
|
لجنة السجناء الأحرار تواصل البحث عن المفقودين العراقيين |
|
تسعى لجنة (السجناء الأحرار) التي اتخذت من المقر السابق لمخابرات صدام مقرا، إلى مساعدة العراقيين الساعين لمعرفة مصير أقاربهم، الذين يعتقد أن أغلبهم قد أعدم من قبل شرطة النظام القمعي البائد. وتحول المقر السابق للمخابرات، إلى موقع حداد للعراقيين الباحثين عن مفقوديهم الذين لا يعلم عن مصيرهم أحد. إذ وقف عشرات الأشخاص مصطفين قلقين أمام جهاز كمبيوتر خزنت فيه أسماء 200 ألف مفقود، جمعتها اللجنة التي أسسها سجناء سياسيون سابقون حصلوا على ملفات الشرطة وأجهزة مخابرات النظام المخلوع. وتأتي ليلى عبد الحسين (30 عاما) وشقيقتها مريم (33 عاما) أسبوعيا، بحثا عن أي معلومة في شأن شقيقهما فؤاد (الطالب المتفوق) الذي فقد سنة 1981، عندما كان عمره (25 عاما), وتقول ليلى: (ذهب ذات يوم إلى المسجد ولم يعد, وبعد ثلاث سنوات قدمت الشرطة السرية إلى المنزل لتبلغنا، إن علينا ألا نقيم له جنازة, ولم يكن لدينا الحق في طرح أية أسئلة). وتضيف هذه السيدة الكردية الشيعية: (لا أعتقد أنه لا يزال حيا, أريد فقط أن أعرف ما حصل له، وآمل أن أعثر على رفاته لدفنها في النجف الأشرف). ومنذ سقوط النظام العراقي، تم الكشف عن عشرات المقابر الجماعية، عثر فيها على رفات آلاف الأشخاص، أغلبهم من الشيعة والأكراد أو سجناء سياسيين أعدمهم الحرس الجمهوري أو مسؤولو حزب البعث. وكان الشيعة الذين يمثلون نحو 75 في المائة من الشعب العراقي والأكراد، عرضة لقمع نظام صدام الذي يتحدر القسم الأكبر من مسؤوليه من العرب السنة. وقدرت منظمة (هيومن ووتش رايتس) عدد المفقودين بما لا يقل عن 290 ألفا، في حين قدرته منظمات إنسانية أخرى بـ(800) ألف شخص. وأتى أياد عدي، وهو شيعي في الأربعين من العمر، للسؤال عن والده، الذي اعتقلته الشرطة السرية سنة 1980. ويقول: (كان والدي صاحب محل محبوبا من جيرانه, كان يساعد الفقراء, أريد فقط أن قيم له جنازة) إحياء لذكراه. ويتذكر محسن جلوب (63 عاما ـ شيعي) كيف فجع بولديه, ويقول: (كانا في الخامسة عشرة والسابعة عشرة, فقد الأكبر سنة 1992. وبعد عامين جاء دور الأصغر), وأضاف: (لا اعرف إلى الآن ماذا حل لولدي اللذين لا أزال أبكيهما, ولو تمكنت من رؤيتهما لأبلغتهما إننا لم نعد نعيش في ظل الرعب وان صدام رحل). وبعد انتظار دام ساعتين، علمت الشقيقتان عبد المحسن، إن أخاهما اعدم سنة 1982. وقالت مريم باكية: (كان لدي بصيص أمل انه لا يزال حيا, الآن كل شيء انتهى), أضافت ليلى: (وددت لو ضممته مرة أخرى إلى صدري, سيظل أبدا في قلوبنا). من ناحيته، كانت آخر مرة رأى فيها طالب حسين أخويه عام 1992، قبل أن يقبض عليهما ضباط المخابرات, وكاد الاستفسار عن مصيرهما أن يكلفه حياته قبل إطاحة صدام في ابريل الماضي. ولم يعد حسين يخشى خمسة مخبرين سريين يقيمون في بيوت عبر الشارع لمراقبته بعد اعتقال أخويه سعد وحامد لاشتراكهما في تظاهرات الشيعة عام 1991. لكن الحرية جاءت بخيبة أمل. فالمعلومات شحيحة عن أي شخص له صلة بقلاقل عام 1991، عندما سحقت دبابات صدام (الانتفاضة الشعبانية). ويعتقد حسين وعائلات كثيرة، إن أقاربهم اعتقلوا وعذبوا واعدموا ثم دفنوا على الأرجح في قبور جماعية. ويوجد في العراق حاليا، فريق من الخبراء الشرعيين البريطانيين لمساعدة الأسر في التعرف على أقاربها وإقامة الدعاوى الجنائية ضد المسؤولين عن قتلهم, لكن العائلات التي هرعت إلى مقابر جماعية بعد سقوط صدام، أتلفت الأدلة، مما زاد من صعوبة مهمة الخبراء. كما إن العراق أمامه طريقا طويلا قبل قيام نظام قضائي فعال, ولذلك ليس أمام حسين وعائلات المفقودين سوى الانتظار, وبينما يتوجه حسين إلى مكاتب هيئات إنسانية تساعد في البحث عن المفقودين، يذهب أخوه رعد (29 عاما) إلى المقابر الجماعية في المدينة. ورعد، وهو عداء سابق، ليس بحاجة ليتساءل عما إذا كان أخواه تعرضا للتعذيب, فقد اعتقل هو شخصيا عام 1992 بتهمة الاتصال بإيران, وقال انه تعرض للتعذيب بالصدمات الكهربائية وضرب على ساقيه بقضيب من الحديد أثناء سجنه مدة سبع سنوات. وبخلاف الصور القديمة يحمل الشقيقان ذكريات أخرى, فقد كانت زوجة حامد حاملا في الشهر الثامن، حين رأته آخر مرة, وجلست ابنتهما، وهي الآن في الثالثة عشرة، في غرفة المعيشة وهي ترتدي الحجاب والزي المدرسي تستمع إلى الحديث عن أبيها، وكيف أنه كان يقف قرب تظاهرة عندما اعتقلته الشرطة. وعلم حسين في وقت سابق من أصدقاء سألوا ضابطا في المخابرات، إن أخويه ماتا وان الضابط نصحه بالتوقف عن البحث حتى لا يتعرض للخطر, قال: (سمعت أنهم كانوا يصبون البنزين في أفواههم ثم يطلقون النار عليهم فتنفجر أجسامهم).
|