رجوع

ارشيف الأخبار

سماحة الشيخ حسين الأميري:  الامام علي بن أبي طالب (ع) جسد تعاليم الإسلام الخالدة

وسام السبع -البحرين

في لقاء مع صحيفة الايام البحرانية تحدث سماحة الشيخ حسين الأميري وهو أحد خطباء المنبر الإسلامي عن الذكرى الأليمة لشهادة الإمام علي (ع) وكان لنا وقفة قصيرة مع سماحته وقد وجهنا له بعض الاسئلة نسلط فيها الضوء على فلسفة إحياء شعائر أهل البيت (عليهم السلام) ونستلهم بعض الدروس من سيرة الإمام علي (ع).

ما هي فلسفة إحياء ذكرى استشهاد الإمام علي (عليه السلام)، وسائر وفيات ومواليد الأئمة (ع)، وإلى أي مدى يسهم هذا الإحياء في تهذيب السلوك؟

يمكن النظر إلى إحياء ذكرى أهل البيت (ع)من خلال هدفين، الهدف الأول يمكن التمهيد له بالقول أن كل حضارة من الحضارات تحاول أن تحصل على مصداق ونموذج يكون قد جسد كل قيمها ومبدأها، حتى يكون نموذجاً وقدوة وأسوة، والإمام علي (ع) قد جسد كل القيم والمعايير والسجايا الحميدة التي جاء بها الرسول (ص) ودعا إليها، فهو خير أسوة يمكن الاقتداء به، والهدف الثاني يمثل إحياء ذكرى هذا الرجل العظيم بمثابة دعوة مخلصة للاقتداء به في الجوانب المتعددة لشخصيته التي اختزلت كل معالم العظمة والبطولة في الأبعاد التربوية والأخلاقية والسياسية والاجتماعية. ومن الممكن الإشارة إلى الإمام علي (ع) أنه قد برزت في حكومته كل القيم والمبادئ والضوابط الشرعية والأخلاقية التي دعى إليها رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) باسم القرآن.

فنحن إذاً نحيي ذكرى الإمام علي (ع) لنقتدي ويقتدي به المسلمون في عبادته وسجاياه، في أخلاقه الاجتماعية وفكره الاعتقادي.

كيف يمكن قراءة فكر الوحدة في سيرة وتعاليم الإمام علي (ع)؟

الإمامة اصطفاء وانتخاب إلهي، وكما أن النبوة اصطفاء وانتخاب إلهي كذلك الإمامة مع تفاوت بينهما بالطبع، وهذا بخلاف الولاية التي هي أمر كسبي، حيث يستطيع كل إنسان أن يكون ولياً صالحاً لله.. والإامم إمام وصلت له الخلافة أم لم تصل، وقام بأمر الدنيا أم لم يقم، وفي الوقت الذي كان الإمام علي يرى أن أمر الخلافة آلت إلى غيره من الخلفاء لم يتمتنع عن مشاركة المسلمينفي حياتهم السياسية والاجتماعية وإنما سعى إلى ان يكون مشاركاً فاعلاً فيها، مقدماً المصلحة العامة للإسلام والمسلمين وهو القائل: لا سالمن ما سلمت أمور ديني، وقد نقرأ في التاريخ العام للمسلمين كيف ان الخلفاء كانوا يستشيرونه في أمور وقضايا عديدة. لقد كان الإمام يسعى بإخلاص إلى توحيد الصف ما أكنه ذلك، ورأينا أن الخلافة لما وصلت إليه سعى إلى توحيد الصف الإسلامي بإعطاء الحريات الكاملة لا سيما لخصومه ومعارضيه، ففي عاصمته الكوفة كان ابن الكواء يملك مئذنة ينال فيها من الإمام علي ومن شيعته ولم يكن الإمام يعترض عليه أبداً، حتى أن الخوارج ما واجههم الإمام إلا لما حملوا عليه السلاح وأشهروا سيوفهم وبعدها قد قال قولته المعروفة: (لا تقاتلوا الخوارج من بعدي فإنه ليس من طلب الحق فأخطئه كمن طلب الباطل فأصابه).

كيف جسد الإمام علي (ع) قيمة العدل في سيرته الشريفة؟ وهل بالإمكان الاستفادة من تاريخنا في تمثل القيم العظيمة في تراثنا الديني والحضاري؟

إن السياسة الداخلية تقوم حسب المنظور الإسلامي للحكومة على مبدأ التحابب والشعور المتبادل بالمودة والمحبة، وعلى هذه القاعدة وضع الإمام علي (ع) أسس هذه السياسة مؤسساً بناءً شاهقاً للعلاقة بين الحاكم والرعية. يقول الإمام علي: (وأشعر قلبك الرحمة للرعية والمحبة لهم، واللطف بهم ولا تكونن عليهم سبعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق، يفرط بهم الزلل وتعرض لهم العلل، ويؤتىعلى أيديهم في العمد والخطأ. فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب ان يعطيك الله من عفوه وصفحه، فإنك فوقهم ووالي الأمر عليك فوقك، والله فوق من ولاك، وقد استكفاك أمرهم وابتلاك بهم).

فالعلاقة القائمة ليست علاقة حكم ومحكوم بل هي علاقة أب لأولاده يكن لهم الحب والعطف ويلطف بهم كما يلطف الأب بأبنائه وإذا ما أراد معاقبتهم على أخطاء ارتكبوها فلا يتجاوز الحدود، فلا يكون عليهم كالسبع يريد التهامهم منهم بل يكتفي في حدود التأديب.

وبالنص السابق يقلب الإمام علي مفاهيم السلطة ويأتي بمفهوم ليس بجديد بل يحيي تجربة الإسلام الخالدة في الحكم. فالحاكم هو أب قبل ان يكون حاكماً،  وعلاقاته بشعبه هي علاقة حب وعطف. وعلى قاعدة أبوة الحاكم ترسى جميع القيم والمثل المتعلقة بالعلاقة بين الحاكم والرعية.

لقد عرف عن الإمام علي شدته في اختيار ولاته ومحاسبتهم في الصغيرة والكبيرة ومشهور عنه محاسبته لابن حنيف في رسالته المعروفة التي ذكر فيها:

(أما بعد يا بن حنيف فقد بلغني ان رجلاً من فتية أهل البصرة دعاك الى مأدبة، فأسرعت إليها تستطاب لك الألوان...) إلى آخر الرسالة. هكذا كان دقيقاً في المحاسبة حتى على أمر صغير اقترفه الوالي وهو حضوره مأدبة ليس فيها أحد من الفقراء. ولقد كانت أولى مهام الإمام (ع) أن يجسد العدالة الاجتماعية في دنيا الناس ويمنح المنهج الإسلامي فرصة في البناء والتغيير على شتى الأصعدة، فقد أرسى خططه الإصلاحية، وقام بإلغاء السياسة المالية والاجتماعية والإدارية التي كان معمولاً بها ليوفر الجو المناسب لتطبيق المخطط الإسلامي في العدالة الاجتماعية من خلال استرجاع الأموال المغتصبة من بيت امال، واستغنى عن كثير من الولاة الذين أساؤوا التصرف، وخالفوا أمر الله تعالى، وتخطوا منهجه الأقوم الذي ارتضاه لعباده، ثم بادر الى تبني سياسة المساواة في توزيع المال والحقوق، منهياً بذلك دور الطبقية والتمييز والأثرة: (المال مال الله، يقسم بينكم بالسوية لا فضل فيه لأحد على أحد)، وقد تبنى الإمام سياسة العدل الشامل: في معاملة أفراد الأمة وفي منهج الحقوق وفي توزيع المسؤوليات.