رجوع

ارشيف الأخبار

الجامعات العراقية تسعى للنهوض مجددا بعدما عانت في ظل النظام البائد

 

في إطار (ورشة عمل لمساندة الجامعات العراقية بغية شراء تجهيزات مواد مخبرية لكليات الطب وطب الأسنان والصيدلة) التي بدأت أعمالها في 15 آذار/ مارس الجاري، وأنتهت في 23 منه في لبنان، قال رئيس الوفد العراقي عميد كلية الصيدلة في جامعة بغداد الدكتور مصطفى الهيتي:

ان الحديث عن موضوع التعليم العالي في العراق يعيدنا الى فترة السبعينات. انذاك كانت التقارير الدولية، ومن ضمنها تقرير «اليونيسكو»، تشير الى ان العراق وصل الى مستوى متقدم فاق دول الجوار، لكنه بدأ بالانخفاض في اواسط الثمانينات، واستمر العد التنازلي حتى بداية العام 2003. والسبب الاساسي لهذا الانحدار يعود الى ان السلطة العراقية في تلك الفترة غرقت في الحروب مما استوجب توجه الاقتصاد العراقي الى دعم العجلة العسكرية واهمال التعليم. وهذا ليس السبب المباشر، فالسياسة التي كانت متبعة قضت بأن تحول العراقيون الى وقود للحرب والآلة العسكرية، وتوفير التعليم بشكل جيد يحول من دون هذه الغاية، لذا خططت السلطة السابقة لصرف الناس عن العلم انطلاقاً من ان قيادة الجاهلين اسهل. وهكذا بدأ التقطير في الانفاق على المؤسسات العلمية ونتيجة هذه السياسة، اصبحت الأمية التي كادت تنقرض في نهاية عقد السبعينات، ظاهرة ملحوظة منتصف التسعينات، في صفوف العراقيين وازدادت وضوحاً مع مطلع الالفية الثالثة، حيث بدأ الاهالي ونتيجة الفقر يوجهون اولادهم الى سوق العمل وهم اطفال للمساهمة مع العائلة في تأمين التكاليف المالية وانعكس هذا الواقع على التعليم الثانوي ثم انسحب على التعليم الجامعي، وتسربت كفاءات كثيرة محتملة الى سوق العمل. ولا ننسى ان الشباب الذين كانوا يعرفون سلفاً بأن الخدمة العسكرية مفروضة عليهم والى اجل غير مسمى، كانوا يشعرون بعبثية متابعة تحصيلهم فبعضهم قضى فيها 15 عاماً، واحد الاساتذة الموجودين في الوفد حالياً، وهو من كبار الاطباء، قضى خمسة اعوام في خدمته العسكرية. لذا لم يكن غريباً عزوف نسبة كبيرة من الشباب عن متابعة الدراسة الجامعية، لكن هذا الواقع لم يدفع الجسم الاكاديمي الى اليأس، وحتى اليوم ما زالت الجامعات العراقية تمنح شهادات عليا، ولم تتوقف حتى في أصعب الظروف.

وأكد الهيتي: ان ذوي الاختصاص في المجالات العلمية التطبيقية والنظرية قادرون على تلبية الحاجات في المجتمع العراقي، لكن هيمنة السلطة السابقة دفعت الى البطالة بعدد كبير من الاطباء والمهندسين والصيادلة. واليوم نسعى الى استصدار القرارات التي تقبل مبدأ الحرية والديمقراطية في دستور الدولة الجديدة بحيث تفتح اسواق العمل الحرة بكافة مجالاتها امام المتخرجين، وهدفنا هو توفير الفرص للجميع سواء في قطاع الدولة او في القطاع الخاص، مما يسمح بتوظيف الكوادر وذوي الكفاءات، كما ان تأهيل القطاع لن ينجز بين ليلة وضحاها، وانما يحتاج الى فترة انتقالية وتجارب الشعوب اثبتت امكانية تحولات من هذا النوع، فالمخاض بعد معاناة استمرت 35 سنة لن يستغرق وقتاً طويلاً، وسنسعى الى اختصار الفترة الانتقالية، لنستفيد من هذه الورشة ومثيلاتها ونستعيد جهوزية كلياتنا، اذ يفترض ان تتماشى الدراسة النظرية مع الدراسة العملية بشكل منسجم لتخريج جيل واع يستطيع ان يستلم زمام المبادرة، وأضاف الهيتي إلى ان التكاليف اللازمة لانجاز كافة المشاريع المتعلقة بقطاع التعليم تبلغ مليارا ومائتي مليون دولار حسب الدراسات المتفق عليها بين العراق واليونيسكو للوصول الى المستوى المطلوب في التعليم العالي.

وقال مدير مكتب (اليونسكو) الإقليمي في بيروت فيكتور بله: خلال سنوات الحصار، عاشت الجامعات العراقية معاناة علمية واكاديمية بسبب عدم السماح لها باستيراد التجهيزات والمواد المخبرية التي كانت تعتبرها لجنة العقوبات في الأمم المتحدة خطرة، لامكانية الاستعمال المزدوج في الشؤون العلمية والعسكرية، اضافة الى العزلة التي عاشتها هذه الجامعات نتيجة انقطاعها عن التقدم الذي كانت تحققه الجامعات العالمية، وأضاف أن التعليم عامة في العراق كان من الافضل في الدول العربية حتى مطلع الثمانينات، لكنه الآن وصل الى مستويات حرجة، ليبقى امل انقاذ هذا القطاع مرهوناً بالكفاءات البشرية المؤهلة لتعيد اليه عافيته في أسرع وقت ممكن.

والآن التعليم العالي في العراق يعاني من مشكلات عدة. جزء كبير منها نتج عن الحرب والدمار الذي حصل والنهب والسلب للتجهيزات التي سرقت من مواقع وكليات مختلفة في كافة الجامعات العراقية، لاسيما في المناطق التي كانت مسرحاً للعمليات العسكرية، حيث فقدت الجامعات مختبرات بأكملها واجهزة كومبيوتر بالآلاف، اضافة الى تدمير المباني. مما خلف وضعاً مأساوياً.

وأوضح الدكتور بله ان منظمة «اليونيسكو» تقوم بمساعدة القطاع التعليمي بشقيه العام والعالي لاعادة احيائه، لذا تسعى للحصول على الاموال من الدول المانحة. وقد انشأت صندوق دعم دولي لهذه الغاية. وكانت الشيخة موزة بنت ناصر المسند صاحبة مبادرة كريمة، اذ اعلنت عن التبرع بمبلغ 15 مليون دولار لهذا الصندوق في مؤتمر التعليم العالي الذي عقد في مقر المنظمة في باريس في يونيو (حزيران) العام الماضي، مشيراً الى ان المرحلة الاولى من الاستراتيجية العامة التي وضعتها المنظمة لتحديث معالم المشروع، اعطت الاولويات للكليات التطبيقية من هندسة وطب وطب اسنان وصيدلة.

وعن الواقع الحالي للتعليم العالي في العراق قال بله: «الجامعات عاودت التدريس بعد شهر من انتهاء العمليات العسكرية. وكانت الظروف صعبة، ولولا وجود حماس كبير لدى المسؤولين، لما تمكنوا من متابعة العمل. فقد تحولت الكليات الى خلايا نشيطة لازالة آثار العدوان عليها وحماية ما تبقى من ممتلكاتها وفق حراسة تطوعية قام بها التلاميذ على مدار 24 ساعة يومياً. كما شاركوا في اعمال التنظيف واعادة التأهيل والترميم جنباً الى جنب مع اساتذتهم. واستعانوا بدعم داخلي من الميسورين في المجتمع العراقي الذين سارعوا الى التبرع بالمال لشراء التجهيزات الضرورية. وبعد اصدار فتاوى بأن الاموال الناتجة عن السرقات في العراق محرمة، اعيد بعض التجهيزات والمعدات المنهوبة الى المساجد والكنائس واسترجعتها بعض الجامعات، كما عمد البعض الآخر الى شراء ما سرق منه من الاسواق المحلية.