رجوع

ارشيف الأخبار

في ذكرى الرحيل الثالثة.. المرجع الطباطبائي يستذكر الإمام الشيرازي

  

 

كربلاء: حيدر السلامي

قال المرجع الديني آية الله السيد محمد علي الطباطبائي(دام ظله) مستذكراً الإمام السيد محمد الحسيني الشيرازي(أعلى الله مقامه) بمناسبة الاحتفال بالذكرى السنوية الثالثة لرحيله: إن الراحل العظيم لم يكن رجلاً عادياً ولا مرجعاً دينياً فحسب وإنما هو مدرسة كبيرة في العلم والزهد والتقوى والجهاد والعمل والأخلاق الرفيعة ويعود إليه الفضل في كثير من المشاريع الخيرة النبيلة والمؤسسات الإنسانية العملاقة التي يتمتع أبناء الإسلام بعطاءاتها المتنامية في أرجاء عديدة من العالم.  

كان ذلك خلال لقاء خاص أجراه معه مراسل(إباء) في كربلاء المقدسة مؤخراً، وأضاف سماحته قائلا: إن المراجع وفضلاء العلم هم رعاة الأمة فهم مسؤولون عن تأسيس مراكز ثقافية في كل بلدان العالم لتعنى بتدريس القرآن والأحكام والعلوم الإسلامية لكل الأعمار من الأطفال والشباب والشيوخ والنساء والرجال وبكل دول العالم كل مكان حسب لفتة ومراقبة أبناء المذهب لكيلا يتسربوا إلى أخلاق الكفار وعاداتهم وفسادهم بل يقفوا للدفاع عن حياض الإسلام في كل مكان ويفتحوا الحسينيات العاملة وليست الخاملة التي يديرها من اضهد الإسلام بمعاشه ومطاليبه ولم يقدم شيئا إلا أن يعقد مجلساً في بعض المناسبات يحضره المتبذخون البطرون ولم تكن فيها برامج تشجيعية ومناهج تربوية والمهم أنها مورد لرزق حفنة من المسؤلين ينفضون عنها أو يستولون على ملكها بمجرد أن يموت المرجع الذي اضهد الخزينة الإسلامية في شرائها بالملايين من العملة الصعبة...

وألفت إلى أهمية دور المراجع في هذه المرحلة الحرجة التي تعيشها الأمة الإسلامية مؤكداً: إن المرجع الديني لا يجلس في بيته لا يبدي أي حراك مجرد تدريس الفقه والأصول ويحاسب الطلاب على الفلسفة وقواعدها ولا يضطهد الاسلام والمسلمين هو ووكلاؤه بالبيوت والسيارات والأرصدة وجمع الاموال ويحرم على كل أحد من العلماء والفقراء أن يتحرش بموارده فيكون مكلفا للإسلام أكثر بكثير مما تكلف وبذل وخدم دينه واهل ملته وجاهد في سبيل إعلاء كلمة الله تعالى ولقد تعلمنا كل هذا من السيد الشيرازي نور الله تعالى ضريحه وكل المخلصين من طلابه والمتعرفين عليه عاملون في سبيل تطبيق هذا الدستور الشاق الطويل.

إلى ذلك تحدث سماحته عن الذكريات الجميلة التي جمعته والإمام الراحل فقال: ذكرياتي معه عليه الرحمة والرضوان كثيرة جداً ومنها أنه سألني مرة قبل شهر محرم الحرام لماذا لم تخرج إلى إحدى المدن للتبليغ فاعتذرت له بالانشغال والمطالعة فأمسكني من كتفي ودفعني من ظهري وقال: (روح روح يا كسلان). وأرسلني إلى إحدى القرى فسألني أحد الأعراب مسألة فأجبته فطاردني السائل وعاداني وحرض علي مجموعة من الناس ومنهم وكيل لأحد المراجع فانزعجت ورجعت من التبليغ وأسرعت إليه متوسلاَ أن يرسلني لمكان آخر فصاح بي بل ارجع واعتذر منهم لأنك أنت المخطئ فإن الرسول محمد(صلى الله عليه وآله) لم يجابه الخمار ويقول له أنت خمار ولا تقل لهم إنك جئتني وكلما توسلت به فلم يجد نفعاً وزجرني واستخار الله تعالى لرجوعي استخارة صورية فرجعت إليهم وحسن حالي عندهم بعد سؤال عدة منهم بقية العلماء وتبينوا أن جوابي صحيح. وسألني مرة: هل تقرأ زوجتك القرآن؟ فقلت: نعم فأعطاني مبلغا من المال وقال استهد(اشتر) مجموعة من المصاحف ولتعمل زوجتك هيئة لتجويد القرآن في البيت ولتستعن مع غيرها لتحسين القراءة للنساء وعلى الأقل في كل أسبوع مرة وعلي المصاريف. وقال لي في الكويت لا تبق في المدرسة واخرج للعشيش وهي خيم للعرب والعجم الفقراء في أطراف الكويت وعلي مصاريف التنقل فأصابني العسر من هذه التنقلات وحاولت أن أتعلم سياقة السيارة فتعلمت وأخبرته فاشترى لي سيارة وصرت أخرج في كل يوم بعد الدرس عصرا للتبليغ وأرجع إلى بيتي ليلا. وذكرت له أن منطقة اسمها جليب الشيوخ فيها شيعة كثير وليس لهم حسينية ولا جامع فاستدعى مجموعة من تجار الكويت وكلفهم بإقامة حسينية وعرفني على مجموعة منهم حتى أمر عليهم وأطلب منهم فاتخذت معي معينا من المؤمنين ودرنا كثيرا وأصابنا ما أصابنا من سوء خلق بعض الناس حتى جمعنا مالا واشترينا حسينية في جليب الشيوخ ولكنها استغلت من بعدي وأتمنى الرجوع إليها وإرجاعها حسينية تبث مبدأ أهل البيت وتعج بالمجالس والمحاضرات الإرشادية إن شاء الله تعالى. وسافرت يوما من الكويت في سنة1974م إلى الحج ورجعت من الحج إلى الكويت أيضا فتوسلت به أن أبقى عنده لأني أخاف القتل لو رجعت إلى العراق فقال لا أقبلك حتى تكون معك زوجتك لأن عمك أبا زوجتك يزعل علينا إذا تركت ابنته في العراق قلت بل معي زوجتي فتقبلني وتركت الحملة وبقينا عنده في غرفة كانت مهيئة لمجالس النساء وبعد مدة استأجر لنا غرفة في أحد بيوت الأصدقاء. وكنت أءتم به في مسجد بنيد القار في الكويت في وقت لم يكن مناسبة فلا خطابة بعد الصلاة فكلفني بإلقاء محاضرات بالمسائل الشرعية بعد صلاة الظهر وكانت محاضرات جيدة وموفقة وصار فيها حضور وتساؤل من الحاضرين والحمد لله. وفي بداية اجتهادي في السبعينات ألفت رسالة الحج والزيارة وقدمتها له فأعجب بها وأعطاني إجازة الاجتهاد ودرجة الاستنباط وجواز الرجوع إلى رأيي فيما توصلت إليه وشجع المرحوم الحاج باقر خريبط مدير مجلة الخليج أن يطبعها فطبعها وانتشرت ومن هناك بدأ التعرف علي والشروع لبعض الناس باتباع رسالتي ولكن لم أظهر بالمرجعية والتقليد وتوكيل الوكلاء إلا بعد التسعينات. وعقد مجلس حسيني في كربلاء المقدسة في عهد عبد الرحمن عارف فجاء إلى المجلس محافظ كربلاء الظالم فلما دخل وعرف السيد به أمر بطرده من المجلس. وكان في عهد عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف وعبد الرحمن عارف وحتى زمن أحمد حسن البكر يرسل البعوث من العلماء لمطالبة الحكومات بحقوق الشيعة والدفاع عن المذهب وممن بعثهم لهذه الأغراض: الشهيد السعيد آية الله السيد حسن الشيرازي(قدس سره)، الشهيد حجة الإسلام الشيخ حمزة الزبيدي(قدس سره)، الشهيد العظيم الشيخ عبد الزهراء الكعبي(قدس سره)، العلامة السيد مرتضى القزويني(أدام الله ظله)، العلامة السيد كاظم القزويني وغيرهم من أعلام الإسلام والمرشدين العظماء قدست أرواحهم. ومرة سمع بقدوم أحمد حسن البكر وأزلامه إلى كربلاء فأرسل مريديه إلى المسؤولين باستضافته في غرفتهم في الصحن الحسيني سلام الله على مشرفه وآله الطاهرين فجاء البكر وجلس سماحة السيد بجنبه وأخذ يهمس بأذنه ومما همس له أنه حكى له بعض أحوال أمير المؤمنين(عليه السلام) بفتح بابه لاستقبال المحتاجين وقضاء حوائجهم والعدل بين الناس وحب الشعب له(عليه السلام) لعدله وحلمه وعالي خلقه وانه إذا عدل فسيحصل على خير الدنيا والآخرة ثم قام الأستاذ المحترم السيد مرتضى القزويني حفظه الله بخطبة ابتدأ فيها بالآية الكريمة(الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور) ولكن البكر سمع ولم يفقه ولم يعمل بما سمع بل تجبر وأكثر من الإجرام بحق المؤمنين وخصوصا الشيعة وأخرج قانون الرتب وأمثاله. ولما حنق الشاه الملعون على شعبه الايراني وصار القتل في الشوارع ومطاردة العلماء وسجن السيد الخميني(قدس سره) تحرك الإمام الشيرازي بالاتصالات والبعوث إلى هيئة الأمم ورؤساء الدول الإسلامية والكتابات والخطابات في كل بلاد الاسلام. وأتذكر أني حضرت في مناسبة ميلاد الإمام الرضا(عليه السلام) في11 ذي القعدة في مسجد الترك في الكاظمية المشرفة على مشرفيها الصلاة والسلام في سنة1961م أو 1963م فخطب السيد مرتضى الحكيمي(قدس سره) مبعوثا من كربلاء لسرد مصائب إيران واعلام المسلمين بجرائم الشاه والإشادة بالعلماء وعلى رأسهم الامام الخميني(قدس سره). وحين مورست الضغوط على الشاه من قبل الإمام الشيرازي أخرج السيد الخميني إلى تركيا ونجا بذلك من الإعدام بنصرة الله وجهود السيد الشيرازي ثم فك عنه الحصار فأطلق العنان فتوجه إلى العراق وفور سماع السيد الشيرازي بذلك بعث وخابر كل معارفه ووكلائه في العراق من العلماء والناس ان يخرجوا إلى مطار بغداد لاستقبال السيد الخميني وبدأت المسيرة المليونية بأمر السيد الشيرازي واستقبله في كربلاء وعمل احتفالات وخطابات وأعطاه مكانه في الصلاة في الصحن الحسيني وطلب منه البقاء في كربلاء وانه مسؤول لتهيئة الظروف اللازمة ولكن السيد الخميني اختار النجف الأشرف. ومرة قال لي: (يا مرحبا بالسيد البغدادي) فقلت له: (لكنما لا حبذا بلادي) سماني بغدادي لأني قضيت أول حياتي في بغداد والكاظمية على مشرفيها الصلاة والسلام وإلا فإن أجدادي من النجف الأشرف وميلادي في كربلاء المقدسة وبعض اقربائي في النجف وبعضهم في كربلاء وبعضهم في بغداد وقلت بأنه لا حبذا بلادي حيث كان في بغداد فساد كثير بسبب إباحية عبد الكريم قاسم ومن بعده وقبله. ومرة أصر علي أن أذهب إلى حي من إحياء بغداد أصلي بالناس وكالة عنه فأصررت أنا البقاء بالحوزة وأن أذهب للتبليغ في العطل والمناسبات فقط وقلت له ان الكتاب خير من الاصحاب وقلت أنا عوام وترسلني للعوام فضحك وقال الفروض أربعة: إما عوام إلى العوام أو خواص إلى الخواص أو خواص الى العوام أو عوام إلى الخواص.

واختتم السيد الطباطبائي حديثه عن الإمام الراحل معتذرأ عن الإطالة رغم ما يتطلبه المقام فقال: وكيف كان فالإمام الشيرازي معجزة الزمان في كل شؤونه ولو لم يأت إلا بالموسوعة الفقهية وما فيها من الأبواب والفتوحات الفقهية مما لم يحلم غيره من العلماء لكفى به معجزة حيث أدخل العولمة والمرور والسياسة والاجتماع وأحوال وسير أهل البيت(عليهم السلام) وغيرها وغيرها في فصول الفقه واستدل عليها فقهيا وأتذكر مقولة قد وصف بها جده أمير المؤمنين(عليه السلام) وهي انه قد أخفى أعداؤه فضائله حسداً له وأخفى أحباؤه فضائله خوفا من الأعداء وخرج من بين هذا وذاك ما ملأ الخافقين. والحقيقة أن ذكرياتي مع الأستاذ المربي العظيم تفوق الزمن وتزيد على الأوقات ولكني مشغول فأعتذر عن الإفاضة أكثر مما تقدم والعذر عند كرام الناس مقبول.