رجوع

ارشيف الأخبار

الشيخ محمد الصفار: الرسول الأعظم لم يعلن الحرب للدعوة إلى الإسلام

 

 

بمناسبة ذكرى مولد رسول الإسلام ومنقذ البشرية وخاتم الأنبياء محمد (صلى الله عليه وآله) أحيا فضيلة الشيخ محمد الصفار هذه المناسبة الكريمة في كلمة الجمعة بمسجد الفتح بالقطيف شرقي السعودية، مستفتحاً بالآية القرآنية الكريمة (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ * لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُسَيْطِرٍ) ليبين أنه لم يكن حمل رسول الله (صلى الله عليه وآله) عبء الرسالة وتحمل أتعابها، ومباشرة الإعلان عنها والدعوة لها إعلان حرب على بقية الديانات، وإهانة إلى علمائها ومقدساتها، بل كان الرسول (صلى الله عليه وآله) يخاطبهم بلسان (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ)، ذلك أنه يعلم أن الأمن والأمان لن يعم وينتشر والناس من حوله يستشعرون الإهانة لمقدساتهم ودياناتهم، ولعلنا قبل سنوات ليست ببعيدة سمعنا عن المظاهرات الصاخبة التي قام بها المسيحيون في بعض الدول الأوروبية والتي أحرقوا فيها عدة دور للسينما كانت تعرض فيلما يتعرض لشخصية السيد المسيح (عليه السلام) بالتجريح والإساءة بعنوان (الإغواء الأخير للسيد المسيح).

ولسنا بعيدين عن موقف بلادنا من كل دول العالم الغربي وهم يستخفون بأحكام القصاص القضائية ويطالبون المملكة بتغييرها، ويعتبرونها مأخذاً مهماً يدفعهم لمختلف الضغوط على هذا الوطن الكريم.

ولم ننسَ أيضاً انفجار المسلمين غضباً على ما كتبه سلمان رشدي في كتابه (الآيات الشيطانية) وهو يتهجم على شخص الرسول (صلى الله عليه وآله)، وكيف تصدى له الإمام الخميني (رحمه الله) بفتواه الشهيرة والتي عَرّضت علاقات إيران للتعثر مع الدول الأوروبية.

وقبل الإسلام كانت الدولة الرومانية مسيحية المعتقد وكانت بعض طوائف المسيحية تختلف مع بعضها في أمور اعتقاديه جزئية، ولكن الدولة الرومانية مارست القمع والتعذيب على من لم يدخل في مذهب الدولة.

وأضاف فضيلة الشيخ: إن الوضع استمر كذلك إلى أن جاء رسول الإسلام (صلى الله عليه وآله)، رسول (لاَ إِكْرَاهَ)، ليعطي للاختلاف حقوقه، وللمعتقدات احترامها، ولمقدسات الآخرين تقديرها.

وانطلقت شعارات الاحترام خفاقة لتقول للمؤمنين (وَلاَ تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا)، وجاء عهد الرسول (صلى الله عليه وآله) لنصارى نجران ليؤكد على أرض الواقع (إن لهم ما تحت أيديهم من قليل وكثير، من بيعهم وصلواتهم ورهبانيتهم، وجوار الله ورسوله لا يغيّر أسقف من أسقفيته، ولا راهب من رهبانيته، ولا كاهن من كهانته، ولا يغير حق من حقوقهم، ولا سلطانهم ولا شيء مما كانوا عليه)، وجاءت آية (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنْ الغَيِّ)، وآية (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ).

واستمر هذا النهج النبوي في العتره الطاهرة (عليهم السلام)، فهذا هو الإمام الصادق (عليه السلام) يأتيه رجل ويذم مجوسياً عنده وإذا بالإمام (عليه السلام) يقول له: مه، فقال الرجل انه ينكح أمه وأخته، فقال الإمام (ذاك عندهم نكاح في دينهم).

لا شيء يحافظ على أمن الناس واطمئنانهم أكثر من احترام مقدساتهم وعقائدهم، وعلى العكس من ذلك فلا أمر يؤدي للفوضى والاحتراب كما أسلفنا أشد من إهانة معتقدات الآخرين ومقدساتهم ورموزهم.

وتعليقاً على بعض الأحداث التي شهدتها منطقتنا من إهانة إلى بعض رموزنا وأماكننا الدينية قال فضيلته: في الفترة الأخيرة كثرت الحوادث المؤسفة، التي تحاول دفع البلاد إلى النفق المظلم، والاختصام المبغوض، ولأن الزمن ليس زمن الكتمان بل زمن إباحة المعلومة وتحررها من كل قيد، فقد بدأت كتابات منتديات الإنترنت تزخر بالغث والسمين، ويمكن أن يلتمس الإنسان العذر لهؤلاء الناس الذين تدفعهم فطرتهم للدفاع عن عقيدتهم ومقدساتهم ورموزهم بسبب طول المعاناة، وما يتعرضون له يومياً من احتكاكات وإهانات، والأهم من ذلك أن الأبواب لا زالت مؤصدة مغلقة أمامهم، حتى الخطابات الدينية والتي بُثت في الفضائيات وكررت مراراً في الأسبوع المنصرم، جاءت مخجلة وأَشعرت أهل المنطقة بالخيبة، لقد حرمت تلك الخطابات الاعتداء على كل أجنبي يعيش في هذه البلاد مهما كانت ديانته وعقيدته واستدعت كل ما عندها من أحاديث وروايات داعمة إياها بالسيرة النبوية لتصويب موقفها الصريح من أجل حمايتهم وأمنهم، لكننا لاحظناها تتوارى وتتهرب حين تسأل عن الشيعة والموقف منهم، تاركة الباب مفتوحا عليهم.

ومع أنني ألتمس بعض الأعذار للانفعالات التي بدت واضحة على أغلب المنتديات، أحب أن أُذكر كتّاب المنتديات والمشاركين فيها بأمور لعل ملاحظتها تعود بالنفع لصالح الوطن وسلم المجتمع:

1- علينا أن نستحضر حين الكتابة والمشاركة في الانترنت إننا لا نتعامل ولا نتخاطب مع الفاعل والمرتكب مباشرة لتلك السلوكيات المشينة، بل هناك المئات والآلاف من الناس سيقرؤون ما نكتب، فالحكمة تفرض علينا أن نتحدث معهم بعقل وروية، كي لا يَنفضّ الآخرون عنا لعنفنا، أو أن يمسكوا علينا بعض المستمسكات بسبب حالات الغضب والانزعاج.

2- صرخة المعتدى عليه تخترق القلوب وتؤثر في النفوس، لكن التهور في ردة الفعل قد يضيع مظلوميتك ويحولك في نظر الآخرين من مظلوم تستحق التعاطف والنصرة والعون إلى موتور يستحق ما نزل به وأكثر.

3- علينا أن لا نجرم المذاهب ونهينها ونتجرأ عليها ونعاديها، بل علينا أن نعادي الخطأ ونرفض التصرف المسيء والجهل والأفكار المنحرفة التي يقف وراءها كل عمل مشين، وإن كان فاعله منا.

4- لا ننسى أن هناك جهات لا يعجبها التقارب بين الشيعة والسنة والذي قطع شوطاً كبيراً من أجل خير البلاد والعباد، فعلينا بوعينا أن نفوت عليها ما تهدف له من فرقة واحتراب، وبتعقلنا ينبغي أن لا نجر إلى حيث دمار الوطن وأهله، ولنستحضر قول أمير المؤمنين (عليه السلام): (الشجاع من يملك نفسه عند الغضب)، حتى لا نخرب بأيدينا ما بنيناه وزرعناه.

5- من الخطأ أن نعطي الأمور أكثر من حجمها الطبيعي وأن نوليها أكثر مما تستحق فنخطئ تقدير القضايا والأحكام، ولنتأمل إننا في زمن الاحتقان وفي هذا الزمن لا تكون التفسيرات دقيقه ومصيبة دائماً.

ختاماً ومع كل هذه المحاذير من حق الإنسان أن يعلن عن ألمه وأن يرفع صوته حين يعتدى عليه، وهذا حق يحركه صاحبة متى شاء، وكل ما أدعو إليه أن نكون حكماء فقط.

وأخيراً ختم فضيلة الشيخ خطبته سائلاً الله عز وجل أن ينصر الإسلام والمسلمين وأن يحفظ البلاد من كل سوء ومكروه.