ملف عاشوراء 1426 هـ

 رجوع

ارشيف الأخبار

الأيام الفاطمية الأولى في حرم الإمام الحسين

 

كربلاء المقدسة: إباء

(السلام عليكَ يا رسول الله عنّي وعن ابنتك النازلة في جوارك والسّريعة اللحاق بك، قلّ يا رسول الله عن صفيّتك صبري ورقّ عنها تجلُّدي، ألا إنّ لي في التأسّي بعظيم فرقتك وفادح مصيبتك موضع تعزًّ، فلقد وسدتك في ملحودة قبرك وفاضت بين نحري وصدري نفسك، فإنا لله وإنّا إليه راجعون. فلقد استرجعت الوديعة وأُخذت الرّهينة، أمّا حزني فسرمد، وأمّا ليلي فمسهّد إلى أن يختار الله لي دارك التي أنت بها مقيم، وستنبئك ابنتك فأحفها السُّؤال واستخبرها الحال، هذا ولم يطل العهدُ ولم يخلف الذّكر، والسّلام عليكما سلام مودّع لا قالٍ ولا سئم، فإن أنصرف فلا عن ملالة وإن أُقم فلا عن سوء ظن بما وعد الله الصّابرين...).

وخيّم الوجوم على بيت الرّسالة، بل تعمق الوجوم وتأصّلت المأساة حين استفحل المرض على سيدتنا الزّهراء (عليها السلام)، وراح يلتهم صحتها بنهمٍ وقسوة حتى يئس بيت الرّسالة من بقائها أكثر من أيام قليلة يعلن بعدها وقوع المأساة الجديدة، مأساة افتقاد فاطمة الزّهراء، غرس النبوّة ومدرسة الرّسالة.

وتبدأ جموع المسلمين والمسلمات تنهال على بيت أمير المؤمنين الإمام عليًّ لزيارة السيدة الزّهراء، بل لتوديعها.

وفي آخر يوم من أيامها تصبح الزهراء (عليها السلام) وقد بدا بعض التحسُّن على صحتها فيطمئنّ الإمام عليٌّ (عليه السلام) ويغادر البيت إلى المسجد ليؤدّي مهمّته في حفظ الرّسالة وشرعها القويم، وتتوضّأ الزّهراء (عليها السلام) للصلاة فتطلب إلى أسماء بنت عميس أن تأتيها بشيء من طيبها الذي تتطيّب به وملابسها التي تصلّي فيها، وتضع رأسها على وسادتها وهي تقول لأسماء: «اجلسي عند رأسي، فإذا جاء وقت الصّلاة فأقيميني، فإن قمت، وإلاّ فأرسلي إلى عليًّ».

ويحلُّ وقت الصّلاة وتخاطب أسماء الصّدّيقة الزّهراء بقولها: «الصلاة يا بنت رسول الله».

ويخيّم الفزع على أسماء لأنّ الزّهراء لم تجبها بشيء وتبادر إليها فتكشف عن وجهها وهي تصيح: «يا بنت محمد المصطفى... يا بنت أكرم من حملته النّساء.. يا بنت خير من وطأ الحصى...».

فتراها وقد فارقت الحياة، ويدخل الحسنان في هذه اللحظات الحاسمة من حياة بيت الرّسالة ويسألان عن أُمّهما، فتفاجئهما أسماء: أنّها قد فارقت الدُّنيا، وما اشد الصّدمة عليهما ـ حينذاك ـ لقد وقع الحسن على أُمّه ليقبّلها القبلة

الأخيرة، وهو يقول: «يا أُمّاه كلّميني قبل أن تفارق روحي بدني». ويقع الحسين (عليها السلام) عليها وهو يقبّل رجليها ويقول: «يا أُماه أنا ابنك الحسين كلّميني قبل أن ينصدع قلبي»، وتلعب اللوعة دورها ويهيج الأسى في بيت الرّسالة وتستولي الأحزان عليه من جديد، وتطلب أسماء إلى الحسنين أن يخبرا أباهما بما حدث لأُمّهما.

ويسرعان إلى أبيهما ـ والبكاء والحسرة يعمران قلبيهما ـ فيدنيان من مسجد جدّهما (صلى الله عليه وآله) وتجيش اللوعة في قلبيهما بعنف، فيرفعا صوتيهما بالبكاء.

ويفاجأ المسلمون ببكاء الحسنين، وظنُّوا أنّهما تذكّرا جدّهما، فراح البعض يهدّئ من لوعتهما، ولكنّهما أعلنا النبأ المفزع ـ نبأ افتقاد شجرة الإمامة وغرس النبوّة ـ حيث قالا: «أو ليس قد ماتت أمُّنا فاطمة؟».

ويسمع عليٌّ هذا النبأ، فتضطرب نفسه، وتهزُّ المفاجأة كيانه، وهو يقول: «بمن العزاء يا بنت محمد؟ كنت بك أتعزّى، ففيم العزاء من بعدك؟».

ويدوّي أصداء النبأ المؤلم في آفاق عاصمة الإسلام «المدينة المنورة» وتمتلئ نفوس المسلمين أسىً وتزحف جموعهم إلى بيت الرّسالة حاملة تعازيها إليه، ولساهم في عمليّة تجهيز الزهراء (عليها السلام) لحملها إلى مثواها الأخير.

واليوم في مدينة كربلاء المقدسة وفي جوار سبطها الإمام الحسين (عليه السلام) وسيد الشهداء تتوافد الجموع المؤمنة على القبر الشريف معزية الرسول الأكرم وأهل بيته بهذا المصاب الجلل، وقد عمّ الوجوم أجواء المدينة المقدسة وكافة بيوتها ومجالات عملها وتعطلت الأسواق والمحال التجارية وحضر الرجال والنساء والشباب والأطفال للمشاركة في مراسيم العزاء التي اتخذت صور مختلفة للتعبير عن عمق المصاب بالصّدّيقة الطّاهرة.

وأقيمت مجالس العزاء في كل أرجاء المدينة وتناول الخطباء السيرة العطرة للسيدة الزهراء (سلام الله عليها)، وكيف يمكن اتخاذها (عليها السلام) قدوة لنا جميعا، كما نقلوا كلامها وخطبها وتحدثوا عن دورها في التاريخ الإسلامي ومكانتها المقدسة في حياة المسلمين. كما تناول الخطباء مصيبة الزهراء (عليها السلام) وكيف تحملت من العناء والمحن الكبرى وهي تؤدي دورها في الحياة السياسية والاجتماعية في زمن الرسول الأكرم وبعده. كما قام الخطباء في تبين سيرة الزهراء (عليها السلام) كبنت في بيت والدها (صلى الله عليه وآله)، ومن ثم كزوجة في بيت زوجها ومن ثم أما تربي أولادها على نهج الإسلام الأصيل لكي تكون لنا أسوة حسنة نقتدي بها سلام الله عليها.

 جانب مصور :