إباء
مؤسسة الرسول الاكرم (ص) الثقافية - قم المقدسة
إن الله تعالى مالك كل شيء، ومنه سبحانه يبدأ كل
شيء. فالخير الذي يلحق الإنسان هو من الله تعالى،
أما الشرّ فهو من الإنسان نفسه؛ لأن الله تعالى
جعل الإنسان مخيّراً، فكل من يجلب الشر لنفسه
فإنما يجلبه بسوء تصرفه .
هذا ما قاله المرجع الديني سماحة آية الله العظمى
السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله خلال
إرشاداته القيمة التي ألقاها على جمع من العوائل
من العاصمة الإيرانية طهران في بيته المكرّم
بمدينة قم المقدسة، يوم الخميس الموافق للخامس
والعشرين من شهر رمضان المبارك 1427 للهجرة.
وبعد أن قرأ قوله تعالى: «ولَو أَنَّ أَهلَ
القُرى آمنُوا واتَّقَوا لَفَتَحنا عَلَيهِم
بَركاتٍ مِنَ السَّماءِ والأرضِ ولكِن كَذَّبُوا
فَأَخَذناهُم بِما كانُوا يَكسِبُونَ»(1). قال
سماحته أيضاً:
إن المسائل والمعادلات الرياضية ثابتة دائماً ولا
تتغير، فالمقدمة الصحيحة تعطي نتايج صحيحة. وهكذا
هي سنّة الله جل شأنه ثابتة لا تتغيّر، ولا خطأ
فيها ولا عبث. بعبارة: إذا كان الإنسان مطيعاً لله
سبحانه ويعمل صالحاً فإنه سيحصل على نتائج إيجابية
في الدنيا والآخرة، وإن عصى الله ـ والعياذ بالله
ـ وأساء التصرّف والعمل فسيصيبه الضرر، ويلحقه
الخسران.
وبهذا الصدد ذكر سماحته قصة مفادها:
عاش في الأيام السالفة في العراق أخوان مع بعضهما.
وكان الأخ الأكبر ثرياً وتاجراً، أما الأخ الأصغر
فكان يعمل عنده لأنه لم يكن يملك شيئاً، وكان الأخ
الأكبر بمثابة الوالد لأخيه الصغير، حيث كان يدير
حياته ويرعاه. وقد عمل هذان الأخوان مع بعضهما
لسنين وكأنهما شريكان، ولم يكن بينهما أي حساب.
فالأخ الأصغر عاش وتزوّج وكوّن عائلة بمال أخيه
الأكبر، الذي سمح لأخيه أن يأخذ من ماله كلما
احتاج وبدون أن يستأذنه، ولم يعلم أحد بذلك حتى
أبناؤهما، إلا أن مرّت السنين فمات الأخ الأكبر.
وحينما كان الأخ الأصغر مشغولاً بمراسم دفن أخيه
الأكبر كانت عائلة الأخير قلقة ومضطربة حيث كانوا
يظنون أن العم سيضع يده على كل الأموال
والممتلكات، بل وعلى إرثهم أيضاً، ولأنهم لم
يكونوا يملكون مستمسكاً أو موثقاً يدل على ملك
أبيهم للأموال والممتلكات، أو ما يدلّ على أن
أباهم كان شريكاً لأخيه الأصغر. فباتوا في حيرة من
أمرهم أيصبرون أم يفتحون الكلام مع عمّهم حول
الأمر المذكور؟
ولكن بعد أيام زارهم العمّ وعزّاهم بوفاة والدهم
وفاجأهم بقوله:
كان أكثر الناس يتصورون بأنني وأخي المرحوم كنا
شريكين ولعلّه أنتم أيضاً كان لكم التصوّر نفسه،
لكن الحقيقة هي شيء آخر. فهذه الأموال كلّها هي من
مكاسب ثروة أخي المرحوم، وأنا لا سهم لي فيها،
لأني منذ البداية عملت معه بصفتي عامل ليس إلاّ.
وهذه مفاتيح المحلاّت والأسواق وكل ممتلكات أبيكم
أضعها بين أيديكم. فإن كنتم راغبين في أن أستمر
على عملي هذا بصفتي عامل لأبيكم فسأبقى، أما إذا
كنتم غير راغبين فسأجمع كل السجلاّت والإضبارات
والعقود والأملاك وأُسلّمها إليكم يوم غد.
أما عائلة المرحوم الذين لم يكن بحسبانهم هذه
المفاجأة وتقوى الله وحفظ الأمانة من عمّهم فشرع
جميعهم بالبكاء وأجابوا عمّهم: من هو أفضل منك؟
ابق واستمر.
وعقّب سماحته: يجدر بالمرء أن يكون صادقاً مع الله
عزّ وجلّ قولاً وفعلاً. كما عليه أن يكون صادقاًً
مع نفسه ومع من حوله ومع الناس جميعاً، فللصدق
آثار إيجابية كثيرة. فالزوجان اللذان يتعاهدان من
ليلة الزفاف على أن يكونا صادقين مع بعضهما ستكون
حياتهما مليئة بالخير والبركة وباللذات المعنوية
وبالتالي يسعدا في حياتهما في الدارين.
وأضاف سماحته: إن الله سبحانه صادق مع خلقه، فعلى
الإنسان أن يكون صادقاً معه جلّ وعلا. فكل واحد
منّا مهما كان وعلى قدر ما اُوتي من العقل يمكنه
أن يكون من الصادقين. فمن سنن الله تعالى الخير
والثواب للصادقين، أما الكاذبون فيأخذهم أخذ عزيز
مقتدر.
وبعد أن ذكر سماحته الحديث النبوي الشريف التالي:
«إِنَّ اللَّه لا ينظُرُ إلى صُوَرِكُم ولا إلى
أَموَالِكُم ولكن ينظُرُ إلى قلوبِكُمْ
وأَعمَالِكُمْ»(2) قال: يحسن بنا جميعاً ونحن في
الأيام الأخيرة من شهر رمضان المبارك أن نعاهد
الله سبحانه وأنفسنا بأن نكون صادقين مع الله ومع
خلقه، دوماً وعلى كل حال.
فالذي يصدق مع الله جلّ اسمه ومع والديه، وأولاده،
وأقاربه، وأرحامه، وزملائه فستكون حياته حياة
جميلة وحسنة، وتكون عاقبته خيراً، ولا يكتب من أهل
الشقاء، وسيعينه الله تعالى في أموره كلها، فضلاً
عن سعادته في الآخرة.
وأكّد دام ظله: إن الله تعالى عالم بذات الصدور
ولا يخفى عليه شيء، ويعلم بمقدار صدقنا في القول
والعمل، وهو سبحانه الصادق، فإن التزمنا بالصدق
وحفظ الأمانة فسنسعد في حياتنا في الدنيا والآخرة.
فلقد رأينا في القصة الآنفة الذكر كيف أن الأخ
الأكبر كان صادقاً في علاقته وارتباطه وتعامله مع
أخيه الأصغر، فكانت نتيجة صدقه أن تعامل أخوه
الصغير مع عائلته بالصدق والأمانة. وهكذا الأخ
الأصغر بقى في عمله وعاش منعّماً بالأموال التي
تركها أخوه الأكبر، وحصل على رضا عائلة أخيه
المرحوم بسبب صدقه وحفظه الأمانة.
أسأل الله العلي القدير أن يتقبّل الأعمال و
الطاعات، وأن يوفّقنا وإيّاكم لأن نكون من
الصادقين. وصلّى الله على محمد وآله الطاهرين.
-----------------------------------------------------
1/ سورة الأعراف: الآية 96.
2/ مستدرك الوسائل/ ج11/ باب 20 وجوب تقوى الله
.../ ص 264/ ح 12951.
جانب مصور :


