
|
المرجع الديني السيد الشيرازي مخاطباً أساتذة وطلاب الحوزة العلمية في كربلاء:التزموا بالزهد والتقوى لتنالوا المراتب الرفيعة |
|
خاص - إباء مؤسسة الرسول الاكرم الثقافية - قم المقدسة قام بزيارة المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في بيته المكرم بمدينة قم المقدسة يوم الجمعة الموافق للثامن عشر من شهر جمادى الآخرة 1427 للهجرة جمع من أساتذة وطلاب الحوزة العلمية في مدينة كربلاء المقدسة. وبعد أن رحّب بهم سماحته استهلّ الكلام بالآية الشريفة: «ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون»(1) وقال: أنتم العلماء والفضلاء والخطباء والمدرّسين وطلاب الحوزة العلمية لستم الرعيل الأول. فقبلكم بقرون جاء الكثير من أمثالكم وذهبوا، بدءاً من أصحاب المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم كأبي ذر وسلمان وعمار وخباب وجابر بن عبد الله الأنصاري وعمرو بن حمق الخزاعي وميثم التمار ورُشيد وبُرير وحبيب بن مظاهر وأبي خالد الكابلي وأبي حمزة الثمالي وزرارة ومحمدبن مسلم ومحمدبن أبي عُمير إلى آخر الذين رأوا المعصومين عليهم السلام ونقلوا أحاديثهم وحملوا عنهم. ثم جاء بعدهم الشيخ المفيد والشريفان المرتضى والرضيّ والشيخ الطوسي وهكذا إلى المحقّق الحلّي والعلاّمة الحلّي وابن فهد الحلّي والشهيدين الأول والثاني والشهيد الثالث والشهيد الرابع، وبعدهم من العلماء الشهداء إلى السيد بحرالعلوم والوحيد البهبهاني والشيخ الأنصاري إلى صاحب الكفاية إلى السيد صاحب العروة، وأكثر من هؤلاء وأضعافهم جاءوا ورحلوا. وقال سماحته: مصداقاً للآية الشريفة إن الكثير من هؤلاء بل الألوف جاءوا وأدّوا دورهم في هذه الحياة ثم رحلوا عنها. فأبو ذر عاش في الدنيا وأدّى ما عليه والله تعالى نظر إلى عمله ورحل. وهكذا زرارة بن أعين والشيخ المفيد أدّيا دورهما والله سبحانه نظر إلى عملها، ورحلا عن الدنيا. والآن جاء الدور لنا ولكم. وفي سياق حديثه، أوصى سماحته الحاضرين بمطالعة تاريخ وسيرة علماء السلف الصالح، مؤكداً أن في حياتهم الكثير والكثير من العبر النافعة، وقال: كان يسكن في كربلاء المقدسة خطيب اسمه (الشيخ مهدي المازندراني) وقد أدركتُه وحضرت العشرات من مجالسه، وله مؤلفات عديدة منها (شجرة طوبى) و(معالي السبطين) و(الكوكب الدرّي). نقلوا عن جدّه الذي كان زميل الشيخ الأنصاري في الدراسة قصة مفادها: اتفق في أحد الأيّام أن الشيخ الأنصاري وجدّ المازندراني ذهبا إلى مسجد الكوفة، وعندما حان الليل أرادا تناول العشاء ولم يكونا يملكان أكثر من فلس واحد، فالتفت جدّ المازندراني للشيخ الأنصاري وقال له: هل توافق على أن نشتري بهذا الفلس رغيفاً من الخبز، نصفه لك ونصفه لي؟ فوافق الشيخ الأنصاري وذهب جدّ المازندراني إلى السوق ليأتي بالرغيف ولكنّه في طريق عودته صادف بائع دبس فاشترى من الدبس ما قيمته فلساً واحداً قرضاً، ووضع الدبس وسط الرغيف وعاد إلى الشيخ. وعندما رأى الشيخ الأنصاري الدبس في الخبز سأله مستغرباً: من أين لك بثمن الدبس ولم يكن عندنا سوى فلس واحد؟ فقال: أقرضنيه بائع الدبس. وهنا التفت الشيخ الأنصاري إلى زميله وقال: وهل تضمن بقاءك حياً لتفي له؟ ما كان ينبغي لك أن تفعل هذا، لأن رغيف الخبز وحده كان سيشبعنا أيضاً. أمّا أنا فسآكل من أطراف الخبز التي لم يمسّها الدبس وأترك لك الباقي. ومضت الأيام وانقضت على هذه الحادثة ثلاثون سنة. وجاء زميل الشيخ الأنصاري من إيران إلى زيارة النجف الأشرف وكان الشيخ الأنصاري يومذاك مرجعاً كبيراً يدرّس في الروضة العلوية المباركة. وعندما وصل الزميل كان الشيخ قد أتمّ الدرس تواً والطلبة في حال الخروج من الروضة، وعندما ولج الزميل القديم الصحن الحيدري التقى الشيخ الأنصاري وهو في حال الخروج فسلّم عليه، وأثناء معانقته له خاطبه بلهجة الصديق القديم: لقد درسنا سوية، فلماذا بلغت أنت هذا المقام السامي في حين أني لم أبلغ شيئاً؟ فأجابه الشيخ الأنصاري بلهجة الصديق القديم والممازح: ربما لأني تخلّيت عن ذلك الدبس ولم تستطع أنت التخلّي عنه. ثم علّق سماحة السيد المرجع الشيرازي حفظه الله على ذلك بالقول: لعلّ كلام الشيخ الأنصاري رحمه الله كان مزاحاً، ولكنه لم يخلُ من الصدق. فصحيح أنه لا إشكال في الدَّين ولم يقل أحد بحرمته، ولم يكن حراماً على الشيخ الأنصاري لو كان قد أكل الدبس وهو عالم بالمسألة الشرعية، ولم يكن مكروهاً. نعم يكره الدَّين مع القدرة على تركه. بينما الشيخ لم يستدن، ولو كان شخص آخر بمكانه وسأل الشيخ الأنصاري عن ذلك لقال له الشيخ يجوز لك الأكل. إلا إنّ شدة احتياط الشيخ الأنصاري لم تسمح له بذلك، حيث لم يكن مقبولاً عنده أن كلّ مكروه جائز. فأمور كهذه يرتبط بعضها ببعض، كحلقات السلسلة عندما تكتمل تعطي النتيجة المطلوبة، أما إذا فقدت إحداها فستكون النتيجة غير مطلوبة وتكون السلسلة غير كاملة. وفي النتيجة كانت شدة تقوى الشيخ هي السبب وراء خلود اسمه. وأضاف سماحته: لقد دخل الحوزة العلمية الألوف من الطلاب والفضلاء، واستفادوا من علم الشيخ الأنصاري واهتدى كثير من الناس على أيديهم لكنهم لم يحظوا بما حظي به الشيخ الأنصاري. ففي الواقع إن زهد الشيخ الأنصاري في حياته والتزامه بالتقوى كان عاملاً مؤثراً في رقيّه إلى المرتبة السامية والرفيعة. وقد نقلوا عنه ما يُعتبر عبرة وهي أن إحدى عينيه كانت ضعيفة جداً بحيث كان يصعب عليه النظر بها، وعبّر أحد العلماء الماضين: إن الشيخ الأنصاري وصل إلى هذا المقام السامي بربع عين. وأردف سماحته: إن الشيخ الأنصاري هو نموذج واحد من علمائنا الكبار. فقد عاش مثله السيد بحرالعلوم والوحيد البهبهاني وباقي العلماء الأعلام، ورحلوا عن الدنيا، وجاء الدور لنا ولكم. فهؤلاء لم يكونوا معصومين، ويمكننا أن نصل إلى ما وصلوا إليه، وأن نكون كالشيخ الأنصاري والعلاّمة بحرالعلوم. وشدّد سماحته قائلاً: إن العالم بحاجة إلى هدي أهل البيت سلام الله عليهم، حيث إن علومهم نور وكلامهم نور وفكرهم نور وطريقتهم نور، والعالم بحاجة إلى هذا النور، فمن يحمل هذا النور إلى العالم؟ فأجاب: نحن وأنتم وأمثالنا مكلّفون بهذه المهمة، وهذا بحاجة إلى تعبئة علمية وتقوى حقيقية، فلا تضيّعوا أوقاتكم ولو بمقدار دقيقة واحدة، بل استفيدوا منها بالمطالعة والمباحثة، والتدريس وماشابه ذلك. فقد كان والدي رحمة الله عليه يقول: اعتذروا لترك كل شيء بالدرس، ولا تعتذروا بترك الدرس لشيء ما. وذكر الشيخ آغا بزرگ الطهراني في كتاب (أعلام الشيعة) عن أحد العلماء قوله: وقد درس بحث الخارج في النجف الأشرف لمدة ثلاث عشرة سنة، وما غاب عن الدرس إلاّ مرّة واحدة، وذلك لأمر ضروري أوجب عليه الذهاب إلى بغداد لإنجازه. فذهب إلى بغداد مبكراً ليرجع بسرعة حتى يلحق بما بقي من الدرس. وفعلاً بعد أن أتمّ عمله استأجر سيارة قاصداً النجف، لكن السيارة تعطّلت في الطريق، وعندما وصل إلى النجف كان الدرس قد انتهى وقته. وأكّد دام ظله: عليكم بتعبئة أنفسكم تعبئة علمية جيّدة والتزموا بالتقوى الحقيقية، ومفتاح التقوى هي محاسبة النفس كل يوم ولو لبضع دقائق. واعلموا أن الله تبارك وتعالى كريم، وأهل بيت رسوله الأعظم شعبة من كرمه جلّ شأنه، والله تعالى وأهل البيت سلام الله عليهم يحبّون أن نبلغ درجة الشيخ الأنصاري وأرقى ، ولايوجد مانع في هذا، وما عليكم إلاّ أن تعزموا وتسعوا بكل ما تستطيعون وتبذلوا قصارى جهدكم. فتوسّلوا بأهل البيت سلام الله عليهم واستعينوا بهم لنيل توفيق ذلك. جدير بالذكر، أن فضيلة السيد حسين الشيرازي دام عزّه كانت له كلمة قيّمة بالوفد، ألقاها عليهم قبل لقائهم بسماحة السيد المرجع دام ظله.
--------------------------------------------------- 1 / سورة يونس: الآية 14.
جانب مصور :
|