
|
المشيعون لجثمان الشهيد المياح الاعتداء على أساتذة العراق هو ضربا لأحد الرموز المشرقة في هذا البلد الممزق تحت آثار الحروب |
|
دفن الاستاذ الدكتور عبد اللطيف المياح، مدير معهد العالم العربي للبحوث والدراسات في الجامعة المستنصرية، يوم الثلاثاء الماضي تم قبر آمال الكثير من الأكاديميين العراقيين في تحقق الحرية الفكرية داخل العراق الجديد. وجاء مقتل المياح بعد 12 ساعة من إعلان تأييده عبر محطة فضائية عربية لاجراء انتخابات مباشرة، وهو رابع استاذ جامعي من جامعة المستنصرية في بغداد يقتل خلال الثمانية أشهر الأخيرة. وقال سلمان الريس أحد طلبة الدكتور المياح إن «اغتياله هو جزء من خطة تستهدف أي مثقف في هذا البلد وأي صوت حر. إنه شهيد العالم الحر». واعترف الكثير من الأكاديميين يوم الثلاثاء الماضي أن القتلة نجحوا في حملتهم الترهيبية. وقال أحمد الراوي أحد زملاء المياح إنه «بعد اغتيال الدكتور المياح نشعر أننا مستهدفون». واضاف «انا وبقية الأكاديميين سنفكر مرتين قبل الادلاء بأي تصريح مثير للجدل. وشارك مئات الأساتذة والطلبة في تشييع جثمان المياح حيث حُمل نعشه الملفوف بالعلم العراقي عبر المبنى الجامعي وكان المشيعون يبكونه بحرقة بينما كانت زوجته التي بدت عليها مشاعر الحزن البالغ تحمل صورته وهي تنوح فوق نعشه. ويشكل الاعتداء على أساتذة العراق ضربا لأحد الرموز المشرقة في هذا البلد الممزق تحت آثار الحروب. إذ كان نظامه الجامعي في فترة الخمسينات والستينات مبعث غبطة وحسد في العالم العربي. وعلى الرغم من ثلاثة عقود من القمع تحت حكم صدام حسين فإن التعليم العالي في العراق ما زال يُنظر إليه باحترام كبير. وقالت راتشيل برونسون المحللة في مجلس العلاقات الخارجية في نيويورك إنها الطريقة ذاتها التي روّعت بها سرقة المتحف الوطني الكثيرين سيصدم هذا القتل الناس ويروعهم. هذا سيضيف المزيد من الصورة القاتمة الى ما هو قائم حاليا من مشاعر باليأس والعجز. وقال طلاب وزملاء الاستاذ القتيل المياح إنه كان أستاذا متحمسا وتتجاوز حلقاته الدراسية حدود الجامعة. وكان يستخدم أمواله الخاصة لشراء كومبيوترات لقاعة درسه. وبعد سقوط نظام صدام حسين رفع بندقيته العائلية لطرد الذين سعوا لنهب ممتلكات الجامعة. وأصر على أن تستمر قاعات الدرس في عملها خلال الحرب وبعدها وظل يجري الامتحانات حسب الجدول المقرر لها سلفا. وعلى الرغم من المهمة المرتجلة التي أداها في الحرم الجامعي كحارس بحمله السلاح بنفسه فإنه كان يتحدث عن الحاجة إلى حكومة متروية ومسالمة. وكان أحد أقواله المفضلة هو «لندع لغة السلاح تموت إلى الأبد ولنتبع لغة الديمقراطية». وكان يتحدث بتفاؤل عال حول مستقبل العراق لكنه في الأسابيع الأخيرة كان مهموما من استمرار الفوضى. وكان المياح الذي يبلغ من العمر الرابعة والخمسين واحدا من الناشطين القدامى للديمقراطية وأمر صدام حسين بسجنه بعد أن طالب بانتخابات سنة 1996. وظل يتلقى في الأسابيع الأخيرة العديد من رسائل التهديد. وقال العديد من الأصدقاء والأقارب إن المياح بدأ في الفترة الاخيرة يسير برفقة حارس شخصي. وحينما كان متوجها يوم الاثنين الماضي إلى الجامعة أوقف سيارته وهي من نوع (ميتسوبيشي)، عدد من الرجال المجهولين وأمروا المياح مع حارسه الشخصي وسائقه بترك السيارة قبل ان يفتح المسلحون النار على المياح الذي توفي في الحال بعد ان وضعوا في جسده 32 رصاصة. وعادة يُقتل الناس في العراق لأسباب مختلفة وغالبا ما يكون من الصعب تحديد الدوافع لأن القتلة نادرا ما يتم القبض عليهم. وهناك مخاطر يتعرض لها الأساتذة الجامعيون من عدة أطراف تتصارع حاليا لتسلم السلطة بعد سقوط صدام حسين. وفي الليلة التي سبقت مقتله كان المياح مدعوا في برنامج حواري لمحطة «الجزيرة» القطرية حيث أيد دعوة آية الله العظمى السيد علي السيستاني لانتخابات حرة قبل 30 يونيو (حزيران) المقبل، الذي يعد آخر موعد وضعته الولايات المتحدة لإعادة السيادة للعراق.
|