
|
الامام الشيرازي دام ظله لدى استقباله عوائل من الحجاز : ليكن رضا الله تعالى نصب أعينكم في كل صغيرة وكبيرة |
|
خاص - إباء مؤسسة الرسول الاكرم - قم المقدسة سماحة السيد محمد رضا الشيرازي: المؤمن من يبغي رضا الله سبحانه لا رضا الناس تشرّفت مجموعة من العوائل الحجازية بزيارة سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في بيته المكرم بمدينة قم المقدسة في لقاء حضره سماحة آية الله السيد محمد رضا الشيرازي دامت بركاته نجل المرجع الراحل الإمام المجدد الثاني آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي قدس سره الشريف. وبعد أن رحّب سماحته بهم وعزّاهم بمناسبة الذكرى الأليمة لهدم مراقد أئمة أهل البيت النبوي سلام الله عليهم في البقيع، والدعاء إلى الله تعالى أن يوفّق المؤمنين لإنهاء هذا الظلم الفادح وإعادة إعمار هذه البقعة الطاهرة، قال: لقد منحنا الله تعالى جميعاً ـ صغاراً وكباراً؛ رجالاً ونساءً؛ وعلماء وغير علماء ـ القدرة على أن نكون مؤمنين صالحين بالمعنى الحقيقي للكلمة، ولكن هذا الأمر بحاجة إلى عزم صادق وإرادة جادّة ومستمرة ـ وكما قال الإمام موسى بن جعفر سلام الله عليه؛ «فإنما هي عزمة» ـ فلو صممنا حقّاً أن نكون كذلك فإن الله تعالى سيوفّقنا أيضاً ويعيننا في هذا الطريق. ثم ذكر سماحته رواية هي: «جاء عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ: كَانَ لِي صَدِيقٌ مِنْ كُتَّابِ بَنِي أُمَيَّةَ، فَقَالَ لِي: اسْتَأْذِنْ لِي عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ [الصادق] سلام الله عليه، فَاسْتَأْذَنْتُ لَهُ عَلَيْهِ، فَأَذِنَ لَهُ، فَلَمَّا أَنْ دَخَلَ سَلَّمَ وَجَلَسَ، ثُمَّ قَالَ: جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنِّي كُنْتُ فِي دِيوَانِ هَؤُلاء الْقَوْمِ (بني أميّة) فَأَصَبْتُ مِنْ دُنْيَاهُمْ مَالاً كَثِيراً، وَأَغْمَضْتُ فِي مَطَالِبِهِ، فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ سلام الله عليه: لَوْ لا أَنَّ بَنِي أُمَيَّةَ وَجَدُوا مَنْ يَكْتُبُ لَهُمْ وَيَجْبِي لَهُمُ الْفَيْءَ وَيُقَاتِلُ عَنْهُمْ وَيَشْهَدُ جَمَاعَتَهُمْ لَمَا سَلَبُونَا حَقَّنَا، وَلَوْ تَرَكَهُمُ النَّاسُ وَمَا فِي أَيْدِيهِمْ مَا وَجَدُوا شَيْئاً إلا مَا وَقَعَ فِي أَيْدِيهِمْ. قَالَ: فَقَالَ الْفَتَى: جُعِلْتُ فِدَاكَ فَهَلْ لِي مَخْرَجٌ مِنْهُ؟ قَالَ: إِنْ قُلْتُ لَكَ تَفْعَلُ؟ قَالَ: أَفْعَلُ. قَالَ لَهُ فَاخْرُجْ مِنْ جَمِيعِ مَا اكْتَسَبْتَ فِي دِيوَانِهِمْ، فَمَنْ عَرَفْتَ مِنْهُمْ رَدَدْتَ عَلَيْهِ مَالَهُ، وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ تَصَدَّقْتَ بِهِ، وَأَنَا أَضْمَنُ لَكَ عَلَى اللَّهِ عَزَّوَجَلَّ الْجَنَّةَ. قَالَ: فَأَطْرَقَ الْفَتَى رَأْسَهُ طَوِيلاً ثُمَّ قَالَ: قَدْ فَعَلْتُ جُعِلْتُ فِدَاكَ. قَالَ ابْنُ أَبِي حَمْزَةَ فَرَجَعَ الْفَتَى مَعَنَا إِلَى الْكُوفَةِ، فَمَا تَرَكَ شَيْئاً عَلَى وَجْهِ الأرْضِ إلا خَرَجَ مِنْهُ، حَتَّى ثِيَابِهِ الَّتِي كَانَتْ عَلَى بَدَنِهِ. قَالَ فَقَسَمْتُ لَهُ قِسْمَةً، وَاشْتَرَيْنَا لَهُ ثِيَاباً، وَبَعَثْنَا إِلَيْهِ بِنَفَقَةٍ، قَالَ: فَمَا أَتَى عَلَيْهِ إلا أَشْهُرٌ قَلائِلُ حَتَّى مَرِضَ، فَكُنَّا نَعُودُهُ. قَالَ: فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ يَوْماً وَهُوَ فِي السَّوْقِ، قَالَ: فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ ثُمَّ قَالَ لِي: يَا عَلِيُّ ! وَفَى لِي وَاللَّهِ صَاحِبُكَ، قَالَ: ثُمَّ مَاتَ، فَتَوَلَّيْنَا أَمْرَهُ، فَخَرَجْتُ حَتَّى دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ سلام الله عليه، فَلَمَّا نَظَرَ إِلَيَّ قَالَ: يَا عَلِيُّ ! وَفَيْنَا وَاللَّهِ لِصَاحِبِكَ، قَالَ: فَقُلْتُ: صَدَقْتَ جُعِلْتُ فِدَاكَ، هَكَذَا وَاللَّهِ قَالَ لِي عِنْدَ مَوْتِهِ»(1). وعلّق سماحته على هذه الرواية بقوله: إن التصرّف الذي بدر من هذا الرجل كان رائعاً جدّاً وعظيماً، وإن عزمه القاطع هو الذي صار سبباً لصدور هذا الموقف الرائع منه. وأضاف: والملفت للانتباه في هذه القصة أن هذا الرجل كان من عمّال بني أمية أي كان منحرفاً أو بعيداً عن خطّ أهل البيت سلام الله عليهم ومع ذلك وفّق لهذه النهاية السعيدة، وهذا يعني أننا ـ محبّي أهل البيت سلام الله عليهم ـ يجب أن نكون أوفر حظّاً في التحوّل والرقيّ إن عزمنا، فإن الله سبحانه سيعيننا أيضاً. وأكد: ينبغي لكلّ منا أن يطلب من صميم قلبه من الله تعالى أن يوفّقه لطاعته وللسير على خطى أهل البيت سلام الله عليهم وأن نصمّم بدورنا على أن نجعل رضا الله جلّ شأنه نصب أعيننا في كل أمورنا الصغيرة والكبيرة. وفي الختام توجّه سماحته إلى الله تعالى بالدعاء راجياً منه أن يمنّ على الحاضرين والمؤمنين جميعاً بالتوفيق للسير في هذا الطريق وأن يوفّقوا لاتخاذ القرار الحاسم في عدم الابتعاد أبداً عمّا يريده عزّوجلّ ويأمر به أهل البيت سلام الله عليهم. ثم تحدّث في الجمع سماحة آية الله السيد محمد رضا الحسيني الشيرازي دامت بركاته فقال: الدافع أو الحافز هو من الأمورالمهمة في حياة الانسان. فكلّ منّا ـ ومنذ أن يفتح عينيه في الصباح وحتى يطبقهما كلّ يوم ـ يؤدّي أعمالاً كثيرة تكمن وراءها دوافع مختلفة. فمن أراد أن تكون أعماله ونيّاته أكثر خلوصاً فعليه أن يعرف هذه الدوافع ويميّز فيما بينهما أوّلاً. واعتبر سماحته كلّ أعمال الإنسان الإرادية المختلفة تابعة ومنبعثة من قواه الخمس (الغضبية والشهوية والوهمية والعقلية والإلهية) وقال: لعل الأعمال الإرادية الصادرة عن أكثر الناس نابعة من القوتين الأوليين أي الغضبية والشهوية. أما القوة الوهمية فتتعلّق بالقضايا الاعتبارية كالملكية والحاكمية والحكومية والتي لا واقع خارجيّ لها. أما عن النوعين الآخرين من القوى فقال: وما أكثر ما يصعب التمييز بين النوعين الأخيرين من الموارد الخمسة المذكورة، وهذه مسألة في غاية الدقة والأهمية. وضرب لذلك مثلاً بقوله: قد يتحلّى شخص بأخلاق جيدة في المجتمع أو في داخل عائلته ويكون دافعه لذلك وهدفه الحقيقي تحقيق راحة البال والطمأنينة ولئلا يبتلى بمشاكل نتيجة سوء الخلق مثلاً، فمثل هذا العمل جيّد في نفسه ولكن هذا الشخص لا يحقّ له في يوم القيامة أن يطلب من الله تعالى أجراً على هذه الخصلة لأنه تحلّى بها لأهداف دنيوية وقد توصّل إليها. إذاً يجب أن نميّز البواعث الحقيقية وراء كلّ أعمالنا وأن نسعى لأن يكون كلّ ما نقوم به من أجل رضا الله تعالى فقط. ثم ذكر سماحته روايتين تعضدان ما تقدّم، وهما: عن رسول الله صلى الله عليه وآله في كلام له مع أحد أصحابه:َ «وتَصْعَدُ الْحَفَظَةُ بِعَمَلِ الْعَبْدِ مُبْتَهِجاً بِهِ، مِنْ صَلاةٍ وَزَكَاةٍ وَصِيَامٍ وَحَجٍّ وَعُمْرَةٍ وَخُلُقٍ حَسَنٍ وَصَمْتٍ وَذِكْرٍ كَثِيرٍ، تُشَيِّعُهُ مَلائِكَةُ السَّمَوَاتِ السَّبْعَةِ بِجَمَاعَتِهِمْ، فَيَطَئُونَ الْحُجُبَ كُلَّهَا، حَتَّى يَقُومُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ، فَيَشْهَدُوا لَهُ بِعَمَلٍ صَالِحٍ وَدُعَاءٍ، فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى: أَنْتُمْ حَفَظَةُ عَمَلِ عَبْدِي وَأَنَا رَقِيبٌ عَلَى مَا فِي نَفْسِهِ، إِنَّهُ لَمْ يُرِدْنِي بِهَذَا الْعَمَلِ، عَلَيْهِ لَعْنَتِي، فَتَقُولُ الْمَلائِكَةُ: عَلَيْهِ لَعْنَتُكَ وَلَعْنَتُنَا»(2). وعنه أيضاً صلوات الله وسلامه عليه وآله: ِ« يا أبا ذر ! لا يفقه الرجل كلّ الفقه حتى يرى الناس في جنب الله تبارك وتعالى أمثال الأباعر، ثم يرجع إلى نفسه، فيكون هو أحقر حاقر لها»(3). فقال دامت بركاته: لعلّ من يطالع هاتين الروايتين لا يتضح له معناهما في بادئ الأمر، ولكن التأمل الدقيق فيهما يكشف عن معناهما العميق. فالمفهوم: أن الذي وصل إلى مراتب عالية من فهم الدين لا يهتم بما يقوله الناس ويرونه فيه، ولا يقيم أي وزن لمدحهم وإطرائهم ولا يحزن أبداً أو ينثني بسبب ذمّهم أو عدم فهمهم له، ومن ثم فالمهم عنده هو نظر الله عزّوجلّ إليه لا نظر الناس؛ لأن طرف المعاملة عند المؤمن هو الله سبحانه لا غيره. وقد جاء في وصية الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه لولديه الحسنين سلام الله عليهما: «واعملا للأجر»(4). وفي هذا الصدد روى سماحته قصّة هي: يحكى أن عالماً ألّف كتاباً ثم أودعه عند صديق له، وبعد مدة رأى الكتاب مطبوعاً باسم ذلك الصديق، فأخبره أن هذا الكتاب بجزأين وأعطاه الجزء الثاني منه ليطبعه باسمه أيضاً. هذا مع العلم أن للمؤلّف في العادة علقة قويّة بكتابه وربّما أحبّه كابنه، كما أن كلّ إنسان يحبّ أن يحمد على ما قام به من أعمال حسنة وعلى ما وفّق من خطط وبرامج أتى بها، بل إن القرآن يذهب إلى أبعد من ذلك حين يصف قوماً بأنهم «يحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا»(5). ولكن هدف هذا العالم كان أبعد من هذه الأمور، حيث كان رضا الله تعالى هو المبغى عنده فقط، ولم يكن مهماً عنده أن يذكر اسمه على غلاف الكتاب أو لا، وربما كان هذا أرضى له، فإن كثيراً من المؤمنين يسعون لإخفاء أعمالهم الحسنة لتكون خالصة لله ويعلمون أن الله تعالى يضاعف في ثوابها؛ قال عزّ من قائل: «إن تبدوا الصدقات فنعمّا هي وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم ويكفّر عنكم من سيئاتكم والله بما تعملون خبير»(6). ----------------------------------------------------------- 1/ الفروع من الكافي / ج5 / باب عمل السلطان وجوائزهم / ص106 / ح4. 2/ مستدرك الوسائل / ج1 / باب 12 بطلان العبادة المقصود بها الرياء / ص111 / ح 8. 3/ بحار الأنوار / ج72 / باب 4 ما أوصى به رسول الله صلى الله عليه وآله أبي ذر رحمه الله / ص 84 / ح1. 4/ نهج البلاغة / باب المختار من كتبه سلام الله عليه / الكتاب 47 من وصية له للحسن والحسين سلام الله عليهم. 5/ سورة آل عمران: الآية 188. 6/ سورة البقرة: الآية 271. جانب مصور :
|