إباء - خاص
مؤسسة الرسول الاكرم(ص) الثقافية -قم المقدسة
قام جمع من الأخوات ـ وكالسنوات السابقة ـ بزيارة
المرجع الديني سماحة آية الله العظمى السيد صادق
الحسيني الشيرازي دام ظله في بيته المكرّم بمدينة
قم المقدسة يوم الأحد الموافق للثامن والعشرين من
شهر رمضان المبارك 1427 للهجرة، واستمعن إلى
توجيهاته القيّمة، التي استهلّها بقوله: ورد في
أحد الأدعية الخاصة بزمن غيبة مولانا المفدّى
الإمام المهدي المنتظر عجّل الله تعالى فرجه
الشريف: «وجدّد به ما امتحى من دينك»(1).هذه
الفقرة تشير إلى أن قسماً من أحكام الله تعالى
وأوامره التي جاء بها الإسلام قد محيت، وسيجدد لها
الحياة مولانا الإمام صاحب العصر والزمان عجل الله
تعالى فرجه الشريف بظهوره المبارك المقدس. فكلمة (امتحى)
معناها المحو والفناء الكامل، وواضح أن الفناء غير
التغيير، بل هو أشمل وأوسع.
ووصف سماحته الدين بأنه مفهوم واسع وثقافة خاصة،
وله ارتباط وثيق بكل أبعاد وشؤون حياة الإنسان
الفردية والاجتماعية وقال: ليس الدين الموعظة
والجنة والنار، والثواب، والعقاب فحسب، فهذه
الأمور جزء منه. إنّ الدين علاوة على ما مرّ ذكره
فيه أحكام كل شيء كالصلاة والصيام والخمس والزكاة،
والاقتصاد، والاجتماع، وواجب الزوجين والوالدين
والأبناء تجاه بعضهما، بل وأحكام حركات الإنسان
وسكناته، وما يختلج في قلبه من نيّات وأفكار. ودين
الله تعالى فيه أحكام خاصة كالواجب، والحرام،
والمستحب، والمكروه، والمباح تجاه كل ما يصدر من
الإنسان من قول وسكوت، وما ينجزه أو يتركه من عمل.
فالدين هو مجموعة متكاملة وواسعة وعظيمة جداً، كما
قال عزّوجلّ: «إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ
الإِسْلاَمُ»(2).
هذا المفهوم الواسع للدين وعلى مرّ القرون نالت
منه يد التبديل والتغيير والمحو، فمحت قسماً
كبيراً من أحكامه. وحين أوصى الإمام صاحب العصر
والزمان صلوات الله عليه بضرورة قراءة الأدعية
الخاصة بزمن غيبته، والالتفات إلى ما فيها من
المفاهيم التي تدلّ على ما تعرّض له الدين كالمقطع
التي ذكرته آنفاً، فمن المحتمل أن ذلك مما يتألم
له الإمام سلام الله عليه.
لذا فأقل ما يمكن أن نقوم به في هذا الخصوص هو أن
لانكون من الذين يبدّلون أو يمحون أحكام الله
سبحانه. ولعل أفضل مصاديق نصرة مولانا المفدّى
الإمام المنتظر عجّل الله تعالى فرجه الشريف هو
العمل على إحياء ما امتحى من دين الله تعالى.
وفي جانب آخر من كلامه قال سماحته: أوصيكن بمطالعة
سير النساء المؤمنات اللاتي عشن في صدر الإسلام
وإحداهن أسماء.
هذه المرأة كانت زوجة لجعفر بن أبي طالب، ثم بعد
استشهاد جعفر في حرب موتة، تزوجت بأبي بكر وأنجبت
له محمداً، وبعد موت أبي بكر تزوجّت بالإمام علي
سلام الله عليه وولدت منه ولدين، أحدهما عون سلام
الله عليه الذي استشهد في ملحمة كربلاء.
هنا نتساءل: لو أن امرأة من نساء اليوم تعمل ما
عملته أسماء بأن تتزوج بعد وفاة زوجها الأول
والثاني، أتُحمد أم تتعرّض لضغوط اجتماعية كثيرة،
ومنها أن يصفها قريناتها بعديمة الوفاء؟
أقول: بلا شك أن أسماء قد امتثلت لنصّ ما شرّعه
الدين والإسلام، لكن هذا الأمر الذي هو جزء من
الدين اعتبره العرف قبيحاً ومخالفاً للقيم.
فهل زواج أسماء لثلاث مرّات ـ والذي يعتبره
مجتمعنا من العيوب ـ يعدّ مغايراً لدين الله
تعالى؟
كلا بالطبع، لإن دين الله سبحانه يقول: عدا زوجات
النبي صلى الله عليه وآله اللاتي حُرّم الزواج
عليهن بعد الرسول، فإن باقي النساء يحلّ لهن أن
يتزوّجن برجل آخر بعد وفاة الزوج الأول أو الثاني
والثالث والرابع، ولم يستثن الدين بهذا الخصوص
إلاّ نساء النبي، وخير دليل وشاهد على ذلك هي سيرة
أهل البيت سلام الله عليهم. ولا شك أن الأمر ذاته
ينطبق على الرجال أيضاً. فمولانا أمير المؤمنين
سلام الله عليه قد تزوّج بعد استشهاد مولاتنا
فاطمة الزهراء سلام الله عليها. ولكن هذا الأمر
بالنسبة للرجال يعدّه مجتمعنا من القبائح أيضاً.
ووصف سماحته كثرة مهر المرأة بأنه من الموارد
المخالفة للدين ولسنّة رسول الله صلى الله عليه
وآله وقال: لو يحضر النبي الأكرم صلى الله عليه
وآله اليوم بيننا وهنا في مدينة قم المقدسة بالذات
تُرى أي زواج يرضى عنه وأيّاً يستاء منه؟
إن رسول الله صلى الله عليه وآله حين أراد الزواج
من السيدة خديجة سلام الله عليها لم يكن يملك
شيئاً من المال ليجعله مهراً لها، لأنه كان ينفق
كل الأموال التي تقع بيده ولم يكن يبقي منها
شيئاً. لكن السيدة خديجة التي كانت من أثرياء
العرب، علمت بذلك فأرسلت له صلى الله عليه وآله
مبلغاً قدره أربعة آلاف دينار من الذهب كي يعطيه
إلى عمها مهراً لها.
أما رسول الله صلى الله عليه وآله فلم يجعل من
المبلغ المذكور مهراً لخديجة إلاّ ما مقداره
خمسمئة درهم فقط، والباقي وزّعه على الفقراء
والمحتاجين.
في الواقع إن رسول الله صلى الله عليه وآله بعمله
هذا قد سنّ وقنّن المهر القليل ليمتثل له
المسلمون. ومنذ ذلك اليوم صار (مَهر السُنّة)
خمسمئة درهم، فكان مهر مولاتنا الزهراء سلام الله
عليها وباقي نساء أهل البيت سلام الله عليهم هو
المقدار المذكور.
لكن مما يبعث على الأسى والأسف لو أن امرأة من
نساء هذه الأمة كان مهرها (مهر السُنّة) فإنها لا
تذكره لأحد وتخجل من أن تفصح عنه. فكثرة المهور
صارت جزءاً من عادات وثقافة مجتمعاتنا ووصلت إلى
حدّ أن كل من أراد العمل بسُنّة الرسول صلى الله
عليه وآله فإنه يتعرض لضغوط كثيرة ممن حوله ومن
مجتمعه. وهذا مورد من موارد محو دين الله.
إذاً ينبغي لنا جميعاً أن لا نعمل ما يستاء منه
رسول الله صلى الله عليه وآله وإمام زماننا الحجة
المنتظر عجّل الله تعالى فرجه الشريف. فلو لم ننبذ
السُنّة النبوية هذه التي هي جزء من الدين لما
واجه الشباب والشابات العراقيل والموانع في
زواجهم، وما كنّا نرى المشاكل والمفاسد والمعاصي
في مجتمعاتنا.
وأشار سماحته إلى أن النساء بأنفسهن يستطعن معالجة
هذه الأزمات وقال: اسعين في أن لا تكنّ ممن يزيد
في حدّة هذه الأزمة. وإن لم تمتثلن لهذه السنة
النبوية الشريفة فلا تلمن من يمتثل لها، فيتأذى
الإمام منكنّ.
بعد ذلك تطرّق سماحته إلى أهمية تربية الأولاد
ودورها وما لها من تأثير في مستقبل الأبناء وقال:
لو يراعي الأبوان الدّقة في تربية أولادهما فإنهما
سوف يرتاحان ولن يواجها الكثير من المشاكل
والأزمات في المستقبل.
وأكّد سماحته أن القرآن الكريم وتعاليم أهل البيت
سلام الله عليهما هما ضمانا سعادة العائلة
والمجتمع والناس أجمعين، وقال:
لو يؤدّي كل من الزوجين ما عليهما من الواجب الذي
قرّره الدين لهما كقوله تعالى: «ولهنّ مثل الذي
عليهنّ بالمعروف»(3) فإنهما سيسعدان في حياتهما
ويشعران باللّذة والفرح والسرور. لكن مع الأسف فإن
المفاهيم الخطأ قد أطّرت حياة العوائل، ونبُذت
الكثير من أحكام الله جلّ شأنه في هذا الخصوص.
وأشار سماحته إلى موارد أخرى من الموارد المخالفة
الدين وقال: بناءً على ما نصّت عليه الشريعة
الإسلامية فإن المديون الذي لا يملك من المال ما
يمكنه أن يسدّد به ديونه فإنه لا يُسجن ولا يتعرّض
للضغوط، وعلى الحكومة الإسلامية أن تعينه في تسديد
دَينه. فقد قال مولانا رسول الله صلى الله عليه
وآله: «من ترك دَيناً أو ضياعاً فإليَّ
وعليَّ»(4).
وعليه فإن في مجتمعاتنا الكثير مما هو مخالف
للأحكام الدينية، تلك الأحكام الشريفة التي لو
يعمل المسلمون بواحدة منها لعاشوا في جنّة.
وفي الختام أوصى دام ظله الأخوات بما يلي:
1. تعلّمن أحكام الله سبحانه وعلمنها الآخرين
وبالخصوص أولادكنّ. ويمكنكنّ الاستعانة بالرسالة
العملية والكتب الفقهية المبسطة.
2. احرصن على تسهيل الزواج، وليكن الدِين وحُسن
الخُلُق هما الملاك عندكنّ في الزواج، وليس المال،
فسعادة الزوجين تتحقق في ظل الإيمان والتراحم وليس
في الأمور المادية، واسعين في رفع موانع الزواج.
3. تعاملن مع أولادكنّ بالحكمة والموعظة الحسنة،
وهيئن لهم في البيت الأجواء الصالحة والحنونة، حتى
يفصحوا لكُنّ عما يدور في فكرهم وما يختلج في
صدورهم.
4. اسعين قدر ما تستطعن في سبيل إحياء المنسي من
أحكام الدين، ولا تكنّ ممن يعرض عن أحكام الله؛
فيستاء الإمام صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى
فرجه الشريف أو يتأذّى منكنّ.
-----------------------------------------------------
1/ بحار الأنوار/ ج53/ باب 31 ما خرج من توقيعاته
عجل الله تعالى فرجه الشريف .../ ص187/ ح18.
2/ سورة آل عمران: الآية 19.
3/ سورة البقرة: الآية 228.
4/ من لا يحضره الفقيه/ ج4/ باب نوادر المواريث
.../ ص 351/ ح5759.