
|
المرجع الديني الامام الشيرازي دام ظله في لقائه نخبةً من المثقّفين: أنّ من أُولى مهامّ العمل الثقافي للإخوة المؤمنين هو تعريف العالم بمبادئ أهل البيت عليهم السلام |
|
التقى المرجع الديني سماحة آية الله العظمى الامام السيّد صادق الحسيني الشيرازي دام ظلّه نخبة من المثقّفين ، وألقى فيهم كلمة قيّمة بيَّن فيها الخطوط العريضة لأهميّة النشاط الثقافي، داعياً إيّاهم إلى مضاعفة الجهود، كما أكّد أنّ من أُولى مهامّ العمل الثقافي للإخوة المؤمنين هو تعريف العالم بمبادئ أهل البيت سلام الله عليهم. واستهلّ سماحته الكلمة بقول الله تعالى: ﴿قل هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾[1] مؤكّداً أنّ صيغة الآية الاستفهامية تريد الإشارة بوضوح إلى حقيقة الإجابة التي لا يختلف فيها إثنان، باعتبار أنّ العلم والعلماء أرقى منزلة من الجهل والجهّال. وقال سماحته: إنّ مسألة الثقافة من أهمّ المسائل في كلّ أُمّة وحضارة ... وإنّه قد يصحّ ما يقال بأنّ العالَم يدور على عجلة الإقتصاد والسياسة، ولكن الأصحّ من ذلك القول بأنّ الثقافة هي التي توجّه الإقتصاد والسياسة، فبقدر ما يحمل الفرد من ثقافة وعلم في كلا المجالين، فإنّه لا يَخسر ولا يُغلَب. وبخصوص ما هو منتشر من ثقافة ضحلة في عالم اليوم، فإنّ الثقافة الصائبة وحدها هي القادرة على مواجهتها وتصحيحها، لأنّ القوة أو المال أو غير ذلك يعجز عن مواجهة الثقافات وتغييرها، إذ لا يقارع الثقافة إلاّ الثقافة ... فقد يهزم التاجر زميله، والسياسي نظيره، ولكن الفكر والثقافة لا يهزمان بالمال أو القوّة السياسية أو العسكرية، بل لابدّ لمن أراد خوض الميدان الثقافي الهادف إلى التغيير أن يكون متسلّحاً بسلاح الفكر والثقافة ... ومن هنا؛ كان العمل الثقافي من أهمّ الأعمال في المجتمع، فهو يمثّل البناء التحتي لغيره من الأعمال. وقال السيّد المرجع: إنّ من المغالطات المعروفة، هي الخلط بين وحدة الموقف السياسي ووحدة العقيدة، فتصوّر الكثير من المسلمين بأنّ الوحدة بين الشيعة وغيرهم تعني فرض عقيدة واحدة على الجميع، في حين أنّ هذا الأمر شيءٌ مستحيل وخاطئ، إذ الاختلافات الفكرية من شأنها أن تُحلَّ بالحوار فقط، وليس من الضرورة أن يتمّ الاتّفاق على كلّ المعتقدات، فإنّ الاختلاف سنّة الحياة، وقد قال تعالى: ﴿ولا يزالون مختلفين﴾[2]. وتطرّق سماحته دام ظله إلى تفسير جانب من جوانب قوله سبحانه: ﴿ليهلك من هلك عن بيّنة ويحيى من حيّ عن بيّنة﴾[3] باعتبار أنّ الدليل هو الأمر الوحيد القادر على إحداث التغيير الجذري في قناعة هذا الإنسان أو ذاك، وأنّ الآية الشريفة بما يحويه مضمونها ومفرداتها من إعجاز باهر ـ تريد تأكيد ضرورة أن يعرف من هلك أنّه إنّما هلك لاختياره طريق الضلالة، وأن يعرف من يحيى أنّه إنّما حيّ لاختياره طريق الهداية، فالمهمّ أن يكون الإنسان عارفاً بما اختار، فلا يهلك وهو جاهل بالأمر، وكذلك لا يكفي للمرء أن يكون على الطريق الصواب، بل يريد الله منه أن يكون عارفاً بأنّه على صواب، وأن يكون اختياره له عن دليل وبيّنة. وأوضح آية الله العظمى الشيرازي أنّه لا يعني بتغيّر الإنسان بسبب فكرة أو كلمة ضرورة أن يحدث التحوّل المعلن لديه دفعةً واحدة، لأنّ تغيير المواقف والعقائد والإعلان عنه ليس بالأمر الهيّن، فهو يغيّر تاريخه، بل ونوعية وجوده ... ولكن الفكرة النيّرة تهزّ الإنسان ـ المنصف الواعي ـ وتدفعه إلى مزيد من البحث؛ وصولاً للحقيقة الكاملة ... وإذا اتّضحت له البيّنة آمن، إلاّ أن يكون معانداً، والمعاندون قليل، أمّا ما نراه في عامّة الناس من عدم الاهتداء إلى نور الحقّ، فهو التعصّب الناشئ من الجهل وعدم انكشاف البيّنة، الأمر الذي يحتاج إلى وسائل وفرص هي كفيلة بذلك... . وسرد سماحة السيّد المرجع دام ظلّه الوارف جملة من الأمثلة على نفوذ الثقافة الحقّة القائمة على البيّنة والبرهان في كثير من الأشخاص الذين كانوا يعيشون في بيئة عُرفت بعدائها للحقّ والحقيقة مثل ابن مروان بن الحكم الذي كان يسمّى بسعد الخير رغم ما هو معروف من بطلان خطّ أبيه، ومثل علي ابن المسمّى صلاح الدين الأيّوبي الذي ارتكب ما ارتكب من مجازر رهيبة بحقّ الفاطميين والشيعة تحت مظلّة مقاومة الهجمات الصليبية ... . وخلص سماحته في كلمته إلى القول: لمّا كان العمل الثقافي من أهمّ الأعمال، بل أهمّها، فإنّ ذلك يستوجب توفّر ثلاثة شروط، لضمان نجاحه وتحويله إلى عمل مثمر، وهذه الشروط هي: 1. التأكّد بأنّ فكر أهل البيت عليهم السلام هو النور والمشعل الوضّاء والبيّنة، وأنّ هنالك الملايين من البشر محرومون منه، وأنّ مهمّة إيصاله إلى هذا الكمّ الهائل ليس بالمهمّة السهلة ... ممّا يستدعي مضاعفة الجهود لنشر ثقافة النور الأصيلة لتحرير الناس ـ بمن فيهم المفكّرون والمثقّفون ـ من ظلمات الجهل. 2. إذا أردنا لأعمالنا أن تحقّق أهدافها، فلابدّ وأن تكون مطابقة للطريق الذي رسمه الشرع لنا، وإلاّ فسيكون مثَلنا مثل ذلك السائق الذي لا يتقيّد بالعلامات المرورية، ثمّ يتبيّن لنا أنّ المسافة التي قطعناها بعد مدّة طويلة لم تكن هي المطلوبة، وأنّه ينبغي علينا العودة إلى نقطة البداية لتصحيح المسار .. وبتعبير أدقّ: إنّ على العاملين في السلك الثقافي عموماً أن يعرضوا على الناس عين ما يريده أئمّة أهل البيت سلام الله عليهم، فهم أعلام الهداية وأنوارها. وأشار السيّد المرجع إلى نُبَذْ مختصرة من سيرة الإمام أمير المؤمنين عليه الصلاة والسلام باعتبارها نبذاً حيّة وأدلّة صادقة ينبغي التعريف بها وشرحها للناس. 3. ضرورة العمل وفق أجمل الأساليب وأنسب الأوعية، تماماً كما هو الحال بالنسبة لأساليب الأدعية الواردة عن أئمّتنا المعصومين حيث روعة البلاغة والفصاحة وجمال التعبير، فضلاً عن سموّ المعنى. وختم فضيلة السيّد المرجع هذا اللقاء القيّم بالدعاء للإخوة العاملين في السلك الثقافي بالموفّقية في نشر فكر أهل البيت عليهم السلام وفي بذلهم جهداً ووقتاً أكبر، وأن يتوخّوا الدقّة في مطابقة ما ينشرونه لنهج أهل البيت، وأن يتحرّوا الأساليب الجميلة والمؤثّرة لنشر هذا الفكر الأصيل. -------------------------------------------------------------------------------- [1] الزمر / 9. [2] هود / 118. [3] الأنفال / 42.
|