ملف عاشوراء 1426 هـ

 رجوع

ارشيف الأخبار

بيان الكتلة الرسالية في الجمعية الوطنية حول مسودة الدستور

 

خاص - أباء

بعد مخاضٍ عسير ولد الدستور قبل منتصف الليل من اليوم الثاني والعشرين من آب،وكانت ولادته طبيعية واستقبله أعضاء الجمعية الوطنية بالتصفيق والاهازيج، فهو ثمرة جهد كثيف ومتواصل لأكثر من ثلاثة أشهر بذله الاخوة أعضاء لجنة صياغة الدستور الذين رابطوا في الليل والنهار من أجل أن يأتي هذا الدستور ملبياً لطموحات الشعب العراقي بكافة فصائله وتياراته، بعربه وكرده وتركمانه، بمسلميه ومسيحييه.

وعلى رغم اعتراضات البعض عليه الا انه جاء جامعاً مانعاً وقاسماً مشتركاً بين الفرقاء والتيارات والقوميات لأنه دستور توافقي تنازل كل طرف عن بعض متبنياته من أجل المصلحة العامة، مصلحة العراق بأجمعه لا مصلحة طائفة دون أخرى، لذا جاء هذا الدستور نقطة مضيئة في تاريخ العراق الذي عانى الكثير من الفراغ الدستوري والذي حُكِم خلال ثلاثة عقود بمادة واحدة من الدستور العراقي المؤقت وهي المادة (41) التي تتيح لمجلس قيادة الثورة صلاحية إصدار القوانين والتشريعات.

فمن النقاط المضيئة في هذا الدستور، كفالته للحريات والحقوق لمختلف أبناء الشعب العراقي؛ الحرية الفكرية والسياسية والدينية وحرية التعبير عن الرأي بكل الوسائل المشروعة، حرية الصحافة والطباعة والإعلان والاجتماع والاحتجاج السلمي، وأيضاً تأسيس الجمعيات والأحزاب السياسية والنقابات والاتحادات المهنية وحرية ممارسة الشعائر الدينية، يضمن الدستور حرية التنقل والعمل والسكن داخل العراق وخارجه.

يحرص الدستور على بناء عراق جديد متطور يستطيع الوقوف على قدميه بعلو وشموخ،وأول خطوة على بناء العراق هو الاهتمام بالإنسان العراقي والأسرة العراقية، فقد كفلت الدولة وبموجب الدستور الضمان الاجتماعي والصحي وتأمين الحياة الكريمة لكل أبناء الشعب بالأخص الطبقات المعدمة، فقد كفلت الدولة توفير الدخل المناسب والسكن الملائم لكل اسرة عراقية ولاسيما الطفل والمرأة والمسن وجميع ذوي الحاجات الضرورية، كل ذلك من أجل بناء أسرة كريمة هي اللبنة الأولى للعراق، فقد اعتبر الدستور الأسرة أساس المجتمع وعلى الدولة الحفاظ على كيانها وقيمها الدينية والأخلاقية والوطنية.

وبلوغا بالأسرة العراقية نحو الرقي والتقدم، أكد الدستور على مبدأ التعليم الالزامي في مرحلتي الابتدائية والمتوسطة ومجانية التعليم في جميع المراحل الدراسية.

ومن جانب آخر، يؤسس هذا الدستور لدولة القانون، فقد أفرد فصلاً وضع أسس للمحكمة الاتحادية التي تتولى وظيفة دستورية القوانين وتفسير نصوص الدستور والفصل في المخاصمات التي تقع بين الدولة الاتحادية والأقاليم ومحكمة حقوق الإنسان التي تستلم مرافعات المواطنين ضد الجهات الحكومية مهما كانت وظيفتها وشخصيتها وذلك تأكيداً على مبدأ سيادة القانون الذي يعتبر أساساً قوياً من أسس هذا الدستور.

ويرسم الدستور أيضاً للشعب العراقي الطريق المشروع لتوكيد إرادته من خلال مؤسساته الدستورية كمجلس البرلمان ومجالس المحافظات، وأيضاً من خلال الاستفتاء العام على الدستور وعلى أي تعديل يتم فيه.

فالشعب هو مصدر السلطات كما جاء في إحدى مواد الباب الأول، فهو الذي يختار ممثله في المجالس الاتحادية ومجالس الأقاليم ومن خلالهم يتم تشريع القوانين وإصدار المراسيم ومن خلالهم أيضاً يتم اختيار السلطة التنفيذية، وتتم الرقابة على أعضاء الحكومة فإذا خرجت عن الجادة فبمقدور هذا الشعب تعديل مسارهم ليأتي

مساراً مستقيماً لاعِوج فيه.

كذلك رسم الدستور ولأول مرة في تاريخ العراق خارطة الطريق نحو النظام الفدرالي،فبمقدور كل محافظة إذا أرادت ان تتحول إلى إقليم يمتلك صلاحيات واسعة في مجال تشريع القوانين وتنفيذ الخطط والسياسات تختص بإدارة الإقليم في جميع النواحي وبوجه خاص إدارة وتنظيم قوى الأمن الداخلي.

وبقدر ما يحقق النظام الاتحادي العدالة الاجتماعية والاقتصادية حيث سيعطي لكل صاحب حق حقه بقدر ذلك هو الضمان لوحدة العراق أرضاً وشعباً خلافاً لما يتصوره البعض من أن النظام الاتحادي سيؤدي إلى التجزئة.

ليس النظام الاتحادي يؤدي إلى التجزئة بل الظلم واللاعدالة في توزيع الثروات هو الذي يؤدي إلى الرغبة في الإنفصال وبالتالي إلى التجزئة.

فالنظام الاتحادي هو الخيار الأفضل لعراق المستقبل لأنه سيدفع بالاقليم إلى الاستفادة من ثرواته لبناء الاقليم اقتصادياً وعمرانياً الأمر الذي سيؤدي إلى تقدم الاقليم وبالتالي إلى تقدم العراق.

هذه وغيرها هي النقاط المشرقة في هذا الدستور. وهذا لا يعني أن الدستور جاء كاملاً لأنه جاء على مبدأ التوافق فظهرت فيه بعض الثغرات والهفوات أما بسبب السرعة في كتابته أو بسبب صراع إرادات الفرقاء الذين صاغوا نصوصه وعباراته.

فمن تلك الثغرات ورد نص عدم سن أي قانون مخالف لأحكام الإسلام ومبادئ الديمقراطية، فالإسلام مع الديمقراطية أسلوب لتداول السلطة ولتحقيق إرادة الشعب لكنه ليس مع الديمقراطية كفلسفة ومبادئ، إذ أن من مبادئ الديمقراطية (السيادة للشعب) التي تعطيه ولاية مطلقة في سن القوانين والتشريعات، فكيف يمكن التوفيق بين هذه الولاية التشريعية للبشر وبين الولاية التشريعية المنحصرة بالخالق سبحانه وتعالى والتي هي مبدأ أساس من مبادئ الدين الإسلامي الحنيف، فهنا نصبح أمام ولايتين في عرض واحد هي ولاية الله وولاية الإنسان، ولحل هذا التناقض كان يُفترض أن تُعطى الأولوية إلى عدم جواز سن قانون مخالف لأحكام الإسلام،

وبالمرتبة الثانية عدم مخالفته لمبادئ الديمقراطية حتى تصبح ولاية الإنسان بحسب هذه المبادئ متأتية بالمرتبة الثانية.

ومن الثغرات الأخرى في الدستور، انعدام التوازن في النص الذي يشير إلى الإنتماء العربي والإسلامي للشعب العراقي، وكان الاجدر بالنص ان يُشير إلى انتماء العراقي إلى العالمين العربي والإسلامي، وان لا يجزء الشعب العربي في العراق عن الشعب الكردي في انتمائه الجغرافي إلى العالم العربي، فالنص يؤسس لمشكلة يمكنها أن تدفع إلى خلق التناقضات بين القوميات بينما كان الأولى إزالة هذه التناقضات واختيار النصوص السلمية غير المشحونة بالمخاطر.

ومن الثغرات الأخرى في الدستور ذكر اسم (صدام) الذي لم يعد شيئاً يذكر وهو لا يستحق هذا التبجيل حيث ان مجرد ذكر اسمه في الدستور هو منقبة له لا موجب لها.

ومن الثغرات الأخرى، ما ورد في نص الأحول الشخصية وهو؛ العراقيون احرار في الالتزام بأحوالهم الشخصية حسب دياناتهم أو مذاهبهم أو معتقداتهم أو اختياراتهم حيث يُفسح المجال امام من يريد أن يختار أسلوباً معيناً للزواج أو الطلاق أو الميراث، وهذا ما يتناقض والعادة الجارية في العراق حيث يرجع كل صاحب دين أو مذهب في أحوالهم الشخصية إلى دينهم أو مذهبهم مهما كانت عقائدهم ولا يمنحهم القانون الحق في الاختيار، فوجود هذا النص سينتج الفوضى والاضطراب في ممارسة الأحوال الشخصية، حيث سيعطي لصاحب أي معتقد حتى لو كان معتقده الالحاد أو الاباحية الحق في اختيار الطريق الذي يختاره للزواج والطلاق ومع منافاة هذا النص لروح الشريعة الإسلامية، فإنه سيؤدي إلى انفلات الأمور الحساسة في المجتمع، ومنها أمر الزواج والطلاق والإرث.

ومن المآخذ العلمية على الدستور ما ورد في المادة (46): تتكون السلطات الاتحادية من السلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، تمارس اختصاصاتها ومهماتها على أساس مبدأ الفصل بين السلطات، وفي هذا النص خطأ جسيم ففي النظام البرلماني تقوم العلاقة بين السلطات الثلاثة على مبدأ التوازن والتعاون المتبادل وليس على فصل السلطات الذي هو من خصائص النظام الرئاسي الذي يفصل بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية.

أما المأخذ الرئيس الآخر والذي جاء مخالفا لتوافقات اللجنة الدستورية هو تمديد نظام المحاصصة لأربع سنوات أخرى من خلال فكرة استحداث هيئة رئاسة تتكون من رئيس للجمهورية ونائبين ورئيس وزراء ونائبين له، ورئيس للجمعية الوطنية ونائبين له، وهذا يعني ببليغ العبارة استمرار نظام المحاصصة لأربع سنوات أخرى بينما كانت عزيمة أعضاء لجنة صياغة الدستور عدم افساح المجال لظهور نظام المحاصصة مرة أخرى وذلك من خلال هيكلية النظام السياسي المقترح في المسودة الأولى المعبرة عن رفض المحاصصة، فمنصب رئيس الجمهورية منصب شرفي بدون وجود نائب للرئيس. فتطبيق هذه الهيكلية كان من شأنها أن تلغي المحاصصة التي جرى العمل بها من عهد مجلس الحكم ولازال وسيبقى حتى أربع سنوات أخرى.

هذه النقاط نطرحها أولاً على الشعب الذي سيتحمل مسؤولية الاستفتاء على هذا الدستور في الخامس عشر من تشرين الأول القادم من هذا العام، فكان لابد أن يكون على بينة عما يجري الاستفتاء عليه. وثانياً نطرحه على المعنيين بكتابة الدستور للأخذ بتلك النقاط المهمة وبذل المحاولة الأخيرة لتخريج وثيقة الدستور بحلة أكثر بهاءاً وجمالاً.

 

تعريف بالكتلة الرسالية:

هي كتلة برلمانية تضم سبعة أعضاء في الجمعية الوطنية، اثنان منهم أعضاء في لجنة صياغة الدستور وهي تغطي مساحة كبيرة من العراق تشمل تيار الإمام الشيرازي والمرجع المدرسي بالإضافة إلى مؤسسات سياسية كمنظمة العمل الإسلامي في العراق.

 

الكتلة الرسالية