
|
أسرة عبد العزيز بركات نقيب الصحافيين العراقيين الأسبق تستعد لمقاضاة صدام حسين بتهمة الأمر بتذويبه بالأسيد |
|
تنتظر أسرة عبد العزيز بركات، آخر نقيب منتخب للصحافيين العراقيين قبل تولي حزب البعث السلطة في العراق عام 1968، وناشر جريدة «المنار»، تحديد الجهة القضائية التي ستتولى محاكمة الرئيس العراقي المعزول صدام حسين عن الجرائم التي اقترفها بحق شعبه، لتتقدم بدعوى رسمية ضده، بتهمة المسؤولية عن إعدام عميد أسرة آل بركات في عام 1969 من دون توجيه تهمة له او احالته الى محاكمة عادلة، ومن ثم التخلص من جثته بإذابتها في الأسيد كأول الضحايا الذين ينفذ بهم هذا النوع من العقاب. وذكر سعود بركات، 49 عاما، الابن الذكر الوحيد لعبد العزيز بركات ان والده غادر منزله في بغداد في التاسع عشر من مايو (آيار) 1969 بصحبة رجال يعتقد أنهم من المخابرات العراقية أو من حزب البعث، ولم يعد، حتى انقطعت أخباره نهائيا في عام .1974 وأوضح سعود بركات أن اعتقال والده جاء بعد أشهر قليلة من الحملة التي نفذها البعثيون ضد عراقيين يهود، إضافة إلى بعض الشخصيات السياسية أمثال خالد الجار الله وحجي جيتا وعبد الهادي البكاري، بتهمة التجسس في حين كان الاستيلاء على أملاكهم هو السبب الرئيسي لاعدامهم في نهاية العام 1968. وأفاد سعود بركات، الذي امضى برفقة والدته وشقيقته الصغرى الثلاثين عاما الماضية في الكويت أنه شرع منذ سنوات في السعي للكشف عن ملابسات اغتيال والده والدلائل التي تثبت ضلوع صدام حسين في ذلك، خاصة أنه كان المسؤول المباشر عن التحقيق معه بصفته نائب رئيس مجلس قيادة الثورة والمسؤول عن الاجهزة الامنية في العام .1969 ويضيف بركات أن تفاصيل قصة غياب والده الذي كان في الثامنة والاربعين من عمره،ومن ثم مقتله بدأت عندما اقتحم رجال من المخابرات العراقية أو أعضاء من حزب البعث الحاكم منزلهم في حي المنصور ببغداد عصر التاسع عشر من مايو (ايار) 1969، «واقتادوه وهو بملابس البيت الى مكان مجهول، حيث أخذوا معهم أيضا جميع الأوراق الخاصة به الموجودة في المنزل، إضافة إلى سلاحه الشخصي، وبعد مغادرتهم أجرت الوالدة اتصالا هاتفيا بزوجة اللواء المتقاعد مزهر الشاوي وكان وقتها مديرا لميناء البصرة،بصفتها صديقة للوالدة وابنة عم الرئيس السابق أحمد حسن البكر،وقد أخذت والدتي وعمتي في ذلك الوقت إلى منزل صدام حسين حيث استقبلتهم زوجته ساجدة فأخبروها بالقصة ووعدت ساجدة بالمساعدة قدر استطاعتها». واضاف سعود بركات «بالفعل، بعد يومين وتحديدا في الساعة الثانية من ليل الحادي والعشرين من نفس الشهر اتصل شخص مجهول يطلب محادثة الوالدة، فأجابته الخادمة بأنها نائمة الآن، غير أنها وقبل أن تنهي المكالمة كانت الوالدة قد استيقظت على صوت رنين الهاتف، وانتقلت سريعا من الدور العلوي إلى الدور السفلي للرد،فأخذت السماعة وبدأت بالرد، فجاءها صوت رجل على الطرف الآخر يسألها إن كانت ترغب في الحديث إلى زوجها عبد العزيز بركات، فاجابته على الفور بالايجاب وبالفعل طمأنها الوالد على أحواله وأنه بصحة جيدة. وقد سألها فيما اذا تعرفت على الشخص الذي حادثها قبله بالهاتف فأجابت بلا، فقال لها: هذا أبو عدي (صدام)، وأنه سمع بأنها ذهبت لعائلة صدام حسين وكان وقتها نائب رئيس مجلس قيادة الثورة،فأجابته بنعم،فطلب منها عدم القطيعة معهم والتواصل معهم كون صدام هو المسؤول عن قضيته، ومن ثم سأل عني،وكنت وقتها بعمر 14 عاما، فأخبرته الوالدة أنني في البصرة في زيارة للأهل، فطلب منها أن أبقى هناك ولا أعود إلى بغداد في الوقت الحالي، وطلب منها أيضا إعداد حقيبة فيها ملابس خاصة به، وتجهيز بطانية ووسادة وتسليمها لعائلة أبو عدي، وهو بدوره سيوصلها لي». وتابع سعود بركات قائلا «في الصباح اليوم التالي ذهبت شقيقتي وعمتى بالأشياء المطلوبة إلى بيت صدام واستقبلتهم زوجته ساجدة التي أكدت لها أن أبو عدي غادر المنزل قبل نصف ساعة، فتسلمت منهم الأشياء وأكدت أنها ستسلمها لزوجها الذي سيوصلها بدوره للسجن حيث والدي هناك». وأضاف سعود، «كان اتصال آخر الليل هو الأول والأخير الذي تم مع الوالد، أما أخباره فبدأت تنقطع تدريجيا حتى اختفت نهائيا بانتقال صدام حسين وعائلته بعد عدة أشهر من منزلهم الخاص الى القصر الجمهوري، وبالتالي تعذر الوصول إليهم بعد ذلك لمعرفة أخباره، لتبدأ من جديد رحلة البحث عنه عبر بعض الوزراء والمسؤولين الذين كانت تربطهم به علاقات صداقة وطيدة، غير أن تلك الجهود باءت أيضا بالفشل». ويؤكد ابن بركات، «ان صدور حكم بمصادرة أملاك الوالد من قبل مجلس قيادة الثورة ومن ثم عرضها للبيع في مزاد علني اضطررنا إلى الانتقال لمسكن عمتي في البصرة،حيث مكثنا هناك طوال خمسة أعوام، توفرت خلالها مؤشرات فعلية على تضاؤل إمكانية رؤية الوالد من جديد، ناهيك من تعرضنا للمضايقات والاستجوابات الرسمية بين الحين والأخر، إضافة إلى المراقبة الدقيقة التي كنا نخضع لها، غير أنني في منتصف العام 1974 حصلت على إذن رسمي للذهاب إلى الكويت في زيارة لخالي الدكتور هاشم بركات الذي كان يعمل طبيبا هناك، والذي جمعني بالشيخ سعد العبد الله الصباح فور وصولي للكويت، حيث نصحنا الشيخ سعد بعدم العودة إلى العراق بعد أن سمع بمعاناتنا،وأتذكر أنه طلب من أحد المسؤولين لديه إحضار أهلي إلى الكويت بسرعة وسرية تامة،دون أن يلفتوا الأنظار لنا، وقد كان له ما أراد، حيث التأم شملنا في الكويت بعد فترة بسيطة، واستمر مقامنا فيها حتى الآن». ويؤكد سعود بركات أنه أثناء وجودهم في العراق وخلال المرات التي ترددت فيها والدته على بعض المسؤولين في الحكومة للسؤال عن والده والتوسط لاطلاق سراحه، صدف أن التقت بحسن العلوي الذي كان يشغل وقت ذاك منصب المستشار الصحافي لصدام حسين،فطلب منها كتابة خطاب مباشر للرئيس العراقي أحمد حسن البكر، تذكره فيه بفضل زوجها عليه، إلا أنها وبعد مغادرتها لمقر وزارة الإعلام وصل علي المطيري مدير عام الإعلام فسأل ما الذي تريده أم سعود، فأخبره حسن العلوي أنها جاءت تسأل عن زوجها،وانه طلب منها أن تكتب للرئيس البكر، تطلب منه اطلاق سراح زوجها، فقال المطيري «والله هذه امرأة بلهاء، هو ايش بقى من عبد العزيز بركات غير ثلاث شعرات طافيات في الحوض» يقصد حوض الأسيد، فسأله حسن العلوي ما هي قصة الحوض، فأخبره المطيري أن شقيقه حسن المطيري هو المسؤول عن التذويب في الأسيد، وقد أحضروا له عبد العزيز بركات بحضور صدام حسين وذوبوه في هذا الحوض، كأول شخص ينفذون به هذا الإجراء. وكان حسن المطيري مساعدا لمدير الامن العام آنذاك ناظم كزار، وقد اعدما معاً في عام 1973 بتهمة تدبير حركة انقلابية. ويقول سعود بركات انه بدأ بالبحث عن مصير والده بعد عام 1992، وتحديدا بعد غزو الكويت، حينما نشر حسن العلوي قصة في صحيفة «الشرق الأوسط» حول زيارة والدتي له والحوار الذي دار بينه وبين علي المطيري، «من هنا بدأت في البحث عن الأشخاص الذين وجدوا مع والدي في سجن قصر النهاية، فعرفت أن من بين المساجين طاهر يحيى رئيس وزراء العراق في عهد الرئيس عبد الرحمن عارف والصحافي هارون محمد الذي كان أحد العاملين لدى والدي في جريدة «المنار»، حيث أخبرني بانه اعتقل وأودع في نفس السجن الذي كان به والدي، وأنهم كانوا يأخذون الوالد للتعذيب حتى لا يقوى على الحراك، فيعودون به وقد فقد الوعي من شدة التعذيب، وكانوا يطلبون منه الاعتراف على أشياء كثيرة والتوقيع أيضا على اعترافات متعددة، وفي كل مرة كانوا يغيرون هذه الأوراق، حتى صدر أمر بحبسه في سجن انفرادي في سبتمبر (أيلول) 1969». وينقل سعود بركات عن محمد قوله ان تهمة عبد العزيز بركات لم تكن واضحة، وإن كانت أقوى الروايات التي ترددت آنذاك تقول ان عبد العزيز بركات نقل رسالة خطية من الشيخ صباح الأحمد وزير الخارجية الكويتي آنذاك الى طاهر يحيى يخبره فيها عن اجتماع عقده في بيروت بين صالح مهدي عماش، احد اقطاب حزب البعث واصبح وزيرا للدفاع ونائبا لرئيس الجمهورية بعد انقلاب 17 يوليو (تموز) 1968 والسفير العراقي في بيروت مع مسؤولين في جهاز المخابرات الاميركية (سي. آي. ايه)، دار البحث فيه حول التخطيط للانقلاب على الرئيس عبد الرحمن عارف وعودة البعثيين للسلطة، وقد ثمن عارف المبادرة من قبل بركات، واحتفظ بالرسالة في خزانته الخاصة بالقصر الجمهوري بما يفيد أن عبد العزيز بركات ساهم في إحباط المخطط، ولكن عند انقلاب يوليو (تموز) 1968 وعودة البعثيين للسلطة، وجدوا تلك الرسالة، فاعتبروا أن بركات من أعداء الحكم الجديد ولذلك قرروا التخلص منه. والرواية الأخرى، تقول بحسب طاهر يحيى، انه ألقي القبض على عبد العزيز بركات لانه كان على علاقة وطيدة بطاهر يحيى والرئيس عبد الرحمن عارف قبل انقلاب البعثيين عليهم. وتقول ثالث الروايات ان بركات وخلال إصداره لصحيفة «المنار» عكف على فضح الأعمال غير المشروعة التي كان يقوم بها البعثيون خلال فترة حكم عبد السلام عارف. ويشير سعود بركات الى أن تاريخ إعدام والده غير محدد على وجه التحديد، وإن كانت بعض الروايات تشير الى أنها تمت خلال الأربعة أشهر الأخيرة من العام 1969، حيث شاهده بعض المعتقلين اخر مرة في سبتمبر (أيلول) من ذلك العام قبل أن يعزل في زنزانة منفردة، وعندما حصلت في ديسمبر (كانون الأول) محاولة انقلاب فاشلة ضد الحكم الجديد، جمع البعثيون كل الانقلابيين في ساحة سجن قصر النهاية، وأمروا بإعدامهم جميعا على مرأى من المعتقلين، وعند تنفيذ الحكم في الشهر نفسه كان هناك جميع المعتقلين باستثناء عبد العزيز بركات الذي لم يشاهده احد، مما يؤكد أنه أعدم قبل ذلك التاريخ. ويشدد سعود بركات على أنه حشد ملفاته لخوض معركة قضائية طويلة ضد البعثيين المسؤولين عن مقتل والده وعلى رأسهم صدام حسين، واشار الى أنه سيستعين في دعواه بشهادة شهود ما زالوا على قيد الحياة، إضافة إلى بعض الوثائق التي حصل عليها خلال الأعوام الماضية. واعرب سعود عن خشيته من أن تحدث صفقة في الخفاء بين قوات الاحتلال وصدام حسين،يخلى سبيله بموجبها أو يتم نفيه إلى إحدى الدول دون محاكمة مقابل إعلامهم ببرنامج تسلحه الذين يبحثون عنه، إلا انه أكد أن أي اجراء لن يثنيه عن المطالبة بالكشف عن حقيقة قضية والده. وأوضح أنه توصل إلى اتفاق مع مجلس الحكم الانتقالي يتضمن إعادة جميع الأملاك التي صودرت منهم بعد سجن والده، إضافة إلى تعويضه ماديا على إغلاق صحيفة «المنار» طوال 35 عاما. واشار سعود بركات إلى أنه يعتزم ترشيح نفسه لمنصب نقيب الصحافيين في العراق بعد استتباب الأمن في البلاد وعودة الأمور إلى نصابها الطبيعي، وقال ان هذه الخطوة تحظى بدعم عدد من الصحافيين العراقيين في داخل العراق أو خارجه. صحيفة الشرق الأوسط
|