رجوع

   

    الصفحة الرئيسية 

 

أيها الإمام المظلوم.. لقد ارتحت من هم الدنيا وغمّها

 


قال تعالى: (من المؤمنين رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا) صدق الله العظيم.

لقد رحل عنا الإمام التقي والعبد الصالح آية الله العظمى السيد محمد الحسيني الشيرازي «قدس سره» صاحب نظرية اللاعنف والتي لو عمل بعض المسلمين بموجبها لتجنبوا الويلات ولو عمل بموجبها أمراء الحرب الأفغان لحموا بلادهم وأنفسهم من ويلات الحروب، غاب عنا هذا القمر المنير في وقت كان المسلمون فيه في أمس الحاجة إلى وجوده وتوجيهاته السديدة، هذا العالم الذي قضى حياته في الدعوة والعمل والجهاد ونصرة المظلوم وإعانة المحتاج وإعالة الأيتام وكتابة المؤلفات وجهاد النفس، كيف يمكن للمرء ان يتمالك نفسه ويمنع دموعه من ان تنهمر إذا فقد علما من أعلام الهدى كالسيد الشيرازي سليل أهل البيت؟! ولكن هذه حكمه الخالق جلّ وعلا وهذه حال الدنيا (إنا لله وإنا إليه راجعون).

الإمام الراحل عاش مظلوما ولم يتوقف عنه الظلم لحظة واحدة فلقد عاش سنواته وشهوره وأيامه مظلوما تنتقل مظلوميته معه من بلد إلى آخر ولم يكن هذا الظلم قد وقع عليه من أعداء الإسلام بل وقع عليه الظلم من بعض المسلمين وأشباه المسلمين الذي آذوه كثيرا وافتروا عليه وقالوا فيه مالا يرضى عنه الله ولا رسوله، وبالرغم من كل ذلك لم يبادرهم بالإساءة ولم يتلفظ عليهم بسوء أبدا بل كل يأمر مقلديه ومحبيه بعدم رد الإساءة، وعندما كان يصر عليه الناس بالرد على المشككين والمرجفين كان يقول رحمة الله عليه أحب ان أكون مظلوما كجدي الحسين عليه السلام.. ولكي نتعرف على هذا المرجع العظيم لابد ان نتعرف على أسرته الكريمة وبيته الأصيل العريق، فإذا كان لكل بيت أصيل وعريق وخاصة إذا كان بيت علم وفضيلة وتقى بداية لسلسلة متصلة الحلقات وغالبا ما تكون البدايات لمثل هذه البيوت عظيمة وكبيرة وكلما كانت البداية من العظمة والكبر كان البيت المنتسب لها قادرا على البقاء والتواصل وبداية البيت الشيرازي كانت بحق بداية عظيمة إنها تتمثل في شخصية تاريخية فذة ملأت الدنيا بهيبتها وجلالها وعظمتها، إنها شخصية الحجة العظمى والآية الكبرى والمرجع الأكبر للشيعة في كل بقاع العالم، في زمانه هو المرجع الميرزا محمد حسن الشيرازي الذي جدد رونق الدين وعظم شعائره وأعلى مكانته في قلوب الناس حتى عرف بالمجدد الشيرازي الذي انحنى لهيبته ملوك وأمراء وانقادوا لأوامره وانصاعوا لتعليماته وفتاواه فكان المرجع الديني المهاب والمطاع ولقد تدفقت الأموال عليه من أقصى الصين وما وراء النهر فما دون ذلك، فكان ينفقها في وجوهها الشرعية الصحيحة ومات ولم يخلف لأولاده عقارا ولا ثروة، وكان المجدد المرجع الأوحد الأقوى للشيعة وكان الناس وخاصة في العراق وإيران يمتثلون لأوامره دون تردد أو تباطؤ فعندما أصدر فتواه الشهيرة بحرمة تدخين التبغ والتنباك لأسباب تتعلق بصيانة إيران الإسلامية أمام الهجمة الاستعمارية البريطانية التي أرادت فرض هيمنتها ونفوذها على بلاد الإسلام من وراء حصولها على امتياز احتكار بزرع التبغ والتنباك في أراضي إيران الخصبة ومن ثم تسويقها بواسطتها هي لا غير، امتثل الجميع وبلا استثناء لهذه الفتوى الخطيرة بل حتى زوجة السلطان ناصر الدين شاه إيران في ذلك الوقت قد امتثلت لهذه الفتوى حيث بادرت إلى كسر وتحطيم النارجيلة التي كانت تستعملها في تدخين التبغ العجمي.

وبيت منتسب إلى هذا المرجع الكبير انه الرأس الذي بموته لم يمت جسده بل بقى حيا نابضا بالحياة مستلهما به وبمآثره التي لن تموت أبدا لأنه بذر في بيته دعامات أخرى تزعموا الدين والملة بحيث لم يخل جيل من مرجع كبير ينتسب لهذا البيت الشريف.

ومن هذا البيت آية الله العظمى محمد تقي الشيرازي الذي فجر ثورة العراق الكبرى «ثورة العشرين» ووقف بشعبه العراقي الأعزل لم يتجاوز خمسة ملايين نسمة في وجه اعتى جمهورية في ذلك الوقت وأنقذ العراق من أنيابها الفتاكة فنال العراق استقلاله، وذهبت أحلام البريطانيين أدراج الرياح ومن هذا البيت أيضاً والد الراحل سيد محمد وهو الميرزا المهدي الحسيني الشيرازي الذي كان من مشاهير الفقهاء المجتهدين ومراجع التقليد وزوجته ابنة المجدد الكبير «عم والده» حيث رجع الناس إليه في أمر التقليد واشتهر اسمه وذاع صيته وعرفت مكانته العلمية وسمو مرتبته في التقي والزهد وبرز كواحد من المراجع الكبار ويرجع إليه الفضل في مكافحة الشيوعية ومنع امتدادها في العراق آنذاك، وأما عن فقيدنا الإمام الراحل آية الله العظمى السيد محمد الشيرازي فلقد كان عالما ورعا ومجتهدا محققا وكاتبا إسلاميا مبدعا ومؤلفا مكثرا ومرجعا دينيا مدبرا وعارفا حكيما وفقيها فحلا وأصوليا متعمقا ذا مواهب وقدرات علمية كبيرة خلف والده في المرجعيه والرئاسة الدينية وإمامة الجماعة في حرم الإمام الحسين عليه السلام.. فلقد اظهر جدارة وأهلية وهو في موقع الرئاسة الدينية وبرز كواحد من مراجع التقليد وهو لا يزال في عمر الشباب«30 سنة» فانغماسه بشؤون الدين وانكبابه على القضايا التي تخص مرجعية والده جعلاه مخضرما ومهيأ لتولي المهمة الصعبة بعد وفاة والده وأصبح على رأس الحوزة العلمية في كربلاء ومرجع تقليد فيها وصدرت رسالته العلمية سنة 1382هـ وكان جمع من علماء كربلاء وأساتذة الحوزة العلمية فيها أصدروا بيانا أكدوا فيه ان سماحته مجتهد جامع لشرائط التقليد وتقليده صحيح ومجرى ووقع على هذا البيان الشيخ جعفر الرشتي الحائري والشيخ محمد الكلباسي والشيخ محمد البحري والشيخ محمد خليفة الشيرازي والسيد محمود الموسوى والشيخ محمود دانشي والى جانب انشغاله بالتدريس والتصدي لشؤون الفتيا والتأليف وإمامة الجماعة، اهتم كذلك بالجوانب السياسية التي لها علاقة بالدين وشعائره وعلمائه وله رؤى سياسية إزاء مختلف القضايا الراهنة وبسبب مواقفه السياسية النابعة من التزامه الديني القوي اصبح في تعارض شديد مع نظام الشاه في إيران وأصبح على طرف نقيض مع الحكومة البعثية في العراق أيضاً حيث كان يندد ويعارض جهرا الحكومات الجائرة المتعاقبة على العراق والتي انتهت بالحكومة البعثية الجائرة الطاغية ونتيجة لذلك أصدر البعث قرارا بإعدام السيد الشيرازي الأمر الذي دعا الكثير من أتباعه ومحبيه ومقلديه إلى الطلب منه الهجرة إلى الكويت حيث أقام فيها قرابة 9 سنوات انشأ فيها حوزة علمية ومكتبة الرسول الأعظم والكثير الكثير من المؤسسات الخيرية ورعاية الأيتام وإصلاح ذات البين بين الناس إلى أن غادر الكويت إلى إيران في سنة 1399هـ حيث باشر وظائفه الشرعية من تدريس وتحقيق وتأليف واستقبال للعلماء والطلاب والناس الذين يسألونه في أمور دينهم ودنياهم، ولسماحته رؤيا حول طبيعة حكم الإسلام وهل هو ديموقراطي أو ديكتاتوري يقول سماحته: جاءني جماعة من المثقفين من أهل العلم يطلبون مني ان أبين لهم كيفية الحكم في الإسلام وهل هو ديموقراطي أو ديكتاتوري، فقلت لهم لا ديمقراطي ولا ديكتاتوري قالوا ليس من المعقول ذلك لان الحكم ان كان فرديا كان ديكتاتوريا وان كان حكم الشعب كان ديموقراطيا، قلت عندي معقول ذلك فان الديموقراطية والديكتاتورية كلتاهما معناها حكم الإنسان والإسلام لا يعترف بحكم الإنسان وإنما يقول ان الحكم لله سبحانه فالحاكم في الإسلام هو الله تعالى وعلى ذلك فهناك ثلاثة أشكال من الحكم:

1- ان يرجع إلى إسلامه ودينه وقرأنه ونظامه حيث العزة والسعادة والكرامة والتقدم.

2- أو ان ينسلخ عن دينه كاملا ويلحق بركب الشرق حيث الاستعمار والإلحاد.

3- أو ان يلحق بركب الغرب حيث الاستعمار والانحراف والفساد.

أما عن رؤاه الاقتصادية فيرى انه لا يمكن النهوض بالأمة الإسلامية في بعد واحد من أبعاد حياتها لان أبعاد الحياة متشابكة لا يمكن تفكيك بعضها عن بعض سياسيا وثقافيا واجتماعيا واقتصاديا ولذلك فان الدكتور شاخت الأخصائي الاقتصادي الألماني (والكلام للسيد الشيرازي)، نجح في التخطيط للنهوض بألمانيا المنهارة بعد الحرب العالمية اقتصاديا ولكنه فشل في التخطيط لاندونيسيا حيث لم يكن تخطيطه نابعا من نفسيات الأمة الاندونيسية المسلمة وخلفياتها الثقافية والاجتماعية، صدقت أيها الإمام المظلوم فيما ذهبت إليه ولكن لم يعرف الكثيرون عن حقيقتك العظيمة وعلمك الوافر، لقد ظُلمت أيها العالم الجليل في العراق وفي الكويت وفي إيران أيضاً، فعندما بدأ نجمه يتلألأ في سماء كربلاء وهو في سن الشباب حيث كان يؤم المسلمين بالصلاة في حرم الإمام الحسين «ع» وبدأ يدين الممارسات البعثية التعسفية بدا البعثيون ملاحقته من مكان إلى مكان فخاف عليه محبوه واخذوا ينصحونه بمغادرة العراق فلم يقبل إلى ان جاءه جمع كبير من الطائفة الشيعية في الكويت فالحوا عليه بالهجرة إلى الكويت فوافق وعندما وطئت قدماه ارض الكويت الطيبة بدأ بالدعوة والإرشاد وبدأ بالدعوة لارتياد المساجد ودور العلم والحسينيات ولعلني أنا شخصيا أتذكر آنذاك إننا كنا قبل مجيء السيد الشيرازي لا نعرف ماهية المسجد ولا نعرف أهمية صلاة الجماعة في المسجد، حقيقة لقد غيرنا سماحته 180 درجة من شباب غافل إلى شباب ملتزم مؤمن يحرص على صلاة الجماعة ويحرص على التقيد بأصول الدين وفروعه بل لم يكتف سماحته بالشباب فعمل مكانا خاصا للنساء في المسجد وبدأ النسوة يتوافدن إلى المسجد، ويرجع إليه الفضل في انه أول من عمل مكانا مخصصا للنساء في المساجد وبعد ان حقق السيد الشيرازي «قدس سره» النجاح العظيم في الكويت بدأ البعض بمحاربته حسدا وحقدا من عند أنفسهم، وهذا البعض كان من ضمن الوفود التي توافدت على سماحته في كربلاء تلح عليه بالمجيء إلى الكويت وسبحان مغير الأحوال! بالأمس كانوا معه واليوم انقلبوا عليه وبدأوا يطلقون الفتن والإشاعات والأكاذيب والافتراءات على سماحته وبالرغم من كل ما تعرض له لم يرد ولو بكلمة واحدة لأنه كان دائما واثقا من علمه ومكانته في قلوب الناس وكان دائما يدعو لهم بالصلاح، وبعد ان انتصرت الثورة الإسلامية في إيران قرر الهجرة إلى إيران ولم تفلح نداءات محبيه ودموعهم عن ثنيه عن قراره وكان السيد الخميني الراحل العظيم قد استقبل سماحته وزاره في بيته وبعد وفاة الخميني قائد الثورة بدأت الحكومة الإيرانية تضيق الخناق عليه ووضعته تحت الإقامة الجبرية لأنه انتقد بعض تصرفات الحكومة التي تخالف مبادىء الإسلام ، طبعا لم تستطع الحكومة الإيرانية أن تجبره على تغيير رأيه بالضغط والترهيب ولم ترفع عنه الإقامة الجبرية إلا بعد فوز الرئيس خاتمي بالرئاسة وألغى الإقامة الجبرية والمضايقات عنه وعن بعض العلماء الأجلاء وليس ذلك بمستغرب على الرئيس خاتمي فهو أمل الملايين وأمل الشعوب المحبة للسلام.

وللإمام الشيرازي دلو في الغزو العراقي فلقد أصدر فتاواه الشهيرة آنذاك بإدانة الغزو العراقي على دولة الكويت وبتحريم بقاء الجنود العراقيين فيها وبتحريم شراء المسروقات الكويتية وأيضاً بعدم جواز صلاة الجنود العراقيين على أرض الكويت باعتبارها أرضاً مغصوبة ولقد كان لهذه الفتاوى صدىً عظيماً في نفوس المظلومين وفي زعزعة الحالة المعنوية للجنود العراقيين، ولكن أخي القارىء هل تعرفت على مؤلفاته التي تجاوزت 1160 مؤلفا لا يتسع المجال لذكرها وهو أول من كتب عن الجينات الوراثية من العلماء المسلمين، وعلى العموم فقد عالج في كتبه مختلف المواضيع وشتى العلوم والفنون العقلية والنقلية والتي لها علاقة مباشرة وغير مباشرة بالدين وأصوله وفروعه وتعاليمه وشعائره إلى جانب جهده الثقافي والعلمي وله اهتمام كبير ببناء المساجد والحسينيات والمدارس الإسلامية ودور النشر والبنوك الإسلامية الخيرية وأشباهها وقد شيد منها أكثر من مائة وخمسين في إيران والكويت وسوريا وباكستان والهند ولبنان وكندا وبريطانيا.

أبعد كل هذا الجهد والعمل يظلم هذا الفقيه، أبعد كل هذه التضحيات يظلم، عجبا للإنسان فانه يتفنن بالظلم والغريب ان الظلم لا يقع من الحاكم أو القوي فقط بل حتى الضعيف العاجز يمكن ان يظلم وذلك بتصديقه الكذب والبهتان دونما تحقيق أو تمحيص أو تدقيق، رحمك الله أيها العالم المجاهد رحمك الله أيها السيد العامل، ورحمك الله أيها الإمام الشيرازي ولعل ما يخفف من لوعتنا وجود شقيقك آية الله العظمى والمرجع العظيم السيد صادق الشيرازي ليخلفك في الإمامة والقيادة.

جريدة الوطن الكويتية - الخميس 27/12/2001 مقالات

عادل عباس الخضاري