![]() |
|
محادثات بين نظام صدام وإيران لإعادة اللاجئين العراقيين |
|
وأعرب الإبراهيمي في حديث لصحيفة الرأي العام الكويتية عن أمله في أن يقرر النازحون والمهاجرون العراقيون العودة إلى بلدهم لأن في ذلك ضماناً لهم ولمستقبل أبناءهم بدلاً من الحياة الصعبة التي يعيشونها في المخيمات، لاسيما وأن الحكومة العراقية سوف لن تتعرض لهم أو تحاسبهم جراء خروجهم من وطنهم بصورة غير مشروعة حسب ادعاء المسؤول الإيراني. لا يختلف اثنان من أن الشعب العراقي جزء لا يتجزأ من الأمة العربية والإسلامية تاريخاً وحضارةً ومصيراً حاضراً ومستقبلاً، كما لا يختلف اثنان في أهمية الشعب العراقي ومواقفه المبدئية والتاريخية المشهورة إلى جانب الشعوب العربية وشعوب دول المحيط الإسلامي ومنها الجارة على وجه الخصوص كإيران وتركيا، ومشاركته إياها قولاً وعملاً في محنها وصراعها ضد كل أشكال الاستعمار والعدوان الخارجي، وأنظمة الحكم المحلية التي شهرت سيوف البغي والطغيان والاستبداد. وما قدمه الشعب العراقي من مواقف وتضحيات في سبيل قضية الشعب الفلسطيني واللبناني والإيراني، ودفاعاً عن العروبة والإسلام، ما هي إلا مصاديق حية وخالدة تعكس مدى الشعور الأخوي والإنساني والمسؤولية الشرعية والأخلاقية التي يعتقدها أبناء العراق إزاء القضايا المصيرية التي تخص أشقاءهم من أبناء شعوب المنطقة والمنظومة الإسلامية بوجه عام. وعلى ضوء ذلك يفترض أن يكون مقياس تعامل الآخرين من دول الأسرة العربية - الإسلامية وبمختلف تمثيلاتها الرسمية وغير الرسمية وقواها الحركية والشعبية، وهذا ما يقره الشرع والخلق الإسلامي وما تمليه القيم والمبادئ الإنسانية، هذا إذا ما عرفنا أنه في الوقت الذي تحث فيه شعوب العالم الخطى نحو المزيد من المطالبة وإقرار الحريات والديمقراطية وتعميق مرتكزات احترام حقوق الإنسان وصيانة تطبيق مبادئ الإعلان العالمي الذي نص عليها، وألزم الدول كافة بضرورة التقيّد والعمل بها، بغية رفع الظلم والمعاناة النازلة بحق الكثير من شعوب الأرض المقهورة بسطوة الطغيان والاستبداد وممارسات القمع الوحشية، التي فاقت صورها حدود المعقول وبما لا يرتضيه الضمير الإنساني. في هذا الوقت نرى يحدث العكس من ذلك تماماً، إذ ينحدر الشعب العراقي إلى هاوية سحيقة من القمع والإرهاب وإراقة الدماء وإلغاء أبسط مظاهر الحريات الشخصية والحقوق الإسلامية للإنسان، بفعل إجراءات وقرارات رسمية للنظام الحاكم الذي لا يقيم وزناً للشرعية الدولية ومواثيق الحقوق الإنسانية، ويرفض تطبيق أي قرار دولي بشأنها ومنها القرار الإنساني رقم 688 الصادر عن الأمم المتحدة في 5/4/ 1997، ودول وشعوب العالم جميعها، ودول منطقة الخليج والدائرة العربية بالذات تدرك هذه الحقيقة التي لا يمكن لأحد أن يغمض عينه عنها ويتجاهل انعكاساتها المأساوية البالغة التي تعصف بمجمل أبناء شعب العراق المظلوم بسنته وشيعته عربه وأكراده وتركمانه وسائر طوائفه وأقلياته الأخرى وأيضاً قواه السياسية دون استثناء، ومسلسل الجريمة والتهجير والإبعاد والقتل والإبادة الجماعية المستمر منذ أكثر من ثلاثة عقود متتالية من الزمن (1968 - 2001)، إنما هو شاهد حي ودليل قائم تتلمسه الحكومات والشعوب. جريمة التهجير الغادرة بمراحلها المرسومة واحدة من سلسلة الجرائم التي اقترفها نظام بغداد على ضوء القرار المشؤوم رقم 666 الصادر عما يسمى بـ (مجلس قيادة العراقي بتاريخ: 7/5/1980، وشهدت أوائل السبعينات الحلقة الأولى من ضحاياه من المواطنين العراقيين الآمنين، حين بدأ بتنفيذ المخطط العدواني المرسوم ليطال في آن واحد فصيلين حامين من أبناء الوطن، فالوجه الأول للمخطط استهدف شيعة العراق، وكان ضحاياه منهم علماء الدين وطلبة الحوزات العلمية والمثقفين والتجار على وجه الخصوص، بناءً على أغراض سياسية وطائفية مقيتة، ورميهم وراء الحدود العراقية إلى إيران بدعوى كونهم من التبعية الأجنبية (الإيرانية) خلافاً لكل القوانين الدولية والأعراف الإنسانية. أما الوجه الثاني فقد عنى تهجير الأكراد من مدنهم وقراهم الأصلية في الشمال العراقي، وترحيلهم قسراً إلى مناطق غرب وجنوب العراق ذات الطابع السكاني العربي المطلق. فيما اضطر المعارضون السياسيون والمقاتلون (البيشمركة) منهم اللجوء إلى أراضي دول الجوار إيران وتركيا وسوريا بالذات. عقد الثمانينات كان هو الآخر قد حمل معه كوارث ومحن جديدة لامست صورها وآثارها المأساوية الشعب العراقي برمته، حيث حرب السنوات الثمان الدامية التي شنها نظام صدام ضد الثورة والجمهورية الإسلامية الإيرانية الفتية وما ترتب عليها من موجات تهجير قسري طالت مئات الآلاف من أبناء العراق في إطار الحلقة الثانية من مسلسل تهجيرهم إلى إيران، وكذا آلاف المهاجرين واللاجئين طوعاً من العرب والأكراد والتركمان (أفراداً وعوائل)، طلباً للنجاة والأمان من بطش وإجرام نظام صدام، وهؤلاء هم ضحايا مجازر الإبادة الجماعية في حلبجة وحملات الأنفال في كردستان، وضحايا منطقة أهوار الجنوب، وكذا العسكريين من الجنود والضباط الهاربين من القوات العراقية. أما عقد التسعينات فالعالم بأسره شهد فصول الكارثة الإنسانية الكبرى التي لحقت بالشعب العراقي جراء جريمة نظام صدام بغزو واحتلال الكويت صيف 1990 وما نجم عليها من آثار حرب التحالف الدولي ضد العراق ربيع 1991، وإجراءات العقاب الدولي ومنها عقوبات الحصار الاقتصادي المزدوج الداخلي والخارجي، حيث موجة النزوح البشري المليونية للعراقيين ولجوءهم إلى دول الجوار ومنها إيران بالتحديد، التي تعي دون أدنى شك مدى حجم المعاناة والمحنة النازلة بحق شعب العراق عموماً وشيعته بالذات خصوصاً، حيث ترتبط مظلوميتهم أساسا بسبب ولاءهم وتعاطفهم الشديدين للثورة الإسلامية التي قادها الإمام الخميني الراحل وتأييدهم ودعمهم التواصل لنظام الحكم الإسلامي لغاية اليوم، وهذا ما تشهد عليه بالواقع تضحيات المجاهدين العراقيين وقوافل مئات الشهداء الذين رابضو جنباً إلى جنب مع أخوتهم جند الإسلام الإيرانيين في جبهات القتال الأمامية طيلة سنوات الحرب المفروضة، وها هي قبورهم في قم وطهران ومشهد والأهواز وكرمنشاه وإيلام معالم شاخصة لكل العيان. ما يراد القصد منه وراء هذا الاستعراض هو توجيه العتب واللوم في آن واحد للأخوة المسؤولين في إيران الرسميين منهم وغير الرسميين، قيادات وعلماء دين، أو سياسيين وبرلمانيين وحقوقيين، بل وحتى رجل الشارع الإيراني، على القصور الواضح من جانب الدولة الإيرانية إزاء التعامل مع ضحايا المأساة الإنسانية العراقية، فيما يتصل بقضية اللاجئين العراقيين (مهجرين ومهاجرين) المقيمين في إيران على حد سواء، وإهمال الكثير من المتطلبات التي تدخل في شؤون حياتهم الأساسية، لاسيما تلك التي تتعلق بوضعهم القانوني (الإقامة - الوثائق الثبوتية - السكن - السفر) وكذلك مسائل العمل وإجازته والزواج وغيرها، ناهيك عن حالات الإهمال والخشونة والتصلب التي يعاملون بها خلال متابعات شؤونهم لدى الدوائر الرسمية، لدرجة باتوا يشعرون معها بالضيق الشديد والعزلة التي يكابرونها في ظل تفاقم محنة تأمين سبل المعيشة لأبناءهم وعوائلهم وهو ما دفعهم إلى التفكير بالخروج من إيران والاضطرار بالتوجه إلى دول الغرب،حيث باتوا يفضلون الذهاب إلى الجحيم أو العودة إلى العراق مع وجود نظام صدام وذات الأسباب التي كانت وراء تركهم أهلهم وذويهم وديارهم ووطنهم، باعتباره أهون الشرين، وهذا عين الخطر الذي راح يتهدد مصيرهم المجهول، وإلا فإن العراقيون قاطبة لم يلجأوا إلى إيران ودول الجوار أو مجاهل التغرب لغرض النزهة والسياحة أو الترف، خاصة وإن الإنسان العراقي معروف بطبعه وشدة التصاقه بأهله وأرض وطنه ومقدساته، ثم لماذا هذا التحريض اللامشروع من جانب المسؤولين الإيرانيين للمهاجرين العراقيين وترغيبهم بالعودة إلى جلادهم وقاتل شعبهم، فيما يعرف العالم كله والإيرانيون أنفسهم غدر صدام وعدم صدق أي وعد أو عهد يقطعه على نفسه، إذ لم يأمن أقرب المقربين إليه من أهله وعشيرته من سيف القتل الذي أخفاه لهم ببريق قرارات العفو التي أقرها صدام بعظمة لسانه لهم وحسين كامل وشقيقه صدام كامل ومن قبلهم الرئيس المخلوع أحمد حسن البكر وابنه محمد وكذلك فاضل البراك ورافع دهام التكريتي وعدنان خير الله طلفاح وكثيرين غيرهم هم أمثلة شاخصة لذلك. وبصراحة يمكن القول لو أن الحكومية الإيرانية كانت قد رعت هذه الشريحة المظلومة من أبناء الشعب العراقي، ونقصد المهجرين والمهاجرين والنازحين رعاية بحدودها الطبيعية وأوت هؤلاء وحافظت عليهم من التشتت والتغرب والتخبط في مآزق العيش التعيس ولوعات المعاناة، وهذا الإهمال المتعمد، لما كانوا يفضلون الخروج من إيران الذي يعتبرونه جزءاً من دولة الإسلام وأرض الله الواسعة. كان الأجدر بالمسؤولين الإيرانيين وهم يعرفون مدى ظلم وبطش صدام أن لا يسمحوا لأحد ممن لجأ إليهم طلباً للامان والكرامة، طالما إنهم يدركون تماماً بأن العقاب أو الموت ينتظر هؤلاء إذا ما عادوا إلى العراق في ظل سلطة صدام، ودون أن يسمحوا لأزلامها من رجال المخابرات والأمن بالدخول إلى مخيمات هؤلاء المهاجرين والتعرف والتجسس عليهم، وبالتالي كشف كل من له صلة أهل وقربى بهم داخل العراق وتصفية الحساب معهم دون رحمة أو إنصاف. هنا لابد من وقفة مسؤولة ومراجعة أكيدة من جانب الإيرانيين لموقفهم الخاطئ هذا بحق الشعب العراقي المسكين المغلوب على أمره ولسوف تثبت الأيام صحة القول هذا ولله من وراء القصد. |