رجوع

ارشيف الأخبار

إيران أفرجت عن البحارة البريطانيين والحرس الثوري الإيراني يتراجع عن مطالبه

 

أفرجت ايران يوم أمس عن البحارة البريطانيين الذين تم توقيفهم الاسبوع المنصرم حيث شهدت طهران مساعي مكثفة من قبل الحكومة البريطانية لحل المشكلة عن طريق القنوات الدبلوماسية. وذكر أحد المراقبين العسكريين أن ما حدث لم يكن رسالة موجه من بريطانيا، صاحبة ثاني أقوى وجود بحري في مياه الخليج بعد الولايات المتحدة، بقدر ما هو رسائل علنية لدول الجوار الخليجي العربي.

وأضاف إن غضب إيران من احتجاز دولتي قطر والإمارات العربية المتحدة لقوارب صيد إيرانية في الأسبوعين الأخيرين، اعتبرته طهران بمثابة إهانة لها من جيران ضعفاء يحتمون بأساطيل الأصدقاء، ولذلك جاء ردها سريعا بالتعرض للزوارق البحرية البريطانية الثلاثة واحتجاز رجالها الثمانية.

ولقد كانت حجة إيران في فعلتها التي كانت متأكدة أنها لن تصل إلى حد الصدام العسكري مع الجانب البريطاني، هي أن القوارب البريطانية دخلت المياه الإقليمية الإيرانية في شط العرب ، وهو ما اعتبره الحرس الثوري القوة الضاربة في إيران بمثابة عدوان سافر على المياه الإيرانية لكنه سرعان ما تراجع عن تهمة العدوان بعد أول تلويح دبلوماسي بريطاني بعلاقات جيدة مستقبلا.

كما أن الحرس الثوري الإيراني تراجع عما كان سرّبه من معلومات لوسائل إعلامية، أنه يطالب بريطانيا بالإفراج عن حوالي أربعين معتقلأ لديها من عناصره كانوا دخلوا جنوب العراق. يذكر في هذا الصدد أن اتهامات غربية صدرت منذ احتلال العراق بأن إيران دفعت بآلاف من عملائها إلى الأراضي العراقية، ولكن موقفا غربيا حاسما لم يتخذ، خشية التورط في معركة مع الجار الإيراني الشرقي، قد لا تكون محسوبة النتائج بعد التورط في العراق.

وحسب المحلل العسكري الغربي، فإن صراعا محتملا بين قوى التحالف الغربي (بريطانيا والولايات المتحدة ) أمر مستبعد، خصوصا أن التحالف معني في بلدين آخرين من جيران إيران هما أفغانستان والعراق وأن التحالف يثمن عاليا الموقف الإيراني المرن لا بل السكوت على تدخله عسكريا في هذين البلدين وخصوصا في العراق، حيث تم تخليص إيران من عدوها الشرس صدام حسين.

ويقول لذلك كانت الرسالة الإيرانية واضحة ليس لبريطانيا بل لحلفائها من الدول الصغيرة في الجناح الخليجي الغربي، مثل دولة قطر ودولة الإمارات، حيث تجرأت الدولتان في خطوة غير مسبوقة من قبل على احتجاز ما قيل أنه سفن صيد إيرانية، وقد يبدو أن الأمر يتجاوز ذلك حيث الحقيقة أنها زوارق بحرية من الطراز الذي يملكه سلاح البحرية الإيراني الذي هو القوة الثالثة في مياه الخليج حاليا.

يذكر أن دولة الإمارات العربية المتحدة، وبدعم من دول الخليج العربية الخمس الأخرى لا تزال منذ أكثر من ثلاثين عاما، تلح على الجار الإيراني بضرورة الانسحاب من جزر الإمارات الثلاث التي احتلتها قوات الشاه السابق في عامي 1970 و1971 حيث طنب الكبرى وطنب الصغرى كانتا تابعتين لإمارة رأس الخيمة، فيما كانت جزيرة أبو موسى تتبع إمارة الشارقة، ولكن السيادة الاسمية آلت إلى دولة الإمارات بعد إعلان قيامها العام 1971 .

وظلت إيران، حتى مع انهيار حكم الشاه السابق وقيام الجمهورية الإسلامية تصر على حيازتها للجزر الثلاث، بل إنها زادت من تدخلها في شؤون الجوار حين انتصرت ثورتها العام 1979 بالعمل على تصدير الثورة إلى تلك الدول، مطالبة أيضا بالسيادة على دولة البحرين كجزء من ممتلكاتها.

وحين كادت العلاقات تنهار بين إيران وجاراتها على هذه الخلفية، إضافة إلى تحذيرات قوية من الولايات المتحدة التي سرعان ما نقلت قيادة الأسطول الخامس إلى البحرين، واندلاع الحرب مع العراق، حتم على إيران التخلي عن مسألة تصدير الثورة والمطالبة بالبحرين سواء بسواء، لكنها استمرت في احتلالها للجزر الإماراتية الثلاث.

ويضيف المحلل العسكري في كلامه إن إيران تحس دائما بأن الوجود العسكري الأميركي والبريطاني في دول الجوار وخصوصا في دولة قطر، حيث قاعدة العديد الأكبر في المنطقة، مع بعض القواعد في مياه الإمارات ومضيق هرمز، "يشكل شوكة في خاصرتها ما دامت الأوضاع ملتهبة في المنطقة على خلفية الحال العراقي".

وتحس إيران التي أقامت في السنوات العشرين الماضية قوة بحرية جبارة مدعومة بالمدمرات، والغواصات النووية والزوارق البحرية السريعة، أنها مكتوفة الأيدي في ممارسة عربدة وسيطرة كاملة في الإقليم المائي الذي لا تزال تحلم بالسيطرة عليه كاملا لناحية استراتيجية مصالحها النفطية والاقتصادية، وهي تشعر سواء بسواء أنه ما دامت تلك الدول الجارة الصغيرة تستضيف تلك القواعد الأميركية إلى وقت قد يطول "فإن آمالها تتضاءل شيئا فشيئا في كونها صاحبة اليد الطولى، زيادة على أنها أيضا ترى في وجود هذه القواعد بمثابة فرض حصار بحري عليها ولو أنه غير معلن رسميا".

ويشير المحلل العسكري من جانب آخر، إلى قضية مهمة يحاول التذكير بها، وهي أن إيران لا تزال فضلا عن احتلالها للجزر الإماراتية، بأن لها ثأرا تاريخيا منها، حين سهلت دولة الإمارات لقوات بحرية أميركية في الثمانينيات الفائتة قصف قوات بحرية إيرانية، ثم إسقاط طائرة مدنية إيرانية فوق مياه الخليج ومقتل ركابها ألـ 280 بصاروخ أرض ـ جو انطلق من مدمرة أميركية.

ويشير المحلل العسكري إلى أنه رغم توقيع إيران مع دول الجوار الخليجي اتفاقيات حول المياه الإقليمية، إلا أنها لا تزال تعتبر نفسها "مظلومة ويتعين عليها إيجاد مساحة مائية أكثر لحركة أسطولها الضخم، ما دامت مصالحها مهددة بالوجود الغربي"، ويقول "لذلك لا نستبعد أن تستمر إيران بمماحكاتها ـ إن صح التعبير ـ لدول الجوار.

وإذ ذاك، فإن التصادم في مياه الخليج التي تشهد منذ العام 1980 أسخن حالاتها إلى درجة الغليان، لا يختص بإيران وجاراتها، بل إن الجارات أيضا تتصادم بين حين وآخر، فالعديد من المرات احتجزت دولة قطر سفن صيد بحرية بحرينية، ولكن سرعان ما كانت المسائل تحل عبر كواليس دبلوماسية سريعة يقودها الأشقاء الكبار العقلاء، ويبدو أن إيران "وجدت في العقلاء مثل سلطنة عمان ضالتها في تهدئة ممارسات الأشقاء الصغار الذين يحتمون بالقواعد الأميركية في التعدي على عربدة الزوارق الإيرانية !".

وأخيرا، لوحظ أن إيران، من بعد توقيف الإمارات وقطر لسفنها البحرية سارعت إلى إيفاد نائب رئيس الجمهورية على نحو عاجل إلى السلطان قابوس بن سعيد، سلطان عمان، للتدخل والضغط على الشقيقين "بالتوقف عن ممارسة احتجاز السفن الإيرانية، فهي سفن صيد لا أكثر"، يذكر أن سلطان عمان هو الوحيد إلى اللحظة طوال العشرين سنة الماضية الذي مارس دورا معتدلا مرنا بين الجار الثوري الإيراني والأشقاء الآخرين على ضفة الخليج الغربية، وهو دور مارسه أيضا طوال فترة الحرب العراقية الإيرانية من 1980 إلى 1988.