
|
طلاب متوسطة من مدينة رباط كريم يزورون المرجع الشيرازي دام ظله في بيته المكرّم بقم المقدسة |
|
خاص - إباء مؤسسة الرسول الاكرم الثقافية - قم المقدسة زار عدد من تلاميذ إحدى المدارس المتوسطة في مدينة رباط كريم ـ جنوب العاصمة طهران ـ سماحة المرجع الديني آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في بيته المكرّم بمدينة قم المقدسة. في هذا اللقاء طلب سماحة السيد دام ظله من فضيلة حجة الإسلام والمسلمين السيد جعفر الشيرازي دام عزّه أن يلقي كلمة توجيهية للطلبة الأعزاء، فتحدّث السيد جعفر الشيرازي قائلاً: لم يخلق البشر على مستوى واحد من العقل والفكر والموهبة، حيث تتدرج مراتب عقولهم من الحدود الدنيا صعوداً إلى المراتب العليا من الذكاء والعقل، فمنهم من منّ الله عليهم بمستوى راقٍ من الموهبة والذكاء فأصبحوا نوابغ عصرهم وأمثولة قومهم يشار لهم بالبنان، وآخرون لم يكتب لهم أن يظفروا بنجاح وتوفيق في حياتهم العملية، والحقّ يقال أنّ هذه الأمور لا علاقة لها بالذكاء والموهبة إلى حدّ ما بل هي مرتبطة بهمّة الإنسان ومثابرته. وتابع كلمته قائلاً: من توافرت له همّة عالية وعزم قوي، حالفه التوفيق في حياته العملية وإن كان متوسط الذكاء أو حتى ضعيف الذكاء. ويشار في هذا المجال إلى أنّ أديسون المخترع العظيم الذي سجّل مئات براءات الاختراع باسمه عُرِفَ ببلادة الذهن في المرحلة الإبتدائية من دراسته، وكان أبطأ فهماً للدروس من أقرانه، بل كان بعضهم يفوقه ذكاءً وتوقّداً بأشواط بعيدة لكن لم يخلّد التاريخ اسم أيّاً منهم، بينما يدين العالم في جانب كبير من التقدّم العلمي الذي أحرزه إلى اختراعات أديسون الذي كان ذا همّة عالية وعزم قوي على الرغم من مستوى ذكائه المنخفض. لذا لكي يكون الإنسان ناجحاً في حياته لا يكفي اتّقاد ذهنه، بل تلزمه الخطوة الثانية ألا وهي المتابعة والمثابرة والهمّة.فالإنسان الناجح هو من توافر على عناصر العزم والمثابرة في أحلك الظروف وأصعبها، ذلك لأنّ الله تعالى قد خلق الإنسان أقوى من جميع الظروف شرط أن يوظّف إمكاناته إلى أقصى مدياتها. وقال السيد جعفر الشيرازي: يذكر التاريخ أنّ أحد مشاهير النحو والأدب العربي وهو الأخفش كان أميّاً لم يتلق أي تعليم حتى بلغ الثلاثين من عمره، فعزم في هذه السنّ على تعلّم القراءة والكتابة عند الكتاتيب لكنّه كان بطيء الاستيعاب بسبب كبر سنّه فتعرّض للسخرية والاستهزاء من قبل أقرانه لدرجة أنّه فقد الأمل، فهام بوجهه في الفلاة والبراري حتى وصل إلى عين تفور من بطن جبل وتسكب مياهها على صخرة نحتت فيها حفرة، فأثار ذلك انتباهه وقال في نفسه: لا العلم رائق كالماء ولا قلبي صلد كجلمود الصخر، فرجع إلى نفسه وأبى إلاّ أن يتابع طلب العلم فكان له ما أراد وارتقى أعلى الدرجات. فالعلماء والنخب لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه بطريق الصدفة أو المعجزة أو ما شابه، بل ركبوا مركب الهمّة وامتطوا صهوة العزيمة حتى نالوا المجد، ونحن أيضاً إذا ما اقتفينا آثارهم سنصل إلى تلك المدارج والقمم. وقد جاء في الحديث الشريف: «من رام شيئاً ناله أو بعضَه»(1). وبحسب السيد الشيرازي فإنّ الأشخاص الطموحين هم الناجحون بمعنى الكلمة حيث قال: يذكر التاريخ أن حمويه ملك خراسان كان يسير في طريق مع خدمه فصادف رجلاً وأمر خدمه أن يحضروه إلى قصره فقال له: أتعرفني؟ قال الرجل: أنت الملك، فقال له الملك: هل رأيتني قبل هذا؟ فأجاب الرجل: يخيّل إليّ أنّي رأيتك قبل هذا، فقال الملك: قبل ثلاثين عاماً كنت رجلاً عادياً، ذهبت لزيارة حرم الإمام الرضا عليه السلام ووقفت عند الزاوية الشمالية من الحرم وهممت بالصلاة، وأنت أيضاً كنت تصلّي عند تلك البقعة، أنت دعوت أن يهبك الله بيتاً وحصاناً ...إلخ لكنّي دعوت أن يملّكني على خراسان، حينها سخرت منّي، والآن ترى أنّي ملك خراسان أما أنت فلا تزال كما أنت لأنّك وضيع الهمّة وكسول لم تطلب إلا صغائر الحاجات من الله. كما جاء عن الإمام أمير المؤمنين سلام الله عليه أنه قال: «كان النبي صلى الله عليه وآله إذا سئل شيئاً فإذا أراد أن يفعله قال: نعم، وإذا أراد أن لا يفعل سكت، وكان لا يقول لشيء لا، فأتاه أعرابي فسأله فسكت، ثم سأله فسكت، ثم سأله فسكت، فقال صلى الله عليه وآله كهيئة المسترسل: ما شئت يا أعرابي؟ فغبطناه وقلنا الآن يسأل الجنة، فقال الأعرابي: أسألك راحلة ورحلها وزاداً، قال صلى الله عليه وآله: لك ذلك، ثم قال صلى الله عليه وآله: كم بين مسألة الأعرابي وعجوز بني إسرائيل؟! ثم قال: إن موسى عليه السلام لما أمر أن يقطع البحر فانتهى إليه، وضربت وجوه الدواب فرجعت، فقال موسى: يا ربّ ما لي؟ قال: يا موسى ! إنك عند قبر يوسف فاحمل عظامه، وقد استوى القبر بالأرض، فسأل موسى قومه: هل يدري أحد منكم أين هو؟ قالوا: عجوز بني إسرائيل، لعلّها تعلم. فقال لها: هل تعلمين؟ قالت: نعم، قال: فدلينا عليه، قالت: لا والله حتى تعطيني ما أسألك، قال: ذلك لك. قالت: فإني أسألك أن أكون معك في الدرجة التي تكون في الجنة. قال: سلي الجنّة. قالت: لا، وإلاّ أن أكون معك، فجعل موسى يرادها، فأوحى الله إليه: أن أعطها ذلك فإنه لا ينقصك، فأعطاها، ودلّته على القبر فأخرج العظام وجاوز البحر»(2). ويرى السيد جعفر الشيرازي أنّ علوّ الهمّة يجب أن تعضده المتابعة والمثابرة لضمان الوصول إلى النجاح والموفقية، وأضاف: إنّ الأماني هي هواء في شبك ما لم يسندها عمل وجهد وتهيئة المستلزمات الضرورية للنجاح. فالركن الآخر للنجاح هو تهيئة أسبابه ومستلزماته، إذ أنّ بعض الأمور هي تحت سيطرتنا وإرادتنا، وبعضها ضمن إرادة الله ومشيئته جلّ وعلا، ولعلّنا رأينا الكثير من الأمثلة التي تدعم قولنا هذا حيث هناك أشخاص متساوون في الذكاء والعمل، يدخلون سوق العمل والتجارة فترى أحدهم يربح تجارته ويجني الأموال الطائلة بينما الثاني يفقد رأسماله ولا يجني سوى الخسائر. وضرب مثالاً آخر: قد أكون سائقاً ماهراً، وأملك سيارة مناسبة وجاهزة، والتزم بجميع قوانين ومقررات الطريق والمرور فيأتي سائق مبتدئ أو آخر غلبه النعاس ويتسبّب في تصادم سيارتينا، فهذا الأمر هو خارج عن إرادتنا وسيطرتنا. إذن النجاح مرهون بإرادة الله ولا خيار لنا فيه، وهناك الكثير من الأمور التي لا حول لنا بها ولا قوة. وختم السيد جعفر الشيرازي كلمته بالقول: مع هذا، هناك بعض الأمور التي تكون سبباً في نجاح الإنسان أو فشله وخسرانه، أي تحول دون نجاح الإنسان وتقدّمه. على سبيل المثال، إنّ برّ الإنسان بوالديه يكون سبباً في دعائهما له بمزيد من التوفيق والخير في حياته، كما أنّ عقوقهما يؤدّي إلى سلب الخير والتوفيق منه. وهكذا فإنّ احترام المعلّم وتوقير كل من يعلّم الآخرين هو سبب في نزول البركة والخير في حياة الإنسان. بالإضافة إلى ذلك فإنّ السعي في طريق طاعة الله وعبودية الله هي أمّ الخيرات والنجاحات ومنبع البركات والسعادة. ----------------------------------------------------- 1/ نهجالبلاغة (صبحى صالح)، الحكمة 386. 2/ الدعوات/للراوندي/الفصل الثاني في كيفية الدعاء وآدابه/ص40/ح100.
جانب مصور :
|