تقرير خبري

 

   الصفحة الرئيسية

 

منظمات حقوق الإنسان تتابع المقابر الجماعية

 

 

منذ اكتشاف أول مقبرة جماعية في العراق في الشهر الفائت، تنهمك مجموعات مختلفة من الهيئات القانونية ومنظمات حقوق الإنسان في عواصم العالم في استكمال الملفات القانونية المتضمنة للتهم الموجهة لقادة نظام صدام حسين المخلوع عن ارتكاب مجازر جماعية وانتهاك فاضح لحقوق الإنسان. وقد تحدث عدد من ممثلي هذه المجموعات حيث أكدوا على أن اكتشاف المقابر الجماعية الأخيرة (سيساهم في إغلاق الملف القانوني) الذي كان قد فتح منذ عام 1991 بعد دحر الغزو العراقي من الكويت تحت عنوان (المفقودون).

يقول متحدث باسم منظمة العفو الدولية التي تتخذ من لندن مقراً لها: إن ملفات (المفقودين) الموجودة لديها لا تنحصر فحسب في المفقودين العراقيين، بل تشمل أيضاً حالات المفقودين المصريين والكويتيين الذين يقدر عددهم بنحو 600 مفقود يعتقد أنهم أسروا ونقلوا إلى الأراضي العراقية بعد تحرير الكويت.

من ناحية أخرى، تقول رئيس منظمة (إندايت) النائبة العمالية آن كلايد: إن لدى منظمتها ملفات مفتوحة أيضاً منذ أكثر من عشر سنوات حول المفقودين من العراقيين والمصريين والكويتيين في آن. وتضيف: إن العثور على المقابر الجماعية أخيراً (سيساعدنا في عملية استكمال المعلومات والشهادات من أقرباء الضحايا، تمهيداً لإعداد الملفات القانونية لتقديمها لمحاكم جرائم الحرب ضد مجرمي نظام صدام).

وتقدم منظمة العفو الدولية بعض الأمثلة على طريقة عملها في إعداد الملفات المطلوبة، وإن لم يكن بعد قد تم تحديد المحاكم التي سيمثل أمامها المسؤولون عن الجرائم وانتهاك حقوق الإنسان من رجال النظام السابق في العراق، (لا نعرف بعد أين ستجرى محاكمة هؤلاء. هل في العراق أم خارجه؟) ويفسر المتحدث باسم منظمة العفو الدولية أن هناك ثمة جرائم ارتكبها رموز النظام العراقي السابق يمكن اعتبارها جرائم حرب، وجرائم أخرى تصنف بأنها جرائم ناجمة عن انتهاك حقوق الإنسان.

من ناحيتها، تقول اكلايد: إنها تميل لمحاكمة المسؤولين العراقيين أمام محاكم دولية متخصصة، مثل محكمة (الجرائم الجنائية الدولية) الجديدة أو المحكمة الخاصة التي تأسست خصيصاً لمحاكمة مجرمي الحرب في يوغسلافيا السابقة والبوسنة والهرسك. وتضيف النائبة العمالية قائلة: (في النهاية لا فرق أين يحاكم هؤلاء وما هي ماهية المحاكم التي يمثلون أمامها، المهم أن ينالوا القصاص العادل إزاء ما ارتكبوه من جرائم).

في المعلومات المتوفرة لدى منظمة العفو الدولية، يحتوي الموقع الذي تم اكتشاف 3000 جثة فيه على نحو (15 ألف جثة مفقود عراقي من الذين اعتقلوا وأعدموا فوراً في أعقاب انتفاضة 1991 في الجنوب)، وتقوم هذه المنظمة بجمع المعلومات حول المفقودين عموماً من خلال المقابلات التي تجريها مع أقربائهم وأصدقائهم، ومن بينهم أشخاص فقدوا ـ أو اعتقلوا ـ منذ عام 1980. ولكن هذه هي المرة الأولى التي تمكنت فيها منظمة العفو الدولية من جمع معلومات حول المفقودين مباشرة من داخل العراق، لاسيما بعد اكتشاف المقابر الجماعية.

كيف يتم إعداد الملفات وعلى أي أساس؟ منظمة العفو الدولية المعروفة بتاريخها الطويل في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان، ومنظمة (إندايت) المتخصصة في ملف المفقودين العراقيين، تلتقيان عند القول: إن أهم مرحلة في إعداد الملفات القانونية لتقديمها إلى المحاكم (هي مرحلة جمع المعلومات والشهادات، لاسيما شهادات الشهود الشخصيين الذين شاهدوا بأم أعينهم عملية تنفيذ القتل أو التعذيب بحق المعتقلين، إن وجدوا طبعا)، إلا أن معظم الشهادات الموجودة الآن في ملفات المنظمتين هي في أغلبيتها روايات شهود عيان للحظات الاعتقال وعمليات التعذيب، وبدرجة أقل عمليات تنفيذ القتل.

وتعرض المنظمة لبعض الشهادات والتوثيق الذي تعده في ملفاتها لإحدى القضايا وهي قضية عائلة مهدي غضبان الطائي الذي لا يزال يفتش عن أبنائه الثلاثة، أسعد وعدنان ومرتضى، المفقودين منذ عام 1992. في حيثيات الملف قامت عناصر من جهاز المخابرات العسكري باعتقال مرتضى من مكان عمله مساء واعتقل عدنان في المدرسة التي كان يعمل بها في حين تم اعتقال أسعد من منزله. في الملف أيضاً معلومات وشهادات تم جمعها من شهود عيان ممن شاهدوا عملية الاعتقال بحق الأولاد الثلاثة، وكذلك شهادات شخصية من أشخاص لم يكشف عن هويتهم جراء الخوف من السلطة تشير إلى تصفيتهم في منطقة الأندلس في البصرة.

وفي موقع شركة ناقلات النفط القريبة من جامعة البصرة، تمكن أعضاء من المنظمة من تسجيل روايات شهود عيان قالوا إنهم شاهدوا عملية تصفية جسدية بحق 25 رجلاً وعشر نساء في الساحة الخلفية للشركة، وتم دفن الجثامين في حقل قريب وقد اكتشفت جثثهم أخيراً، وتتضمن المعلومات أسماء الرجال والنساء الضحايا بالإضافة إلى أماكن سكنهم، وهناك في الملفات أيضاً وثيقتان عثرت عليهما منظمة العفو الدولية أخيراً في أحد المقرات الرسمية في ساحة أم البروم في البصرة أيضاً صادرة عن (محكمة ثورية) تتضمن الأولى أسماء 141 من المفقودين والأخرى على 84 اسماً تم إعدامهم بين عامي 1982 و 1984. وتعكف الآن على جمع المعلومات المطلوبة لمعرفة مسوغات عملية الإعدام بغية إعداد ملف قانوني لتقديمه إلى المحاكم التي ستشكل للنظر في جرائم النظام السابق.

القضايا التي تعدها منظمة (إندايت) على سبيل المثال، متخصصة في الجرائم المرتبطة برموز النظام بما في ذلك جرائم تم تنفيذها بأوامر مباشرة من صدام حسين نفسه، نفذت بحضوره الشخصي، من هذه الجرائم دفعتان من الأكراد تضم كل منهما 30 شخصاً، قتلوا جميعاً بإطلاق الرصاص عليهم بيد حراس صدام الشخصيين. وفي المعلومات المتوفرة في الملف عن هذه القضية بالذات أن صدام حسين كان يضحك بصوت مسموع أثناء تنفيذ قتل الضحايا.

من الملفات الأخرى (ملف قصي)، الابن الأصغر لصدام حسين، وهو الأكثر ترويعاً وذعراً، والمعلومات الواردة فيه مستقاة من شهود عيان وقعوا على وثائق تؤكد استعدادهم للإدلاء بشهادات حول الأمر أمام المحاكم. وتكشف المعلومات كيف أن قصي كان يعطي الأوامر بقتل العشرات من السجناء أثناء زيارته المفاجئة للسجون. فتقول إحدى الروايات مثلاً: إن قصي كان يلقي من فوهة الزنزانات الفردية الضيقة بقارورة من غاز الخردل بعد سؤاله الحرس عن من في داخلها. كما كان يقوم باستخدام آلات فرم المواد البلاستيكية الكبيرة لفرم الموقوفين.

وتقول إحدى هذه الروايات ما يلي: (كان هناك (في السجون) آلة كبيرة مخصصة لفرم البلاستيك، وكان يتم حمل السجين ورميه في داخلها أمام أعين بقية السجناء. أحياناً كان يوضع السجين من رأسه أولاً ويموت على الفور، وفي أحيان أخرى كان يوضع من ساقيه كي يصرخ ويتألم أثناء عملية الفرم التي يشاهدها قصي وهو يبتسم. لقد شاهدت 30 سجيناً يموتون بهذه الطريقة وكان يتم جمع أشلاء أجسادهم في أكياس بلاستيكية وأخبرنا أنها كانت تستخدم لإطعام السمك، وقد شاهدت بنفسي في إحدى المرات قصي يشرف بذاته على العملية). في رواية أخرى يقول شاهد عيان: (إنه رأى قصي صدام حسين وهو يشرف على عملية تعذيب أحد السجناء حيث كان يصرخ بأعلى صوته، وأمر أحد الحراس أثناء التعذيب ببتر قدمه اليمنى بمنشار كهربائي).

منظمة العفو الدولية تقول: (إن الخطوة التالية ستكون جمع المعلومات المتوفرة لدى منظمات حقوق الإنسان المختلفة في ملفات قانونية) وهي شبه جاهزة، إذ تنتظر استكمالها بتجديد بعض الشهادات الموجودة أصلاً في ضوء الكشف عن المقابر الجماعية أخيراً.