
|
توافد مواكب العزاء على مدينة الحسين معزيتا بشهادة السيدة الزهراء |
|
كربلاء المقدسة: إباء عدسة: غسان الياسري بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) اشتدَّ على سيدنا الزهراء (عليها السلام) الحزن والأسى، ونزل بها المرض لِمَا لاقَتْهُ من هجوم أَزْلامِ الزُمرة الحاكمة آنذاك على دارها، وَعَصْرِهَا بَين الحَائطِ والبَابِ، وَسُقُوطِ جَنِينِها المُحسِن (عليه السلام)، وَكَسْرِ ضِلعِها، وَغَصبِ أَرضِهَا (فَدَك). فتوالت الأمراض على وديعة النبي (صلى الله عليه وآله)، وفَتك الحزن جِسمَها النحيلَ المُعذَّبَ حتى انهارت قواها (عليها السلام). فقد مشى إليها الموت سريعاً وهي (عليها السلام) في شبابها الغَض، وقد حان موعد اللقاء القريب بينها (عليها السلام) وبين أبيها (صلى الله عليه وآله) الذي غاب عنها، وغابت معه عواطفه الفَيَّاضة. وَلَمَّا بدت لها طلائع الرحيل عن هذه الحياة طَلَبتْ حضورَ أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام)، فَعَهدتْ إليهِ بِوَصِيَّتِها. ومضمون الوصية أن يُوارِى جثمانها المقدس في غَلس اللَّيل البهيم، وأن لا يُشَيِّعُها أحد من الذين هَضَمُوهَا، لأنهم أَعداؤها وأعداء أبيها. وفي آخر يوم من حياتها (عليها السلام) ظهر بعض التحسّن على صحتها، وكانت بادية الفرح والسرور، فقد علمت (عليها السلام) أنها في يومها تلحق بأبيها (صلى الله عليه وآله). وعمدت (عليها السلام) إلى ولديها (عليهما السلام) فَغَسَلت لهما، وصنعت لهما من الطعام ما يكفيهم يومهم، وأمرت ولديها بالخروج لزيارة قبر جدّهما، وهي تلقي عليهما نظرة الوداع، وقلبها يذوب من اللوعة والوجد. فخرج الحسنان (عليهما السلام) وقد هاما في تيار من الهواجس، وأَحسَّا ببوادر مخيفة أغرقتهما بالهموم والأحزان، والتفت وديعة النبي (صلى الله عليه وآله) إلى أسماء بنت عميس، وكانت تتولى تمريضها وخدمتها فقالت (عليها السلام) لها: يا أُمَّاه. فقالت أسماء: نعم يا حبيبة رسول الله (صلى الله عليه وآله). فقالت (عليها السلام): اسكبي لي غسلاً. فانبرت أسماء وأتتها بالماء فاغتسلت (عليها السلام) فيه، وقالت (عليها السلام) لها ثانياً: إيتيني بثيابي الجدد. فناولتها أسماء ثيابها (عليها السلام). ثم هتفت الزهراء (عليها السلام) بها مرة أخرى: اجعلي فراشي وسط البيت. وعندها ذعرت أسماء وارتعش قلبها، فقد عرفت أن الموت قد حلّ بوديعة النبي (صلى الله عليه وآله). فصنعت لها ما أرادت، فاضطجعت الزهراء (عليها السلام) على فراشها، واستقبلت القبلة، والتفتت إلى أسماء قائلة بصوت خافت: يا أُمَّاه، إني مقبوضة الآن، وقد تَطَهَّرتُ فلا يكشفني أحد. وأخذت (عليها السلام) تتلو آيات من الذكر الحكيم حتى فارقت الروحُ الجسد، وَسَمت تلك الروح العظيمة إلى بارئها، لتلتقي بأبيها (صلى الله عليه وآله) الذي كرهت الحياة بعده. وكان ذلك في ( 13 من جمادي الأول) من سنة (11 هـ)، وفي رواية أخرى (3 جمادي الثاني) من نفس السنة أيضاً. ورجع الحسنان (عليهما السلام) إلى الدار فلم يجدا فيها أمهما (عليها السلام)، فبادرا يسألان أسماء عن أمّهما، ففاجئتهما وهي غارقة في العويل والبكاء قائلة: يا سيدي إن أمّكما قد ماتت، فأخبرا بذلك أباكما، وكان هذا الخبر كالصاعقة عليهما. فهرعا (عليهما السلام) مسرعين إلى جثمانها، فوقع عليها الحسن (عليه السلام)، وهو يقول: يا أُمَّاه، كلميني قبل أن تفارق روحي بدني. وألقى الحسين (عليه السلام) نفسه عليها وهو يَعجُّ بالبكاء قائلاً: يا أُمَّاه، أنا ابنك الحسين كلميني قبل أن ينصدع قلبي. وأخذت أسماء تعزيهما وتطلب منهما أن يسرعا إلى أبيهما (عليه السلام) فيخبراه، فانطلقا (عليهما السلام) إلى مسجد جدّهما رسول الله (صلى الله عليه وآله) وهما غارقان في البكاء، فلما قربا من المسجد رفعا صوتهما بالبكاء، فاستقبلهما المسلمون وقد ظنوا أنهما تذكرا جدّهما (صلى الله عليه وآله) فقالوا: ما يبكيكما يا ابنَي رسول الله ؟ لعلّكما نظرتما موقف جدّكما (صلى الله عليه وآله) فبكيتما شوقاً إليه؟ فهرعا (عليهما السلام) إلى أبيهما وقالا بأعلى صوتهما: أَوَ ليس قد ماتت أُمُّنا فاطمة. فاضطرب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام)، وهزَّ النبأ المؤلم كِيانَه، وطفق يقول: بمن العزاء يا بنت محمد (صلى الله عليه وآله)؟ كنتُ بِكِ أتعزَّى، فَفِيمَ العزاء من بعدك؟ وخَفَّ (عليه السلام) مسرعاً إلى الدار وهو يذرف الدموع، ولما ألقى نظرة على جثمان حبيبة رسول الله (صلى الله عليه وآله) أخذ ينشد (عليه السلام): لِكُلِّ اجتِمَاعٍ مِن خَلِيلَيْنِ فِرقَةٌ* وَكُلُّ الَّذي دُونَ الفِرَاقِ قَليلُ وَإِنَّ افتِقَادِي فَاطماً بَعدَ أَحمَد* دَلِيلٌ عَلى أَنْ لا يَدُومَ خَلِيـلُ وبحلول 13 من جمادى الأولى تحل علينا الأيام الفاطمية الأولى حسب أحدى الروايات وهي مخصوصة بذكرى شهادة السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وبهذه المناسبة شهدت مدينة كربلاء المقدسة مدينة الإمام الحسين (عليه السلام) انطلاق مواكب العزاء الضخمة التي وفدت على الروضة الحسينية المباركة من مختلف مدن العراق الجنوبية من مدينة البصرة وضواحيها، ومدينة الديوانية ومدن أخرى معزية سيد الشهداء بشهادة أمه السيدة فاطمة الزهراء (عليها السلام). وقد سارت هذه المواكب في هيئة عزاء الزنجيل تتقدمهم الرايات السوداء واليافطات التي تحمل أسماء هذه المواكب وكتب على البعض منها عبارات معزية صاحب الأمر والزمان الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) والأمة الإسلامية بهذا اليوم الحزين. وقد شارك في هذه المراسم عدد كبير من الرجال والنساء والشباب وهم يتوشحون السواد في موكب بعث روح الحزن والأسى في نفوس الحضور، مذكرا بيوم شهادة أم أبيها وما جرى على أهل البيت (عليهم السلام) في هذا اليوم العظيم، كما جابت هذه المواكب شوارع المدينة متوجيهن إلى الحرم الطاهر للإمام الحسين وأخيه أبي الفضل العباس (عليهما السلام) لتستقر في حرم سيد الشهداء وتؤدي مراسيم الزيارة المباركة. جانب مصور :
|