رجوع

   

    الصفحة الرئيسية 

 

تفجيرات نيويورك وواشنطن والموقف الإسلامي

 


 

في أول حادثة من نوعها من حيث القوة والتأثير، استيقضت مدينتا نيويورك وواشنطن فجر الثلاثاء الموافق 11 أيلول (سبتمبر) على هول صدمة سلسلة حوادث تفجير أربع طائرات مدنية مخطوفة محملة بالمسافرين بمبانٍ ومنشآت أمريكية حساسة نفذها أشخاص مجهولون لم تعرف هويتهم وانتماءاتهم على وجه الدقة لغاية الآن. وقد راح ضحية حوادث التفجير هذه آلاف القتلى والجرحى، وكذلك ما يقرب من خمسة آلاف آخرين غيرهم لازالوا في عداد المفقودين، فيما بلغت الأضرار المادية الجسيمة الناجمة عنها ما قيمته عشرات المليارات من الدولارات، مما أدى إلى أربكاك العالم بأسره، لاسيما في الميادين الأمنية والسياسية والعسكرية والاقتصادية والمعنوية.

هذا واتهم الإعلام الغربي والأمريكي المسلمين والعرب بالوقوف وراء ما أسماه بالإرهاب ومسؤولية ما حصل، وتوعد بالرد والانتقام مما أدى إلى ذهول العالم بأسره لحوادث التفجيرات الرهيبة، ولم يصدق الناس ما شاهدوه مباشرة على شاشات التلفزة وكيف ترتطم طائرات مدنية مخطوفة محملة بالمسافرين بمبانِ عملاقة تمثل منشآت ومؤسسات أمريكية هامة ومأهولة بالبشر، لتخلف جراء ارتطامها هذا انفجاراً مرعباً ومميتاً قضى على حياة آلاف الضحايا، وخسائر مادية بمليارات الدولارات... وإلى اليوم ورغم انقضاء حوالي الأسبوع لم يستفق العالم كله من هول الصدمة التي صعقته على حين فجأة، لتترك كابوس الآثار الوخيمة يُطبق على الكثير من جوانب أنشطة الحياة الإنسانية، فيما خيبة الأمل في الرؤى والتطلعات نحو المستقبل وآفاقه المأمولة، راحت تتبدد في ظل زحمة ردود الأفعال الغامضة التي باتت تترتب على هذا الحدث الخطير واضعة مصير العالم من جديد على شفا حرب عالمية ثالثة، لم يُعرف مدى امتداداتها على رقعة الأرض، وحجم دمارها وويلاتها!!

من الذي يقف وراء أحداث الثلاثاء الأسود؟ ولماذا أحدث ذلك؟ وكيف ينظر الإسلام لما حصل؟ وأين يقف المسلمون بكل انتماءاتهم وتمثيلاتهم المرجعية - العلمائية والحركية ومؤسساتهم الرسمية والشعبية، للذي جرى وسيجري لاحقاً بسببه؟

بادئاً قبل ذي بدء أن الإسلام دين حياة وإنسانية ورسالة تدعو إلى الخير والمحبة والسلام، ودعوته لم تقم أساساً على منطق الإكراه واستخدام القوة وسطوة الإرهاب، ولم يكن أبداً المبادرة لأي هجوم أو السباق لنهج سياسيات الحرب والقتل والاختطاف، في سبيل نشر أفكاره ومبادئه، حيث الآية القرآنية الكريمة (وادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة، وجادلهم بالتي هي أحسن...) و... (لا إكراه في الدين...). حتى حينما يضطر المسلمون إلى القتال والحرب الدفاعية، فانهم يعتبرون ذلك أمراً ثقيلاً ومكرهاً عليه، وهذا توضحه الآية القرآنية: (كُتب عليكم القتال وهو كرهٌ لكم...) [سورة البقرة: الآية 126].

ذلك أن الحرب وصور القتل أياً كان شكلها هي في ذاتها قبيحة في منظور الإسلام، لما فيها من قتل للأرواح الآمنة والبريئة وبما تخلفه من تخريب ودمار ومآس للبشرية. ومن هنا تأتي دعوة الإسلام إلى السلام، باعتبار أن السلم هو الأصل والحرب هي حالة استثنائية يمليها الاضطرار (يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة...) [سورة البقرة: الآية 208].

إن قول كلمة الحق في دفع التهمة الظالمة والباطلة التي راح الإعلام الصهيوني والأجنبي المعادي للإسلام يلصقها بالإسلام والعرب لاسيما فيما يتعلق بمسؤولية الجهة التي تقف وراء عمليات التفجير الدامية التي استهدفت مؤخراً برجي المركز التجاري العالمي في نيويورك ومبنى البنتاغون الأمريكي في واشنطن، حيث وجدت الصهيونية العالمية فيما حصل فرصة مناسبة يمكن استغلالها بأقصى ما يمكن في التشهير بالإسلام وقيمه السامية، وتشويه سمعة المسلمين في منظور الرأي العام العالمي، من خلال وصفهم بالإرهاب والوحشية وتحميلهم مسؤولية كل ما حصل سابقاً ويحصل الآن في مناطق مختلفة من ساحة العالم، وذلك بغية التغطية على الحقيقة والحقائق التي تعرت بها الصهيونية العالمية وحكومة الكيان الصهيوني الذي قام وبنيَّ أساسه فوق الأرض الإسلامية فلسطين وفق منطق الإرهاب والجريمة والعدوان، وهو ومنذ أكثر من 50 عاماً وإلى اليوم لازال يواصل مسلسل الاحتلال والاستيطان ويكرس واقع القمع والقتل بين أبناء الشعب المسلم الفلسطيني المنتفض من أجل الكرامة والسيادة.

والحملة الظالمة والشعواء المشفوعة بالكراهية والعداء التي بات يتعرض لها المسلمون والعرب في كل مكان، وبالخصوص الجاليات المقيمة في دول الغرب عامة، والولايات المتحدة الأمريكية خاصة، إنما تستمد دوافع التحريض وسبل التغذية والتضخيم من لدن أبواق الدعاية الصهيونية، ومتنفذي اللوبي اليهودي في أمريكا ومراكز القرار في أوروبا وسائر الغرب، فمن خلال استقراء سريع لكل ما يقال وينشر في وسائل الإعلام الغربي المسموعة والمرئية، يلمس المرء نغمة العزف الصهيوني المسموم بالحقد والعداء للإسلام والمسلمين، وإلا فما القصد من وراء كل هذه الاتهامات الموجهة للإسلام وللقوى الإسلامية هنا وهناك، وتحميل مسؤولية كل عملية إرهابية تحصل في العالم، وكأن المسلمين دعاة حروب وقتل وسفك دماء، ولا يوجد غيرهم ممن يتسلح بالإرهاب ويحترف العنف سبيلاً لغايات الغزو والهيمنة اللامشروعة.

إن العالم المتمدن مطالب بكل قواه الواعية والخيرة ومنظماته وسائر تشكيلاته، مطالب اليوم بالدفاع عن الشعوب المضطهدة والمظلومة التي ترزح تحت نير الاستعباد والقهر، ودفع الظلم والإرهاب النازل عليها لاسيما الظلم والإرهاب الصهيوني بحق الشعب الفلسطيني وشعوب إسلامية أخرى، وهنا أيضاً فإن قوى الغرب الرسمية والمجتمع الدولي مطالبة هي الأخرى بضرورة حماية الإنسانية من كل أشكال الشرور العدواني ودوامة الإرهاب الذي تمارسه قوى الهيمنة والعدوان في العالم لاسيما إسرائيل، وأيضاً دفع أمريكا إلى مراجعة سياستها الخاطئة، والتي قد تكون مآسي حادثتي نيويورك وواشنطن ثمناً دفعته الإدارة الأمريكية لذلك، فيما هي وحلفاءها يوزعون الاتهامات الظالمة ضد الإسلام والعرب.