![]() |
|
الساحة الكويتية وقضية إغلاق الحسينيات |
|
والميزة البارزة التي نلحظها في الساحة الكويتية اليوم هي استيعابها لجميع التناقضات الفكرية والتنوعات المذهبية والقومية مع محافظتها في عين الوقت وحرصها الشديد على سلامة الوحدة الوطنية والصف العربي والإسلامي. ولقد يستغرب المرء لدى سماعه للوهلة الأولى عن الجدل المحتدم حول موضوع الحسينيات وما لحقه من مواجهات كلامية بين الطوائف الدينية، بعد دعوة عضو مجلس الأمة مبارك الدويلة إلى إغلاق الحسينيات غير المرخصة أسوة بالجمعيات الخيرية المحسوبة على المذهب السني، وكانت هذه الدعوة بمثابة نزع فتيل للمشكلة التي بدت وكأنها مبيتة في نوايا بعض الجماعات الحاقدة على التشيع والشيعة في الكويت، وهو ما تنبه إليه الأمين العام لتجمع علماء الشيعة العلامة السيد محمد باقر الموسوي المهري، وأوضحه في بيان صدر عن مكتبه باسم التجمع، دعا فيه المواطنين من أتباع مذهب آل البيت (عليهم السلام) إلى التزام الهدوء والسكينة وعدم إثارة موضوع الحسينيات أو المطالبة بدائرة أوقاف جعفرية بالشكل الذي قد يتيح الفرصة للمتربصين بالطائفة الشيعية والحاقدين عليها لإثارة الفتنة مع الحكومة، الأمر الذي يشكل شقاً للصف الوطني ويجر إلى ما لا تحمد عقباه ويحقق لأعداء الأمة الإسلامية والشعب الكويتي أهدافهم، وطمأن الشيعة بأن الحكومة لا تريد إغلاق الحسينيات خاصة وهي تعلم بأن جميعها مرخصة من وزارة الداخلية، أما تصريح الشيخ صباح الأحمد فجاء لإسكات الجماعات الأخرى. وهذا ما أكده أيضاً الشيخ عبد العزيز الحبيب الذي طالب باستقلالية رجال الدين وحرية التعبير لهم بغض النظر عن جنسياتهم ولكنه قال: (أنا مع تنظيم الأوقاف الجعفرية لأنها تعتبر دور عبادة وهي من المؤسسات المدنية ولا بد أن يكون لها تنظيم وفق القانون). وأفاد عضو مجلس الأمة النائب صالح عاشور أن فرض قانون الأحوال الشخصية أو قانون الأوقاف ظلم يقع على الطائفة الشيعية أو غيرها وصرّح أن هناك حقوقاً للشيعة كمواطنين منصوص عليها في الدستور لم يأخذوها وهذا ظلم بائت وضد نسيج الأسرة الواحدة، واتهم عاشور الكتل البرلمانية الحالية في مجلس الأمة بأنها كتل ذات مفهوم غير واضح والتصويت فيها متناقض وأفرادها مختلفون في قضايا عدة وأنها (الكتل البرلمانية) غير متضامنة. وعن النظام الإسلامي قال صالح عاشور (أنه نظام متكامل غير منقوص ولو طبق بصورة كاملة ومتكاملة.. أنا أعتقد أنه ستتحقق العدالة الاجتماعية، ولكن لا يجوز أن تأخذ من الإسلام قانون قطع يد السارق مثلاً ولا تكفل له العيش الكريم فالإسلام نظام تكافلي ولا يفرق بين المذاهب والعرقيات). يتضح من خلال متابعتنا للحدث من منذ بدايته أنه يستبطن عدة معان يمكن إيجازها في مايلي: أولاً: إن الساحة الكويتية تمثل منبراً حراً لتلاقح الآراء وتلاقي الطروحات ويتسع أحياناً كثيرة لمقارعة الحجج ومخاض القرارات، وعليه فإننا نتمنى من الكويتيين أن يحافظوا على هذه النعمة التي قلما يتمتع بها شعب من الشعوب العربية في عصرنا والتي هي دليل عافية تعيشها الساحة الفكرية الكويتية. ثانياً: إن الحسينيات، كانت وما تزال مدارس عامة، تضطلع بأدوار تربوية وتثقيفية واجتماعية عظيمة فضلاً عن أدوارها السياسية ومواقفها الداعية لتدعيم الوحدة الوطنية وإشاعة الأمن والاستقرار في البلاد ومواجهة الفتن الداخلية والخارجية وخير مثال لذلك ما قامت به أيام الغزو العراقي للكويت ولا يغيب عن الذهن أنها جميعاً مرخصة من قبل الدولة، لذا يتوجب المحافظة عليها وتوسيع أدوارها المختلفة لضمان تنشئة اجتماعية صالحة للأجيال وتوجيههم نحو الأخلاق الفاضلة والمواطنة الصحيحة والرقي والتقدم العلمي والحضاري الذي يؤمل من الكويت أن يخطو في طريقه خطوات واسعة للمساهمة في بناء حضارة إنسانية خالدة ومن هنا فإن الدعوة إلى إغلاق الحسينيات لا تصب في مصلحة البلاد في الإطلاق. ثالثاً: إن الطائفة الشيعية في الكويت وغيرها لها الحق في حماية طقوسها وإقامة شعائرها مثلها مثل باقي الطوائف ولها أن تفتح المساجد والحسينيات التي تؤدي فيها هذه الشعائر والطقوس العبادية. خاصة وأنها طائفة كبيرة تتميز بالعمق التاريخي والعقائدي والمكانة المرموقة والدور البارز في الدفاع عن حياض الوطن ومقدسات الأمة. فليس لأحد أن يمنع من ذلك. والذي نرجوه هنا أن تفهم هذه الحقيقة ويُتعامل معها بوعي أكثر وصدر أوسع وترك هذا النوع من الإثارات التي لا تتلائم ورحابة الساحة الكويتية وروحية عصر الانفتاح الذي نعيشه اليوم. |