
|
انتخاب أعضاء المجلس الإسلامي في فرنسا |
|
إباء . وكالات يبدو أنَّ قضايا الإسلام والمسلمين أصبحت هاجسًا عالميًّا سعت دول مختلفة للتعامل معه، سواء ما يطلق عليه (ديار الإسلام)، أو في المَهاجر التي استوطنها المسلمون وتجذر وجودهم في بعضها، حتى أصبحوا ظاهرة تستدعي التوقف والمراجعة، وربما التدجين والحصار، فلم تمضِ على تواجد هؤلاء في الغرب بحثًا عن الأرزاق الواسعة، أو الحرية الرحبة، أو المعرفة والعلم، إلا عقود قليلة، حتى استهوتهم تلك المهاجر، فاتخذوها موطنًا، ونما وجودهم فيها، وانتقلوا من البحث عن مميزات الهجرة إلى المطالبة بحقوق المواطنة الكاملة. وأبدى هؤلاء المهاجرون اندماجًا بدرجات مختلفة في البنية الثقافية والاجتماعية الغربية مع استعصاء على الذوبان داخلها، فبقيت هويتهم الإسلامية، وأصبحت واقعًا ملموسًا لا يمكن تجاهله أو السكوت عليه، ومن ثم سعت بعض الدول الغربية للتعامل مع مطالب وقضايا هؤلاء المسلمين، وإيجاد حلول لبعض مشكلاتهم، أو تطويق هذا الوجود الإسلامي حتى لا يصبح مشكلة مستعصية على الحل في المستقبل. يأتي هذا الحديث في أعقاب توجه ممثلو مسلمي فرنسا أمس إلى صناديق الاقتراع لاختيار أعضاء مجالس إدارة المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية. وبلغ عدد الناخبين5200 شخص يمثلون1300 مسجد ومكان عبادة في أنحاء فرنسا, ومن المقرر لأول مرة أن يقوم مجلس الإدارة الجديد بانتخاب أعضاء المكتب التنفيذي ورئيسه. أدلى ممثلو مسلمي فرنسا بأصواتهم في ثاني انتخابات للمجلس الفرنسي للديانة الإسلامية منذ تأسيسه لاختيار 65 عضوا يتولون هيئات المجلس الإقليمية والوطنية. وتوجه الناخبون المسلمين للمشاركة في التصويت لانتخاب مجالس الإدارة ومكاتب المجالس الإقليمية للديانة الإسلامية، وكذلك الجمعية العامة ومجلس الإدارة. واتسمت الاستعدادات لهذه الانتخابات التي أرجئت مرتين بسبب خلافات داخلية في المجلس بمشاركة كثيفة للناخبين. ويتوقع أن تصدر النتائج اليوم وأن يجتمع مجلس إدارة المجلس الفرنسي للديانة الفرنسية في 26 يونيو الجاري لانتخاب مكتبه التنفيذي، كما يتوقع أن يحتفظ عميد مسجد باريس دليل أبو بكر برئاسة المجلس في ظل رغبة رسمية فرنسية. ويتولى المجلس مهمة تسوية القضايا المتعلقة بالديانة الإسلامية وتأهيل الأئمة وبناء المساجد والتضحية بالمواشي خلال عيد الأضحى. ويخوض انتخابات المجلس ثلاث قوائم رئيسية تمثل تحالفات وتكتلات بين اتجاهات دينية وأصول عرقية متعددة تمثل تركيبة الإسلام الفرنسي. أول هذه التحالفات بين مسجد باريس المركزي ولجنة تنسيقية مسلمي تركيا الذي يسيطر على نحو 250 مسجدا في كامل أنحاء فرنسا، ويراهن على الدعم الخفي للسلطات الفرنسية. أما التحالف الثاني فيعقده اتحاد المنظمات الإسلامية بفرنسا تحت شعار كلمة التجمع تحيطها الآية القرآنية واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا مع حركة ميلي قروش التركية التي تصنف ضمن الحركات الإسلامية التركية. أما التحالف الثالث فهو تحالف مغربي - مغربي يقوده الاتحاد الوطني لمسلمي فرنسا بقيادة محمد البشاري تحت شعار قائمتها الأخوة تحيطه الآية القرآنية وكونوا عباد الله إخوانا، ويتحالف مع الجمعيات والمساجد التي يسيطر عليها الفرنسيون من أصول مغربية. يذكر أن المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية قد نشأ في نهاية عام 2002 بمبادرة من نيكولا ساركوزي وزير الداخلية في ذلك الحين، من أجل جمع المسلمين داخل مظلة واحدة تمثلهم في حوارهم مع الحكومة والمؤسسات الفرنسية, ومن أجل تنظيم حياة المسلمين الفرنسيين لتتوافق مع قوانين الدولة وتدريب واختيار أئمة المساجد. ويزيد عدد المسلمين في فرنسا عن ستة ملايين نسمة، يشكلون 10% من السكان، ويمتلكون قوة تصويتية 1.8 مليون صوت انتخابي، وينحدر هؤلاء من (53) بلدًا مختلفًا، ويتحدثون (21) لغة مختلفة إلى جانب الفرنسية، ويحتل الجزائريون أغلبية كبيرة من المسلمين، وتشير توقعات ودراسات إلى أن هؤلاء المسلمين سيتضاعفون ثلاث مرات حتى عام (2020) ليزيد عددهم عن (20) مليون نسمة بسبب نسبة الخصوبة والمواليد العالية بينهم، واستمرار تدفق المهاجرين المسلمين لفرنسا، ودخول أعداد غير قليلة من الفرنسيين في الإسلام (يزيد عدد المسلمين من أصل فرنسي عن 100 ألف)، وإذا أخذنا هذه المتغيرات في إطار قلة الإنجاب بين الفرنسيين، لأدركنا أن المسلمين يخطون في فرنسا خطوات لها ثقل لا يمكن تغافله أو غض الطرف عنه خاصة أنهم يشكلون أكثر من 17 % من العاملين في الجيش الفرنسي. ورغم أن الإسلام هو الدين الثاني في فرنسا، فإن المسلمين يعانون من صورة ذهنية مغلقة لدى الفرنسيين تحكم في كثير من الأحيان تعاملهم مع المسلمين، ورسخ هذه الصورة التعليم والإعلام والأدب والسياسة، ففي التعليم يُصوَّر المسلمون على أنهم أعداء حاولوا غزو فرنسا، وفي أدب العصور الوسطى يُصوَّرون على أنهم (كفار) يضطهدون مسيحيي الشرق، وفي الأدب الاستعماري على أنهم متمردون، وفي الأدب المعاصر ضعاف عاجزون شهوانيون، أما الإعلام فلا يدخر جهدًا في إعادة إنتاج هذه الصور مع ربطها بإلحاح وتكرار بمشكلات فرنسا من الإرهاب والجريمة والبطالة، ومعالجة القضايا الإسلامية بتحيز وسوء نية. وقد أفرزت هذه الصورة أشكالاً من التمييز العنصري ضد المسلمين في مجالات مختلفة، ففي الانتخابات التشريعية الأخيرة ترشح (126) نائبًا من أصل عربي لم ينجح منهم أحد، ولا تفضل الأحزاب السياسية الفرنسية ترشيح المسلمين على قوائمها، بل كان المسلمون هدفًا سياسيًّا لليمين الفرنسي لتحقيق مكاسب انتخابية، كما زادت نسبة البطالة بين المسلمين عن 40% في حين أنها في صفوف الفرنسيين 8%، حيث كانت دعوة اليمين الفرنسي بزعامة (جان ماري لوبان) تقوم على مبدأ الأفضلية للفرنسيين والأوروبيين في كل المجالات، وبذلك ارتبط العمل باتجاهات عنصرية، هذه العنصرية المتنامية وما صاحبها من ضغوط إعلامية جعلت بعض المسلمين في فرنسا ينعزل فيما يشبه (الجيتو) الثقافي داخل المجتمع، واقترن هذا الانعزال بمرارات معيشية في مجتمعات الهامش عمقتها أزمة الهوية والبطالة. ورغم هذه الصورة السلبية والممارسات العنصرية، فإن مسئولين فرنسيين يعترفون أن انتشار الإسلام قلل عدد الجرائم ودرجة عنفها في المناطق المهمشة، وجفف بؤرًا إجرامية، وهو ما حدا بأحد الدعاة المسلمين للقول: (إن فتح مسجد جديد في فرنسا يعني إغلاق سجن).
|