اخر تحديث: 21-10 -2006- 3045:38 م


 
 

المرجع السيد الشيرازي : ينبغي تعلّم العلم لله ولإظهار الحق وليس للاستعلاء أو التفاخر والتباهي

 
 
 
 
 

 

 إباء - خاص

مؤسسة الرسول الاكرم (ص) الثقافية - قم المقدسة

قام بزيارة المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله في بيته المكرم بمدينة قم المقدسة يوم الثلاثاء الموافق للثالث والعشرين من شهر رمضان المبارك 1427 للهجرة جمع من الطلاب الأفارقة مع عوائلهم واستمعوا إلى توجيهات سماحته القيمة.

في البدء استهل سماحته الكلام بذكر الرواية الشريفة التالية: «عَنْ جَمِيلِ بْنِ دَرَّاجٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (الصادق) سلام الله عليه قَالَ: مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وآله بِجَدْيٍ أَسَكَّ مُلْقًى عَلَى مَزْبَلَةٍ مَيْتاً فَقَالَ لأصْحَابِهِ: كَمْ يُسَاوِي هَذَا ؟ فَقَالُوا: لَعَلَّهُ لَوْ كَانَ حَيّاً لَمْ يُسَاوِ دِرْهَما.ً فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَلدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللَّهِ مِنْ هَذَا الْجَدْيِ عَلَى أَهْلِهِ»(1). فعقّب وقال:

الدنيا يعني المال والعلم والعزّة وسلامة البدن وصحّته والزعامة والرئاسة والشخصية. بعبارة كل ما يسيّر أمور الانسان فهي الدنيا. وكل من يتعلّق قلبه بالدنيا أكثر سيكون نصيبه عند الله تعالى أقلّ.

وأوضح سماحته: ليس المراد بالدنيا ما يحتاجه الإنسان من الضروريات في أمور معيشته، لأنه لا بدّ للإنسان من مسكن ولباس وأكل ومال، بل الكلام في الأكثر من الضروريات. فقد جاء في الحديث الشريف: «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي يَعْفُورٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لأبِي عَبْدِ اللَّهِ سلام الله عليه: وَاللَّهِ إِنَّا لَنَطْلُبُ الدُّنْيَا وَنُحِبُّ أَنْ نُؤْتَاهَا. فَقَالَ: تُحِبُّ أَنْ تَصْنَعَ بِهَا مَاذَا؟ قَالَ: أَعُودُ بِهَا عَلَى نَفْسِي وَعِيَالِي وَأَصِلُ بِهَا وَأَتَصَدَّقُ بِهَا وَأَحُجُّ وَأَعْتَمِرُ. فَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ سلام  الله عليه :  لَيْسَ هَذَا طَلَبَ  الدُّنْيَا هَذَا طَلَبُ  الآخِرَةِ»(2).

فالمال وسيلة والعلم وسيلة وهكذا الشخصية والزعامة والرئاسة. وكلّ هذه إن لم يكن من ورائها هدف نبيل ولم تكن لله تعالى فهي أهون عند الله من الجدي الأسك (وهو ابن الماعز الميّت المشوّه). كأن يجمع الانسان المال لا لكي ينفقه في سبيل الله أو لكي يصل به الرحم أو لكي يصون به نفسه عن الناس، أو يكسب العلم لكي يناقش ويتغلّب على الآخرين ويظهر عليهم، ويسعى وراء المنصب حتى يتكبر على الآخرين.

وخاطب سماحته الحاضرين بقوله: أنتم رجالاً ونساء، شيوخاً وشباباً، طلاب علوم دينية، طلاب أحكام الله جلّ شأنه، وطلاب علوم رسول الله وأهل البيت صلوات الله عليهم أجمعين، وطلاب علوم القرآن الكريم وطلاب أخلاق الاسلام وآدابه وأصوله، كلما ازداد تعلّق أحدكم بالدنيا قلّ نصيبه عند الله تعالى، والعكس بالعكس.

جاء في الحديث الشريف‏: «العلم نور يقذفه الله في قلب من يشاء»(3) فالانسان الذي يكون تعلّقه بالدنيا أقل يقذف الله النور في قلبه أكثر.

وقال سماحته: الزوج الذي يسيء الخلق مع زوجته حول كون الطعام بارداً أو ساخناً فهذا ينطبق عليه مصداق متعلّق بالدنيا. والزوجة التي تنازع زوجها في أمور الدنيا فهي أيضاً تكون من المتعلقين بالدنيا. فيجدر أن يكون التعامل فيما بين الزوج والزوجة، والآباء والأولاد، والأرحام، والأصدقاء، والزملاء تعاملاً يكون الله سبحانه هو الهدف من ورائه. بل يجب أن يكون تعامل المؤمنين مع الكافرين هكذا. فرسول الله صلى الله عليه وآله  رغم كل ما  لاقاه من الأذى من قريش فإنه  كان يقول: «اللهم اهد قومي فإنهم  لا يعلمون»(4).

فأنتم الآن في طريق الإسلام، وطريق القرآن وطريق رسول الله وأهل البيت حاولوا أن تقلّلوا من تعلّقكم بالدنيا. فطالب العلم عندما يناقش أو يتباحث أو يكتب فلا يسول له الشيطان بأن يكون هدفه من ذلك هو التفوق على أقرانه بل ليكن الهدف إظهار الحق حقاً والباطل باطلاً.

 

فطالب العلم إن أراد التوفيق وأن يكون مقبولاً عند الله تعالى أكثر، وإن أراد أن يتلقّى نور العلم الحقيقي ونور الله ونور أهل البيت فعليه أن يقلّل من تعلّقه بالدنيا ولذائذها وجمالها وعزّتها والأكل اللذيذ والملابس الجميلة. فبمقدار ما يقلّ تعلّق الإنسان بالدنيا سيكون مقدار النور الذي يتجلّى في قلبه أكثر.

وحول شهر رمضان المبارك قال سماحته: هذا شهر رمضان قد أشرف على الانتهاء، فهذه الليلة ليلة الرابع والعشرين منه، وقد سجّلت تقادير كل إنسان إلى السنة الآتية، إلا ما هو مستثنى كما في قوله تعالى: «يمحو الله مايشاء ويثبت وعنده أم الكتاب». وقال الإمام أمير المؤمنين صلوات الله عليه: «لولا آية في كتاب الله لأخبرتكم بما كان وبما يكون وبما هو كائن إلى يوم القيامة، وهي هذه الآية (يَمْحُوا اللَّهُ ما يَشاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتابِ)»(5).

فينبغى لمن حصل على التوفيق في شهر رمضان المبارك أن يعمل ما لا يوجب سلب هذا التوفيق منه، كظلم الآخرين أو عقوق الوالدين وما شابه ذلك.

وأكّد دام ظله: ثلاثة أمور مهمة أذكّركم للعمل بها:

الأول: الاستفادة من شهر رمضان الكريم وذلك بأن تواصلوا على ما حصلتم عليه من توفيق في طول السنة.

الثاني: تزكية النفس. وهذا منوط بمحاسبة النفس كل يوم.

الثالث: هداية الآخرين. فأوصيكم أن تجعلوا شهر رمضان المبارك منطلقاً لهداية الآخرين إلى نور أهل البيت صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، فقد ورد في الحديث الشريف عن رسول الله صلى الله عليه وآله أنه قال في حجة الوداع في مسجد الخيف: «إني فرطكم وإنكم واردون عليّ الحوض، حوض عرضه ما بين بصرة وصنعاء، فيه قدحان من فضة عدد النجوم، أَلا وإني سائلكم عن الثقلين. قالوا: يا رسول الله وما الثقلان؟ قال: كتاب الله الثقل الأكبر، طرف بيد الله وطرف بأيديكم، فتمسّكوا به لن تضلوا ولن تزلوا، والثقل الأصغر عترتي وأهل بيتي، فإنه قد نبأني اللطيف الخبير أنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، كإصبعي هاتين، وجمع بين سبابتيه، ولا أقول كهاتين، وجمع بين سبابته والوسطى، فتفضل هذه على هذه»(6).

فالقرآن يعني أهل البيت، وأهل البيت يعني القرآن، وكل ما دعا إليه القرآن دعا إليه أهل البيت، وكلّ ما دعا إليه أهل البيت دعا إليه القرآن. فحاولوا أن تبذلوا الجهد في سبيل هداية الآخرين وتثقيفهم بثقافة أهل البيت، خصوصاً من أبناء جلدتكم، حتى تصبح القارة الأفريقية بحول الله تعالى وقوته كلّها متمسكة بالولاء والحبّ والاتباع لأئمة الهدى الأطهار من آل رسول الله صلى الله عليه وآله. وشجّعوا الآخرين لأن يكونوا علماء في طريق أهل البيت سلام الله عليهم.

 

 

----------------------------------------------

 

1/ أصول الكافي/ ج2/ باب ذم الدنيا و../ ص129 /ح9.

2/ المصدر نفسه/ ج5/ باب الاستعانة بالدنيا على الآخرة/ ص72/ح10.

3/ مصباح الشريعة/ الباب السادس في الفتياء/ ص16.

4/ بحار الأنوار/ ج11/ باب 3 بعثته صلى الله عليه وآله و../ ص298.

5/ الاحتجاج/ ج1 / احتجاج علي سلام الله عليه على زنديق/ ص258.

6/ تفسير القمي/ ج1/ خطبة النبي صلى الله عليه وآله/ ص173.

جانب مصور :

 

 

 

 

 
International Copyright© 1999-2006, EBAA/14masom.com