![]() |
|
المطلوب من السلفية مراجعة مواقفها |
|
شددت بعض القوى السلفية من حملتها العدائية المتعددة الجوانب والاتجاهات ضد أتباع ومؤسسات مذهب أئمة أهل البيت (عليهم السلام)، أي المسلمين الشيعة، وقد تركزت مؤخراً هذه الحملة بسلسلة الهجمات الإعلامية وموجة التهديدات التي راح يطلقها بعض السلفيين ضد مجلة المنبر التي تصدر في لبنان وتوزع في دول مختلفة منها الكويت. ليس من المعقول في عالم يحفل اليوم بإشعاعات الفكر الإنساني وحضارات الشعوب وما وصلت إليه الأمم من أشواط متقدمة في مسار الحرية والتحرر والتفاعل مع مفاهيم الفكر والعصر والديمقراطية، وحيث انبثاق دعوات التحديث والتنوير وحركات النهضة والإصلاح الديني التي أخذت على عاتقها تصحيح مخلفات الماضي بكل ما أورثه من رؤى وتصورات خاطئة أو مقلوبة نتيجة التحريف والتلاعب بحقائق التاريخ ووقائعه، بعيداً عن أجواء الانغلاق والتعصب الأعمى والتشدد اللامشروع واللامبرر بأدلة صحيحه وموثقه وتحظى بإجماع مقبول. وإنه لمن الخطأ الفادح أن تعمد بعض القوى والجهات من السلفيين والمتشددين المنغلقين في رؤاهم وتصوراتهم، إلى إغلاق باب النقاش والحوار الموضوعي والعلمي القائم على البينة والحجج الدامغة في فهم جوانب العقيدة ومضامين الرسالة ومدلولات وقائعها التاريخية، ومن دون الاستماع إلى ما يطرحه الرأي الآخر الإسلامي من حقائق وقضايا تتعلق بشؤون الدين والأمة، وما نقصده هنا ما يطرحه المنبر الإسلامي الخاص باتباع مذهب أئمة أهل البيت الأطهار (عليهم السلام) من آل الرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) أي المذهب الشيعي الذي هو أهم ركائز الأمة الإسلامية على الصعيد الفكري والعقائدي والفقهي والسياسي، وكونه من الامتدادات التاريخية للرسالة وبما يمثلانه من مؤسسات ومراكز بناء وتوجيه عقائدي ووسائل تبليغ وإعلام مقروءة ومسموعة ومرئية. الحرية حاجة دائمة ومتجددة لكل إنسان، تهدف إلى تخليصه من الضغوط والقيود والقواهر الخارجية التي تحول دون أمانيه، وفوق ذلك عتقه من قيود الظلم والاستبداد. والحقيقة أن الوجدان يؤكد حرية الإنسان، وهذا هو أسلوب الفلاسفة الإسلاميين في إثبات أصالة الحرية لدى الكائن الإنساني، مستندين في ذلك على نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وأحاديث أئمة أهل البيت الأطهار (عليهم السلام). والنظرة الأولى في القرآن الكريم تورث يقيناً جازماً بأن الإسلام يبني الاعتقاد الصحيح على النظر في الكون، وانه يجعل اليقين ثمرة التفكير الحق، وحرية التفكير والتعبير عن الرأي تبدأ من علاقة المسلم بدينه، فإن قوام الإسلام ولب رسالته كتاب مفتوح ميسر للذكر، مطلوب من الأمة بمختلف مذاهبها وطوائفها وانتماءاتها وولاءاتها أن تتدبره وأن تستفيد منه شرائعها جميعاً، ومنذ نزل القرآن الكريم وشق الرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) به طريق الحياة وبناء كيان هذه الأمة العظيمة القائمة لغاية اليوم الراهن، شرع العقل الإسلامي يشتغل بجهد رائع، ويعمل في حرية مطلقة، ويختلف العلماء باختلاف أساليب البحث ووسائل النظر دون أي حرج. وربما اختلف الأولون في كلامهم عن العقائد نفسها، فقدم بعضهم العقل على النقل، وقدم آخرون النقل على العقل، وعند التأمل نرى إن الفريقين يقدران قيمة العقل الإنساني، ويعرفان له مكانته وقيمته. الإسلام يؤمن بحرية الفكر في أوسع نطاق، حتى يعود من رحلاته المعنوية بحصيلة كريمة كما إنه لا يقر اضطهاد الفكر، إذ لم يقدم القرآن الكريم نظرية علمية ضيقة ومحدودة للناس يلزمهم بها ويؤاخذهم إذا تجاوزها، لقد أوصاهم بالنظر والتأمل وتركهم أحرار الفكر فيما يفهمون ويقرون. ولقد احترم الإسلام الحرية لكل فرد من الناس، مادامت محكومة بحسن النية وشرف الوجهة ومنح كل امرئ حق الإبانة عن رأيه كما تكوّن في نفسه، وبرز تفكيره الحر المرن. ولعل من أروع ما يتعلق بحرية الرأي في الإسلام، إن أمير المؤمنين علياً (عليه السلام) قدم مصلحة الإسلام على مصلحة نفسه، أي مصلحته الشخصية، وتمسك بحريته في الرأي والاجتهاد، عندما فوت على نفسه الخلافة بعد عمر بن الخطاب. إن الإيمان الصحيح هو حصيلة يقظة عقلية واقتناع قلبي، ورؤية سليمة لمنطق الحق، وقد عرض الإسلام نفسه على الناس في دائرة هذا المعنى (وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر)... (فذكر إنما أنت مذكر ليس عليهم بمسيطر) والقرآن الكريم تناول المعارضين له والكافرين به بأساليب شتى، ليس بينها قط إرغام أحد على قبول الإسلام وهو عنه صاد، كل ما ينشده الإسلام أن يُعامَل الإنسان في حدود الإنصاف والقسط، وإلا تدخل عوامل الاستبداد والضغوط والإرهاب في صرف امرئ نشرح صدره به، حيث الآية القرآنية الكريمة: (وجادلهم بالتي هي أحسن)...، ولم يكن على الإسلام بأس، فهو أقر حرية العقيدة، وخطة رسول الله (صلى الله عليه وآله) كانت هي إبلاغ مبادئ الرسالة إلى المجتمع دون أي فرض قسري. قبل الختام ومرة أخرى نقول للآخرين من أصحاب الرأي المخالف، لابد وأن يدركوا حقائق الإسلام ويقرؤا التاريخ الإسلامي بكل تفحص وتمعن وقناعة، وأن لا يسدوا عليها سبل الدراية ومنافذ الحوار وصولاً إلى ما يحفظ للإسلام أصالته وللأمة مبتغاها، وان يفهموا بأن العالم اليوم هو في ساحات حرية الفكر وحرية التعبير عن الرأي، وتقبل الرأي الآخر، أو الاستماع إليه في أقل تقدير، كما عليهم أن يحترموا الحرية في البلدان التي تمنحهم إياها، ويتلمسوا أجواء الانفتاح والديمقراطية، بعيداً عن منطق التعصب والإساءة وأساليب الحقد والعدوان. |