![]() |
|
رحيل المرجع الإمام الشيرازي... صدمة بالغة للإسلام والمرجعية |
|
هذا وقد شكل حدث رحيل المرجع الشيرازي صدمة بالغة للعالم الإسلامي والوسط الشيعي منه على وجه الخصوص، لما تركة من أثر هام في المسيرة التاريخية للقيادة المرجعية الدينية للأمة الإسلامية والطائفة الشيعية بالذات، حيث كان الفقيد (رحمه الله) يمثل آخر عمالقة الجيل الأول من مراجع الدين العظام خلال القرن الأخير. كان انتشار الدعوة الإسلامية وقيام كيان دولة الإسلام الكبرى، الذي شيد وتعزز على مدى أكثر من أربعة عشر قرناً من عمر التاريخ الإسلامي، كان عملاً عظيماً وإنجازاً جباراً في عالم العقيدة الإيمانية التوحيدية وساحة الفكر الإنساني القويم، وقد تحقق ذلك بتسديد وتوفيق إلهي، حيث الآية القرآنية الشريفة (ونريد أن نمنّ على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين) كما إن الانتصار الإيماني الإسلامي هذا إنما هو ثمرة العمل المخلص والجهد المبارك الذي اضطلع به وحمل أعباءه الجسيمة أولئك الرجال العظام ممن اختصهم تعالى لحمل رسالاته من الأنبياء والأئمة الصالحين، فيما اقترنت رسالة الإسلام الخالدة بالنبي والرسول الأكرم محمد (صلى الله عليه وآله) والنخبة الطاهرة من صلبه وأهل بيته الأئمة المعصومين الأطهار ومن وقف معهم قلباً وقولاً وعملاً في ساحة العمل الرسالي وميادين الجهاد والمواجهة المصيرية من الصحابة الأخيار والجند المخلصين جزاهم الله أحسن الجزاء وأكرمهم جزيل مثوبته وعطاءه. التاريخ الإسلامي، ومرحلة صدر الإسلام على وجه التحديد إنما كانت المرحلة الأساس التي بنيت على أرضها ووقائعها وأحداثها لبنة البناء الإسلامي على الأصعدة العقائدية والسياسية والاقتصادية، والتاريخ دون بفخر كل تلك الجهود والتضحيات العظيمة التي بذلها أولئك العظماء من آل البيت المحمدي الشريف، وممن آزرهم في ساحة الدعوة وميدان الجهاد ضد قوى الكفر والشرك والعدوان، حيث الحديث النبوي المشهور: (ما قام الإسلام إلا بسيف علي ومال خديجة)، وواقعة بدر والخندق وخيبر ما هي إلا شواهد حية محفورة في أعماق الذاكرة الإنسانية ومسيرة التاريخ الإسلامي، حيث المواجهات الفاصلة والمصيرية التي ثبتت ركائز الدولة الإسلامية المباركة، ومنها فيما بعد توسعت رقعتها الجغرافية وتوطدت أركانها الاجتماعية السياسية، لتترسخ مع توالي قرون الزمن المتعاقبة ولغاية اليوم صورتها وحضارتها العظيمة العريقة. ولقد شاءت إرادة الله تعالى أن تستمر رسالته في البشرية وتعمر في الأرض، حين جعل حبل الوراثة للقيادة المحمدية - العلوية ممتداً في أوساط أمته أمة الإسلام، لتستمر معه حاكمية شريعته على البشر أي بمعنى سيادة الدين، وهو في ذات المعنى استمرار سيادة الرسول الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله) وولايته من ناحية الحكم، ومن ثم تنسحب المعادلة إلى الإمام المعصوم، ومن بعد الأئمة المعصومين تأتي مرحلة المرجعية الدينية التي تجسدت تاريخياً في الوكلاء الأربعة للإمام الحجة المهدي المنتظر (عجل الله تعالى فرجه) ومن بعدهم قيادة علماء الدين من المراجع العظام الفقهاء الجامعي للشرائط باعتبارهم سلسلة النيابة عن الإمام الغائب. ولأكثر من اثنا عشر قرناً من التاريخ الإسلامي يمتد الدور القيادي للمرجعية الدينية الرشيدة في الأمة المسلمة، وعبره تجسدت مسؤولية مراجع وعلماء الدين في تطبيق قيم الدين على حياة الناس والمسلمين بالخصوص، حيث الجانب الروحي الملازم للجانب السياسي باعتبار أن السياسة هي جزء لا يتجزأ من الدين، وأن لا فصل بينهما، وهذا ما تجسد بالقول والعمل في المرجعية الدينية الشيعية، حين أولى مراجع الدين العظام ولاسيما في المرحلة التاريخية المعاصرة الاهتمام الكبير لهذا المبدأ (مبدأ عدم فصل الدين عن السياسة) وتعزيز نظرية الحكم الإسلامي المتمثل بقيادة الدولة الإسلامية، فيما كان المرجع الإمام الشيرازي الراحل ومن قبله النخبة الكريمة من أعلام أسرة الشيرازي المعروفة بأصالة انتماءها للإسلام ومفاخرها من العلماء الفقهاء الأفاضل وقادة الجهاد والثورات الشهيرة، كما هو الحال لرمزها الكبير المرجع الفقيه السيد محمد حسن الشيرازي قائد ثورة التنباك في إيران ضد الاستعمار البريطاني قبل أكثر من مئة عام، وكذا المرجع الكبير الفقيه الشيخ محمد تقي الشيرازي قائد ثورة العشرين الإسلامية الكبرى في العراق ضد الاحتلال العسكري البريطاني منتصف عام 1920 م، وأيضاً المرجع الفقيه السيد مهدي الحسيني الشيرازي (والد الفقيد)، ومن ثم المرجع الراحل ذاته السيد محمد الحسيني الشيرازي وأخيه العلامة المفكر الكبير الشهيد السيد حسن الشيرازي أعلى الله تعالى مقامهم جميعاً، وآخرين ممن واكبوا اليوم درب المسيرة والقيادة المرجعية الرشيدة من الأسرة الشيرازية العلمائية المجاهدة أمثال العلامة المحقق آية الله العظمى السيد صادق الحسيني الشيرازي (دام ظله الوارف). لقد تميزت مرجعية الراحل العظيم الإمام السيد محمد الشيرازي (قدس سره) بعمق وسعة وأفق حضاري أتاح له التعاطي مع الحياة، في مختلف جوانبها بمنظار ديني أصيل، أخفى طابع التحديث المشروع والإصلاح الضروري المطلوب في الأمة وتوجهاتها وسلوكياتها وتعاملها مع سائر متطلبات المجتمع الإنساني ومتغيرات العصر الراهن، والتعامل مع مجمل العوامل السياسية والاجتماعية التي باتت تحكم الواقع الحياتي الراهن للأمة، فيما انطلق المرجع الفقيد من عقيدة راسخة بحتمية زوال الظروف الطارئة التي تحول مؤقتاً دون إقامة الدين في الحياة، وكذا محاربة ومقاومة كل مظاهر التراجع والتحلل والتجزئة، هذا إذا ما عرفنا بأن الخط المرجعي الشيرازي هو الملازم على طول الخط التاريخي للانتماء الرسالي الأصيل والنهج الحسيني الذي لا يعرف الخضوع والمهادنة والمساومة على حساب الدين والعقيدة والأمة. وحقاً كان لفقد هذا النجم اللامع في سماء الإسلام وساحة الأمة الإسلامية، أثراً بالغاً وخسارة كبرى، حيث القول العظيم: (إذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها شيء) وعزاء المسلمين الأكبر في هذه الخسارة هو إنها فقدته في وقت عصيب ما أشد من حاجتها إليه ولأمثاله، إذ عواصف التآمر والعدوان والتطرف والانغلاق والتفرقة والظلم والاستبداد وقمع الرأي الآخر والانفراد اللامشروع، تعصف بالأمة وتضع مستقبلها ومصيرها باتجاه محفوف بالمآسي والمخاطر، ويبقى الأمل في نصر الإسلام وعلو لوائه ورايته، معقوداً على وحدة الأمة وصدق مواقفها في الالتفاف حول قيادتها المرجعية والولاء لها بالسير على خطى فتاواها وتوجيهاتها، فإن في ذلك وحده نيل رضا الله ورسوله وأولياؤه الصالحين. |