إباء
مؤسسة الرسول
الاكرم (ص) الثقافية - قم المقدسة
لقد اهتدى كثير من الناس إلى
الإسلام واستبصر الكثير بنور أهل البيت سلام الله
عليهم ببركة مولانا سيد الشهداء صلوات الله عليه،
وكثير من غير المسلمين يكنّون حبّاً شديداً له.
فأهل البيت الأطهار صلوات الله عليهم كلهم سفن
نجاة ولكن سفينة الحسين أوسع وأسرع.
هذا ما قاله فضيلة الخطيب
الشيخ شفيعي دام عزّه في مجالس العزاء الحسيني
التي أقيمت في بيت المرجع الديني سماحة آية الله
العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي دام ظله
بمدينة قم المقدسة صباح اليوم الخميس الموافق
للخامس من شهر محرم الحرام 1428 للهجرة، وحضرها
العلماء وطلاب الحوزة العلمية من مختلف الجنسيات،
وعامّة المؤمنين والموالين لآل النبي المصطفى صلى
الله عليه وآله.
وقال شفيعي أيضاً:
إن الإمام الحسين سلام الله
عليه قدّم التضحيات العظيمة لأجل إقامة دين الله
تعالى وإحياء معالم الإسلام وحدوده، فيجدر بأتباعه
ومحبّيه أن يمتثلوا لما أمر به الله عزّ وجلّ ولما
لأجله ضحى الإمام الحسين سلام الله عيله. فالإمام
الحسين روحي فداه طلب في يوم عاشوراء وعندما حان
الزوال؛ طلب من الأعداء أن يمهلوه لكي يقيم صلاة
الظهر، فيجب على المحبّين والموالين أن يقتدوا
بالإمام ويهتمّوا للصلاة ولا يستخفّوا بها.
بعد ذلك تحدّث فضيلة الشيخ
حاجيان وقال: قال الإمام الحسين بن علي سلام الله
عليهما: «دخلت على رسول الله صلى الله عليه وآله
وعنده أبيّ بن كعب، فقال لي رسول الله صلى الله
عليه وآله: مرحباً بك يا أبا عبد الله يا زين
السماوات والأرضين.
فقال له أُبَيّ: وكيف يكون يا
رسول الله زين السماوات والأرض أحد غيرك؟
فقال: يا أُبَيّ والذي بعثني
بالحقّ نبياً إن الحسين بن علي في السماء أكبر منه
في الأرض، فإنه لمكتوب عن يمين عرش الله: مصباح
هدى وسفينة نجاة، وإمام غير وهن وعزّ وفخر وبحر
علم وذخر، وإن الله عزّ وجلّ ركّب في صلبه نطفة
طيبة مباركة زكية»(1).
وتحدّث أيضاً فضيلة الخطيب
السيد آل طه دام عزّه وقال:
من البديهي أن كل إنسان ـ عدا
المعصومين ـ تصدر منه بعض الأخطاء وبعض السيئات،
ولكن هنالك فرق بين إنسان وآخر في ردّ فعله
وإحساسه تجاه ما يصدر منه من خطأ وسيئة. فالمؤمن
الحقيقي يستاء من صدور الخطأ منه ويبدأ بمعاتبة
نفسه على ذلك، وهذا ما ورد في كلام مولانا
أميرالمؤمنين الإمام علي بن أبي طالب صلوات الله
عليه حيث قال: «سيئة تسوؤك خير عند الله من حسنة
تعجبك»(2).
كما أشار القرآن الكريم إلى
ذلك بقوله عزّ وجلّ من قائل: «إِنَّ الَّذِينَ
اتَّقَواْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ
الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم
مُّبْصِرُونَ»(3) وقال تعالى: «وَإِذَا جَاءكَ
الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلاَمٌ
عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ
الرَّحْمَةَ أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا
بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ
فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ»(4).
فيجدر بالمؤمنين أن يتوبوا إلى
الله تعالى توبة حقيقية إن صدرت منهم غفلة أو سيئة
وذلك بالندم على ما صدر قلباً وعملاً، والعزم على
عدم تكراره، وطلب المغفرة من الله جلّ شأنه.
وأضاف آل طه: ذكرت الروايات
الشريفة أنه: لما حاصر رسول الله صلى الله عليه
وآله بني قريظة قالوا له: ابعث إلينا أبا لبابة
نستشيره في أمرنا.
فقال رسول الله صلى الله عليه
وآله: يا أبا لبابة ائت حلفاءك ومواليك.
فأتاهم فقالوا له: يا با لبابة
ما ترى أ ننزل على حكم رسول الله صلى الله عليه
وآله؟
فقال: انزلوا واعلموا أن حكمه
فيكم هو الذبح وأشار إلى حلقه.
ثم ندم على ذلك فقال: خنت الله
ورسوله، ونزل من حصنهم ولم يرجع إلى رسول الله صلى
الله عليه وآله، ومرّ إلى المسجد وشدّ في عنقه
حبلاً، ثم شدّه إلى الأسطوانة التي كانت تسمى
(أسطوانة التوبة) فقال: لا أحلّه حتى أموت أو يتوب
الله عليّ.
فبلغ رسول الله صلى الله عليه
وآله فقال: أما لو أتانا لاستغفرنا الله له، فأما
إذا قصد إلى ربّه فالله أولى به. وكان أبو لبابة
يصوم النهار ويأكل بالليل، ما يمسك رمقه، وكانت
بنته تأتيه بعشائه وتحلّه عند قضاء الحاجة، فلما
كان بعد ذلك ورسول الله في بيت أم سلمة نزلت
توبته، فقال [رسول الله صلى الله عليه وآله]: يا
أمّ سلمة قد تاب الله على أبي لبابة.
فقالت: يا رسول الله أفأؤذنه
بذلك؟ فقال: لتفعلنّ. فأخرجت رأسها من الحجرة
فقالت: يا أبا لبابة أبشر قد تاب الله عليك.
فقال: الحمد لله. فوثب
المسلمون يحلّونه، فقال: لا والله حتى يحلني رسول
الله صلى الله عليه وآله بيده. فجاء رسول الله صلى
الله عليه وآله فقال:
يا أبا لبابة قد تاب الله عليك
توبة لو وُلِدت من أمّك يومك هذا لكفاك.
فقال: يا رسول الله أفأتصدق
بمالي كلّه؟
قال: لا.
قال: فبثلثيه؟
قال: لا.
قال: فبنصفه؟
قال: لا.
قال: فبثلثه؟
قال: نعم. فأنزل الله:
[وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا
عَمَلاً صالِحاً وَآخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ
أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ
رَحِيمٌ. خُذْ مِنْ أَمْوالِهِمْ صَدَقَةً] إلى
قوله [أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ
عَنْ عِبادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقاتِ وَأَنَّ
اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ]»(5).
ووصف السيد آل طه توبة الحرّ
بن يزيد الرياحي بأنها من مصاديق التوبة الحقيقية
وقال:
بعد أن ترك الحرّ جيش يزيد،
أخذ يدنو قليلاً صوب معسكر الإمام سلام الله عليه،
فقال له المهاجر بن أوس: تريد أن تحمل؟ فسكت،
فأخذته الرعدة ثم لحق بالحسين سلام الله عليه وقال
له:
جعلني الله فداك يا ابن رسول
الله أنا صاحبك الذي حبستك عن الرجوع وسايرتك في
الطريق وجعجعت بك إلى هذا المكان وما ظننت أن
القوم يبلغون منك هذه المنزلة، فهل لي توبة؟
قال: نعم يتوب الله عليك.
ثم قال: يا أهل الكوفة لأِمّكم
الهبل، دعوتموه حتى إذا أتاكم خرجتم تقاتلونه
وتمنعونه الماء الذي تشربه الكلاب والخنازير، لا
سقاكم الله الماء.
قال له الحسين: انزل.
فقال: أنا لك فارساً خير من أن
أكون راجلاً، وإلى النزال آخر أمري.
ثم حمل على القوم و هو يتمثل
بقول عنترة:
ما زلت أرميهم بغرة وجهه
ولبانه حتى تسربل بالدم(6)
--------------------------------------
1/ بحار الأنوار/ ج36/ باب 40
نصوص الله عليهم من خبر اللوح .../ ص 204/ ح8.
2/ وسائل الشيعة/ ج1/ باب 23
تحريم الإعجاب .../ ص 105.
3/ سورة الأعراف: الآية 201.
4/ سورة الأنعام: الآية 54.
5/ تفسير القمي/ ج1/ توبة أبي
لبابة/ ص 303.
6/ مثير الأحزان/ التحاق الحر
في معسكر الحسين وطلبـ .../ ص59.
جانب مصور :


