رجوع

   

    الصفحة الرئيسية 

 

إحياء مناسبات أهل البيت (عليهم السلام) تأكيد للولاية والولاء

 


 

مع اقتراب منتصف شهر رجب المرجب، يستعد العالم الإسلامي، وخاصة شيعة آل بيت الرسول الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله) وجميع الموالين والمحبين لهم، لإقامة الاحتفالات والمهرجانات الكبيرة، وذلك لحلول ذكرى ميلاد أمير المؤمنين الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)، والتي تصادف يوم الثالث عشر من شهر رجب من كل عام.

ولأجل ذلك ستشهد دولاً إسلامية عدة إقامة الشعائر والمراسيم الدينية الخاصة بهذه المناسبة المباركة، وعلى الصعيدين الرسمي والشعبي، لاسيما إيران ولبنان والعراق وسوريا ودول خليجية والباكستان وغيرها.

تفتخر الأمم والشعوب بمختلف معتقداتها ودياناتها بتعظيم وتخليد، بل وحتى تقديس عظماءها ورجالها ممن احتلوا صدارة حياتها وأفنوا أعمارهم في إقامة وصيانة مجدها وحضاراتها، وهذا هو حال الواقع الحاصل على امتداد مسيرة التاريخ الإنساني، بما في ذلك شطره الإسلامي، إذ لابد من حكمة أو فائدة مرجوة أو مبتغاة من وراء هذا التخليد والتعظيم، يكون من الأكيد أن تجني منها أي أمة أو شعبٍ ما ثمرات معنوية وإيمانية تسهم في رفدها بشحنات جديدة من رغبة التواصل والإصرار في الانتماء الفكري والعقائدي والمذهبي الذي تؤمن به وتستند إليه.

وفي القرآن المجيد أشارة إلى أهمية هذا الأمر وضرورة إحياء شعائر الدين التي هي من شعائره عز وجل: (ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب).

والشعائر الدينية في عقيدة الإنسان المسلم المؤمن بالله ورسوله وأئمته، إنما تمثل مختلف المراسيم والطقوس التي تتصل بمناسبات ميلاد ووفيات آل بيت الرسول (صلى الله عليه وآله) وكل مآثرهم وبطولاتهم الخالدة التي يحفل بها سجلهم الإيماني والجهادي وما بذلوه من عطاء وتضحيات دفاعاً عن عقيدة الإسلام ومبادئ الحق والعدل والحرية.

ولا عجب في أن يغالي الشيعة ويتفانون في إظهار مدى حبهم وإخلاصهم للنبي محمد (صلى الله عليه وآله) وعترته الطاهرة من أهل بيته علي المرتضى وفاطمة الزهراء وذريتهم. ذلك إنهم في هذا إنما يترجمون ارتباطهم الصميمي بالولاية والولاء لأهل البيت (عليهم السلام) قولاً وعملاً قلباً وانتماءً، باعتبار الامتداد الأصيل للرسالة بنهجها وخطها القيادي المحمدي - العلوي النزيه عن كل شائبةٍ وشبهةٍ وانحراف.

وحين يفتخر المسلم الشيعي أو المحب للعترة المحمدية العلوية التي خصها الله تعالى برسالته، من كون تميزه ولربما انفراده في امتلاك امتياز الولاء لأهل البيت (عليهم السلام)، وهذا التفاني هو تجسيد للذوبان في العقيدة وأصل الإمامة وبكل معنى الاعتراف والإقرار المطلق في ولاية أهل البيت والتمسك والثبات عليها، دون أدنى وهن أو تردد، أو تراجع، يحصل تحت أي عنوان أو غاية مبررة، كما وقع فيه بعض من الشيعة ممن راح يستحضر اليوم بعض المكياجات المذهبية والصياغات الجديدة لنصوص روايات الوقائع التاريخية، لاسيما التي نال منها أئمة أهل البيت الظلم والإجحاف ومصادرة الأحقية والحقوق، والكثير من المصائب والأذى، وتلك حقائق لا يمكن أياً كان إنكارها أو تجاهلها. على أن الذين يذهبون إلى ما يسمونه بـ حالة التنوير الفكري تحت لافتة الإصلاح المذهبي، ومن أجل التقريب بين المذاهب، لغاية تحقيق وحدة الأمة المسلمة، فإن القول هنا إن الثوابت والحقائق شيء، والسعي الحقيقي من أجل ردم هوة الخلاف والاختلاف شيء، إذ إن الوحدة لا تتأتى من أبواب المساومات أو التنازلات، وإنما من توحيد المعرفة والثقافة التي تستند إلى مبادئ العقيدة وثوابتها في التوحيد والرسالة والنبوة والإمامة والإقرار بمنطق الحق والتاريخ وأحقية أئمة أهل البيت وما جرى عليهم من المظلومية.

إن الشخصية الشيعية مرتكزة على حقيقة معرفة الله عز وجل، ومعرفة النبي الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله)، ومعرفة الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) قطب الإمامة الأول ومحورها الأساسي الذي تدور حوله كوكبة السلسلة الطاهرة من ذريته الأئمة المعصومين (سلام الله عليهم جميعاً).

وبفهم حقيقة ودور الإمامة المركزي في حمل أمانة الرسالة المحمدية المقدسة وصيانتها من كل شائبة أو تحريف أو تآمر مشبوه، إنما يعني توافر البناء التكاملي لشخصية الإنسان الرسالي ليكون خليفة الله تعالى في أرضه. وإلا فالإمامة ليست هي ترفاً فكرياً أو بدعة مذهبية مبتكرة من قبل أو حديثاً، إذ لا يولد عند الإنسان عقداً طائفية، إذا ما توافرت في شخصيته معرفة أسس التوحيد والرسالة والإمامة.

وحين تكون الثقافة مرتكزة على مجمل تلك المفاهيم، فإنها ودون أي شك لا تتعرض إلى جدل وتشكيك في المحافل المذهبية والأروقة التربوية الإسلامية، وإنما تؤدي دورها في بناء الإنسان الرسالي والمجتمع الإيماني المتكامل في قناعاته ورؤاه على طول التاريخ الإسلامي، ولذلك فمن الطبيعي أن تغدو هذه المفاهيم الثلاث حقائق ثابتة لا نقاش عليها أو تفكر لها في الفكر الشيعي والسني بغض النظر عن موارد الجزئيات والخلاف والاختلاف الذي يميز كل مذهب عن المذهب الآخر، كما يلاحظ ذلك بدراسة العقائد الخاصة لدى كل مذهب عقيدي.

روي عن الإمام الصادق (عليه السلام) في حديث له: لا يسع الناس إلا معرفتنا، ولا يعذر الناس بجهالتنا، من عرفنا كان مؤمناً، ومن أنكرنا كان كافراً، ومن لم يعرفنا ولم ينكرنا كان ضالاً حتى يرجع إلى الهدى الذي افترض الله عليه من طاعتنا الواجبة...) [الكافي الأصول: ج 1 ص 187 ح11].

ثم إن معرفتهم هي باب معرفة الله عز وجل، بمعنى أن أي إنسان مسلم أراد أن يأتي الله تبارك وتعالى، فعليه أن يأتيه من طريق معرفة أئمة أهل بيت النبي (صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين) كما ورد ذلك في الزيارة الجامعة.

خلاصة القول إن تواصل عزم الشيعة وحرصهم على إحياء شعائر الله متمثلة بتخليد مناسبات ومآثر أهل البيت (عليهم السلام)، إنما يعبر عن تأكيد الارتباط والولاء لآل محمد، والإيمان الكامل بالولاية والإقرار بها والتشهد بها في كل وقت وفريضة ومناسبة، وهذا هو الموقف الثابت والدائم المطلوب من كل شيعة أهل البيت والموالين والمحبين.