

 

في سياق الرفض والشجب للأحداث الأخيرة التي وقعت في الرياض قال فضيلة الشيخ محمد الصفار في كلمة الجمعة التي ألقيت في مسجد الفتح بالقطيف 15 ربيع الأول 1424هـ، إن الإنسان بفطرته المحبة للخير يرفض هذه الأعمال، وبإنسانيته يستنكر هذا المنطق وبدينه الإسلامي يدين هذه التصرفات.

وكان فضيلته قد بدأ كلمته بالآية القرآنية المباركة (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ، الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ)، مؤكداً على أن الأمن والأمان نعمة تستحق الشكر لله سبحانه وتعالى وأن الإنسان والمجتمع لا يشعر

بها إلا إذا فقدها، إن المجتمع الفلسطيني يعرف ماذا يعني الأمن بالنسبة للإنسان، وأخوتنا في العراق الحبيب كانوا أكثر شعوراً بهذه الحاجة حين انفلتت الأمور هناك.

والسبب الذي يدعونا إلى رفض هذه التصرفات وعدم القبول بها هو ما يلي:

1- صعوبة السيطرة على هذه التصرفات بعد حين إذا ما قوبلت حاليا بالقبول وتحت أي مبرر كان، إن الحالة الجزائرية لا تزال حاضرة في الأذهان وليست بعيدة عنا لا في الزمان ولا في المكان، فهي جرح لا زال دامياً.

2- استغلال بعض الفئات لهذه الظروف التي تتشاغل فيها أجهزة الأمن والسيطرة كي تلعب في الوقت الضائع فتُصفي حساباتها سواء على صعيد قبلي أو غير ذلك.

3- إتاحة الفرصة للأجنبي ليتسنى له التدخل أكثر في قضايانا الداخلية وأجهزتنا الأمنية خصوصا في هذه الفترة التي تعيش الأمة فيها حالة من الضعف أمام القوة الأمريكية تحديدا وقوى الغرب بشكل عام.

ثم أضاف فضيلته متحدثا عن الطريق الأنجح لعلاج هذه القضايا فقال:

لا يجدي كثيرا أن نكيل لهم السب والشتم، ولا ينفعنا أن نحاول إقصاءهم واحتقارهم ولا حتى تهديدهم وتوعدهم، كما لا يجدينا أن نُهوِّن من خطرهم فنقول عنهم أنهم جماعة قليلة وبسيطة، وسينتهي أمرهم بالمتابعة الأمنية، وتصور فضيلته أن يكون الحل في أمور:

أولاً: الانفتاح عليهم، ومحاولة الفهم الدقيق لتصوراتهم وأهدافهم، والتخاطب مع قواعدهم، ما وجدنا لذلك سبيلا، إذ قد يلجئهم التشدد إلى ردود فعل أكثر شده وعنفا، فإذا كان دافعهم هو أفكار قد آمنوا بها فعلاج هذه الأفكار هو التخاطب والتحاور دون أية لغة أخرى.

ثانياً: إصلاح الخطاب الديني، فقد صدئ خطاب المؤسسة الدينية وبلي وانتهى زمن تسويقه، إنني أتصور الإصلاح في الخطاب الديني في أمرين:

أ- أن ينتهج نهج التسامح والنظر للآخرين باحترام وتقدير، فالتصرفات العنيفة لا تَنتج إلا من فتاوى التكفير والتفسيق للآخرين واستحلال دمائهم وانتهاك حرمهم ومقدساتهم.

ب‌- أن يكون قريبا من قضايا الأمة وأحاسيس الشباب، يعيش آمالهم ويتحسس آلامهم، ويستجيب لانفعالاتهم، وأنه ليتمالكك العجب حين ترى العالم الإسلامي يضج لما حل بمخيم جنين بينما يعيش الخطاب الديني عندنا في عالم آخر، نصوص فارغة، وكلمات يتحسر الإنسان على الوقت الذي صُرف في كتابتها، وجيل لا يرى فيها ما يشفي الغليل ويرفع الإحباط.

إن هذا النوع من الخطاب لا يمكنه أن يوجه الشباب بعقل وحكمة وروية وهو يستخف بمشاعرهم... كما أنه الأقدر على هذا النوع من التوجيه في الأطر الصالحة للمجتمع، إن تمكن من كسب الشباب ووجه عواطفهم واستغل حماسهم لما فيه خير الوطن والإنسان.

ودون هذا الخطاب سيتجه الشباب إلى من يوجه حماسهم من الجماعات ويُجيِّر إمكاناتهم من القوى التي نختلف معها في النهج والأسلوب والممارسات والأهداف.

ثالثاً: التوجه الجاد لإصلاح مناهج التعليم، فلغتها متشددة لا تحترم الآخر المختلف معها ولا تحاول الوصول معه إلى أرضية التآخي وإن كان مسلما بل هي تدفع إلى روح التعالي، وإشعار الأخر بالدونية وفقد الشرعية، فحين تنظر فئة إلى نفسها باعتبارها تملك الحقيقة المطلقة والتوحيد الخالص، بينما الآخرون مشركون بالشرك الأكبر أو الأصغر فهي تُشرع الإلغاء والإقصاء والإهانة لعقائد الآخرين، وفي ذات الوقت تساهم في تمزيق الوطن وتحويله إلى فئات يعيش بعضها تحت الاضطهاد التعليمي الديني دون أن يشعر بالرضا والراحة والأمان.

رابعاً: لا بد من العمل في الاتجاه المعاكس لتيار التشدد والعنف وذلك بالاستجابة للمبادرات العاقلة والمطالب التي تحكي معاناة الناس، إن هذه الاستجابات المرجوة من شأنها أن تفك الخناق وتنفس الضغط، مؤكدة على الأسلوب الذي يؤدي بصاحبه إلى النتيجة المطلوبة ضمن الأطر والقوانين القائمة، وضمن أخلاقيات السلم والحوار والتعاطي بحرية وشفافية.

وختم فضيلته كلمته سائلا المولى أن يرزقنا الأمن والأمان وأن يحفظ بلادنا وبلاد المسلمين من كل سوء ومكروه.