ملف عاشوراء 1426 هـ

 رجوع

ارشيف الأخبار

ليل الغربة أو عشاء الحسين الأخير

  

 

كربلاء المقدسة: إباء

في موكب جليل المنظر مهيب المسير، تتقدمه الشموع، خرجت مساء أمس في شوارع كربلاء المقدسة وسائر المدن الشيعية، المئات من الرجال والنساء والأطفال حتى الرضع، يرتدي الجميع ثياب السواد، ويرفعون شعارات الحزن على شهداء الطف الخالدين مع التنديد بقتلتهم الظالمين الذي أقدموا على ارتكاب هذا الجرم الشنيع بحق أئمة الهدى والصالحين من أهل بيت الرسالة والوحي وأشياعهم الأخيار، فباؤوا بغضب من الله وحلت عليهم اللعنة إلى يوم القيامة، وناؤوا بوزرهم وأوزار من شايعهم وتابعهم على فعلهم اللاإنساني أو ارتضى به وسكت عنه.

يصور هذا الموكب الذي يسمى باصطلاح العوام(شام غريبان) والتسمية فارسية الأصل تعني(عشاء الغربة) أو(ليلة الغرباء) للدلالة على ليلة الحادي عشر من شهر المحرم سنة 61 للهجرة بعد مقتل الحسين وأنصاره(عليهم السلام)، إذ وجدت حرائر البيت النبوي أنفسهن وحيدات بلا وليّ يحميهن ويمنع عنهن الأعداء فلا يسلبن أو يقعن أسيرات بأيدي الأوباش، وتلفتن يمينا وشمالا، فما من رجل بقي إلى جانبهن سوى الإمام السجاد(عليه السلام) ولكنه مريض أقعده الألم الشديد، فلا يستطيع حراكا وكلما حاول الوقوف ولو على عكاز لم يستطع، ولعل ذلك ـ بل بالتأكيد ـ من حكمة الله سبحانه فلو لم يصب(عليه السلام) بالمرض لاشترك مع أبيه وأخوته في جهاد الأعداء ولذهب إلى ربه شهيدا وانقطعت بهذا الإمامة إذ لم يبق من ذرية الإمام الحسين أحد سواه.

بهذه الصورة المفجعة عاش حريم الرسالة المحمدية ليلة ما أقسى نوائبها، فبعد العز والجاه والكفيل والأخ الشفيق والناصر الولي وحامي الديار، أبصرن فلا من أحد معهن وسط تلك الصحراء المتناثرة على صعيدها الأشلاء وقد اصطبغ ثراها بالدماء القانية التي سفكت بلا سبب إلا كسب رضاء السلطان الجائر المستبد في الرأي والحكم أو إرضاء النفس الأمارة بالسوء وقد أغرتها الأماني بمنصب دنيوي أو جاه زائف أو مال زائل منّاهم بها مستنقع الرذيلة يزيد بن هند آكلة الأكباد.

سار الموكب المهيب بروعة الأسى وغمرة البكاء في شوارع وأزقة المدينة المقدسة وكأن لغة ما، من نوع خاص أخذت تخاطب الضمير وتخالج الروح لتطير بها إلى حيث سقط الحسين والعباس وعلي الاكبر والقاسم وعبد الله الرضيع بجانب حبيب بن مظاهر وزهير بن القين ومسلم بن عوسجة وعابس بن شبيب وباقي الشهداء الأبرار، وكأن حوارا ملائكيا هادئا راحت تتجاذب أطرافه الشموع اللاظية الهائمة والدموع السابحة الساجمة.. إنها لتذكرة بأن المجد لا ولن يكون إلا بمثل هكذا تضحية وهكذا قربان، وأي قربان أعظم من سبط خاتم المرسلين تقدمه السماء على مذبح الحرية والخلاص الرباني.

وأي ليلة ليلاء تحفها المخاطر خيم ظلامها وأناخ دجاها على أهل بيت الوحي تلك الليلة.. حقا إنها ليلة الغربة.. فكما كان للمسيح عشاء أخير، كان للحسين وعياله في تلك الليلة عشاؤهم الأخير أيضا. 

جانب مصور :