![]() |
|
أفكار حول الوقف الجعفري أثر تدمير طالبان تمثالي بوذا الأثريّيْن |
|
لا شك ان الآراء تختلف حول أي قضية عامة، وربما تختلف أكثر اذا كانت القضية لها جوانب متعددة سواء سياسية أو اجتماعية أو فقهية أو غيرها. وقضية الوقف الجعفري من تلك القضايا التي لم يحسم الاتفاق عليها من جوانبها المختلفة ولذلك من الصعب اصدار أحكام مسبقة عليها قبل التعرف على تفاصيل القضية والاطلاع على جميع الجوانب فيها. ولذلك سوف نتطرق بإيجاز لماهية الوقف، والوقف في الكويت ثم الى الأوقاف الجعفرية. الوقف هو حبس مال وتسييل منافعه لأجل مصلحة عامة (وقف خيري) أو منفعة عائلية (وقف ذري) ويعد من الوقف المبرات والوصايا والأثلاث والصدقات الجارية، ولذلك يعتبر الوقف من الأعمال الحسبية التي تشترك مع الأعمال التعبدية في أنها مطلوبة أو تعتبر أداء لواجب أو مندوب ولكن هنا في الوقف يشترط المبادرة الشخصية المدفوعة من الإحساس الديني العاري عن المنفعة الشخصية أو الدنيوية. لذلك نرى في وثائق الوقف كلمات مثل لوجه الله تعالى أو قربة الى الله تعالى أو حسبة رجاء ثواب الله عز وجل. ويستشهد العلماء بمشروعية الوقف بقوله تعالى: «لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون,,,» فالوقف ليس عطاء عاديا بل فيه الشدة على النفس بتخليها عما تحبه «يأيها الذين آمنوا أنفقوا مما تحبون»، وفي الحديث الشريف: «اذا مات ابن آدم انقطع عمله الا من ثلاث، صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له». والصدقة الجارية هي الوقف بعينه لأن منفعتها مستمرة, والوقف ليس واجبا دينيا بل هو عمل فردي احتسابي يشق في فعله على نفسه من أجل التسامي ورجاء الأجر فضلا عن انه ينم عن وعي بالحاجات الإنسانية والاجتماعية. الوقف في الدولة الحديثة: بعد سقوط الدولة العثمانية وظهور الدولة الحديثة حدثت تغيرات جذرية في فهم الدولة للاسلام وأخذت الدولة على عاتقها مفهوم الحسبة وأصبحت للدولة الحديثة سياسات جديدة ازاء الوقف. وبدأت الدولة بالسيطرة ووضع يدها على الأوقاف وبدأت في أوقاف الجهات التي أرادت ضربها أو استيعابها مثلما فعل العثمانيون بأوقاف الطريقة البكياشية ثم اتجهت الدولة للأوقاف الذرية أو الأهلية مما أدى الى ازالتها والغائها عبر اجراءات كثيرة مثل ما حصل في كل من مصر وسورية وتونس وليبيا. كما جرى تدخل الدولة في الأوقاف الخيرية وادارة أكثرها بشكل مباشر بحجة سوء الادارة من جانب الأوصياء أو النظار باسم اشراف الدولة الجديدة على المرافق والجهات المختلفة بما في ذلك الأوقاف. أول قانون للوقف صدر في عام 1946 في مصر ثم بقية الدول العربية مثل سورية في عام 1949 والأردن في عام 1947 وفي قطر في عام 1996 وفي الامارات في عام 1999 وآخر مرسوم صدر من عمان في عام 2000. الوقف في الكويت: صدر أول قانون للوقف في الكويت عام 1951 من خلال أمر سامٍ للشيخ عبدالله السالم أمير دولة الكويت في ذلك الوقت قبل الاستقلال بعشر سنوات وقانون الوقف في الكويت يختلف عن بقية الدول العربية والاسلامية الذي خضع نظام الوقف فيها الى محاولات الهدم والتصفية في بعض البلدان منها والغاء الوقف الذري نهائيا في بعضها بل الغاء الوقف كاملا كأصل ديني وخيري, بل تعتبر محاولة الأمانة العامة للأوقاف في الكويت من المحاولات المحدودة في تجديد الوقف واصلاح أدائه الاجتماعي والاقتصادي وتعتبر بحق من أفضل التجارب الوقفية في الدول العربية والاسلامية. الوقف الجعفري: لم يتم ذكر الأوقاف الجعفرية وكيفية ادارة شؤونها في كل من الأمر السامي في عام 1951 والمرسوم الأميري في عام 1993. مما أدى الى وجود خلل كبير يمس الأوقاف الجعفرية التي تمس نسبة كبيرة من أبناء هذا الوطن أتباع هذا المذهب، وبما انهم يؤدون واجباتهم الدستورية والقانونية بأمانة وإخلاص فلهم حقوق تجاه الدولة بمراعاة خصوصياتهم المذهبية كما راعت الدولة ذلك من جوانب أخرى, وهذه إحدى مسؤوليات الحكومة الدستورية وكما هو الحاصل في معظم دول العالم فالدولة الحديثة هي الدولة التي تراعي عدم التجانس الموجود في مواطنيها كما هو الحاصل في معظم دول العالم، من ديانات مختلفة أو مذاهب مختلفة أو عرقيات مختلفة وكلهم يشملهم اطار عام ينظم حقوقهم وواجباتهم، وذلك الاطار هو الدستور والقانون. وبدأت مشكلة الأوقاف الجعفرية بانضوائها تحت عباءة الأمانة العامة للأوقاف لخلو بعض وثائق الوقف من ذكر الناظر عليه بوضوح واشتراك الأمانة بالنظارة المشتركة في أوقاف أخرى وفي حالة حصول خلاف على ادارة الوقف بين النظارة والورثة مثلا تدخل الأوقاف كناظرة مشتركة بحكم من المحكمة فالأصل الصحيح هو ان تكون ادارة الوقف تحت اشراف الناظر بعيدا عن التعقيدات الحكومية. بالتالي ففكرة انشاء امانة عامة للأوقاف الجعفرية أو ادارة لها فكرة قديمة تبناها الكثير وخصوصا أصحاب الوقف لمعايشتهم المعاناة مع جهاز اداري في وزارة الأوقاف غير متخصص بالفقه الجعفري، وبالتالي هناك اشكالية في تطبيق فحوى وصية الواقف خصوصا في جوانب الخصوصية الشيعية بالنسبة لمسائل الحسينيات والسادة من نسل الرسول الأعظم (صلى الله عليه وآله) والانفاق على الحوزات العلمية والأعمال الخيرية عموما, ولذلك هذا ليس مشروع وزير الأوقاف,,, أو مشروع الحكومة بل هو مطلب ومشروع اسلامي شرعي الغاية منه ادارة الأوقاف الجعفرية حسب الشروط التي وضعها الواقف وتحت نظارة ادارة معتبرة ومعروفة في حال خلو هذه الأوقاف من الناظر عليها. وحيث تصدت مجموعة من المواطنين الشيعة لوضع تصور للأوقاف الجعفرية مراعين الجوانب الفقهية والقانونية والاجتماعية قاصدين القربة الى الله تعالى في هذا العمل الشرعي مبتدئين اجتماعاتهم من بقعة مشرفة وهي المسجد (جامع الإمام الصادق). وأقول اننا في هذه الاجتماعات لا نمثل الشيعة أو نتحدث باسمهم ولا نعارض أي مجموعة أخرى من العمل على وضع تصور ومشروع للأوقاف الجعفرية لاصلاح الوضع الراهن، بل ندعو كل مخلص ومحب ان يمدهم بتصوراته واقتراحاته حول الموضوع وخصوصا من أصحاب العلم والفضل والمعرفة لعلو قدرهم ومكانتهم. وسوف نراعي الجوانب الشرعية والفقهية بكل كلمة فيها من خلال معرفة رأي الفقهاء والمراجع حيث الوقف متعلق ومرتبط بالفقه والشرع. ودعوة صادقة ومخلصة لكل المخلصين والمتابعين لتبادل الآراء والاقتراحات حول هذا الموضوع والحكم عليه بعد الانتهاء من إعداده نهائيا بصيغته الشرعية والقانونية. ودعوة صادقة في هذه الظروف الخاصة بأبناء المذهب الأعزاء الى جلسة حوار أخرى صريحة بقصد تقريب وجهات النظر من أجل المصلحة العامة بعيدا عن التشكيك وسوء الظن والمصلحة الخاصة التي لا تتوافق مع ما ندعو الله تعالى اليه.
صالح احمد عاشور نائب كويتي جريدة الرأي العام الكويتية اليوم 5/1/2002م، صفحة المقالات. |