
|
الوداع يا خيام الحسين |
|
كربلاء المقدسة: إباء لم يتوانى بني أمية وأنصارهم في فعل أي عمل قبيح يوم عاشوراء، فحين أوعز عمر بن سعد إلى قيادة الجيش الأموي بحرق الخيام بعد شهادة أبا عبد الله الإمام الحسين (عليه السلام)، قام الجند بحمل أقبسة من النار وهم ينادون: أحرقوا بيوت الظالمين. لقد كان بيت الإمام حسب زعمهم بيت الظلم وبيت ابن مرجانه وسيده يزيد حفيد أبي سفيان بيت العدل!! فيا لله أمام هذا الظلم الذي لم يقع نظيره في تاريخ الأمم والشعوب. وتنص المصادر التاريخية إلى أن بن سعد أمر بحرق الخيام بما فيها من النساء والأطفال، وحينما التهبت النار في مخيم آل النبي فررن بنات الرسالة وعقائل الوحي من خباء إلى خباء، أما اليتامى فقد علا صراخهم وتعلق بعضهم بأذيال عمته الحوراء لتحميه من النار، وهام بعضهم على وجهه لا يلوي على شيء. لقد كان ذلك المنظر من أفجع وأقسى ما مر على آل النبي في ذلك اليوم، ولم يغب عن ذهن الإمام زين العابدين (عليه السلام) طيلة المدة التي عاشها بعد أبيه، وكان يذكره مشفوعا بالأسى والحزن، وهو يقول: والله ما نظرت إلى عماتي وأخواتي إلا وخنقتني العبرة، وتذكرت فرارهن يوم الطف من خيمة إلى خيمة ومن خباء إلى خباء، ومنادي القوم ينادي: أحرقوا بيوت الظالمين... وعمد أراذل أهل الكوفة إلى سلب حرائر النبوة وعقائل الوحي، فسلبوا ما عليهن من حلي وحلل، وعمد بعض الأنذال إلى السيدة أم كلثوم فسلب قرطيها، وأسرع وغد خبيث نحو السيدة فاطمة بنت الحسين فانتزع خلخالها وهو يبكي، فقالت له السيدة: مالك تبكي؟ كيف لا أبكي وأنا أسلب ابنة رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟! ولما رأت ذلك أنكرت عليه، وطلبت منه أن لا يسلبها فأجابها: أخاف أن يأخذها غيري. وعمد الأرجاس إلى نهب جميع ما في الخيام من ثقل ومتاع، كما عمدوا إلى ضرب بنات رسول الله (صلى الله عليه وآله) بكعوب رماحهم وهن يلذن بعضهن ببعض من الرعب، وقد سقطت السيدة فاطمة بنت الإمام الحسين مغشيا عليها من شدة الضرب، فلما أفاقت رأت عمتها أم كلثوم تبكي عند رأسها. إن مأساة بنات الوحي وعقائل الرسالة تذوب من هولها الجبال. وأعقبت هذه الحوادث أقسى ليلة على السيدة زينب (سلام الله عليها)، فقد أحاطت بها جميع رزايا الدنيا ومصائب الأيام فقد تسلحت بالصبر وقامت برعاية أيتام أخيها فقد سارعت تلتقط الأطفال الذين هاموا على وجوههم من الخوف وتجمع العيال في تلك البيداء الموحشة وهي تسليهم وتصبرهم على تحمل تلك الرزايا وأمامها الأشلاء الطاهرة قد تناثرت في البيداء وأحرقت اخبيتها وقد أحاط أرجاس بها البشرية ووحوش الأرض. وقامت العقيلة في تلك الليلة القاسية فأدت صلاة الشكر لله تعالى على ما حل بها وبأهلها من الكوارث والخطوب طالبة من الله عز وجل أن يتقبل ما منيت به من الرزايا وأن يثيبها على ذلك ويتقبل ما جرى عليها وعلى أخيها من المصائب كما أدت وردها من صلاة الليل من جلوس بعد أن استولى عليها الضعف. وأزالت العقيلة الهاشمية ما ألم بابن أخيها الإمام زين العابدين من الحزن العميق فقد أحاطته علما بما سمعته من جدها وأبيها من قيام جماعة من المؤمنين بمواراة الجثث الطاهرة وسينصب لها علم لا يمحى أثره حتى يرث الله الأرض ومن عليها. وقد جد الأقزام من الأمويين ومن تابعهم على محو تلك المراقد العظمية فلم تزدد إلا علوا وبقيت شامخة على مر الدهور كأعز مرقد على وجه الأرض. لقد مضت ذكرى أبي الأحرار تملأ الدنيا إشراقا وفخرا كأسمى ذكرى تعتز بها الإنسانية في جميع أدوارها. وها هم اليوم أنصار الإمام وأحبته تحيي مصاب حرق الخيام في منطقة خيام أبي عبد الله الحسين (عليه السلام) في منطقة المخيم الحسيني في كربلاء المقدسة وبنفس الطريقة التي قام بها أزلام بني أمية ليبقى العار والخسة واللعنة تطاردهم بما جنت أيديهم من الموبقات وقد نصبت الخيام في شارع المخيم وقدم جنود الأمويين وهم يحملون النار ليحرقوا خيام الحسين على أهلها وقد أحاط أنصار الحسين والنساء من أنصار السيدة زينب وهم يصرخون ويلطمون الوجوه حزنا وأسا على ما أصاب بنات الرسالة.
جانب مصور :
|