![]() |
|
الهجرة النبويّة الشريفة إعلان خالد على خلود الدعوة المشرفّة |
|
لقد هاجر القائد النبي وفي ذهنه مشروع دولة إسلامية تنتصر للمظلومين وتقيم أوّل منتدى إنساني وإسلامي للحوار بين الأديان والثقافات والقوميات والقيادات الإنسانية ففي فهم القائد العظيم للرسالة أن الدعوّة للإسلام تستبطن الدعوة للحوار وإبلاغ رسالة الدين الحنيف من كل الشؤون والتكاليف والتفاصيل المتعلقة بالإنسان وحياته وتطلعاته الاجتماعية والسياسية والأخلاقية. ولذا كان النبي الكريم أباً حقيقياً للحوار بين الأديان وحكيماً صادقاً في إبداء وجهة نظر الإسلام إزاء مجمل القضايا الإنسانية ذات العلاقة بالدولة الإسلامية الحديثة العهد. لقد حقّق النبي (صلى الله عليه وآله) بهجرته المباركة كل أهداف الإنسانية، فلأول مرة تستطيع النبوة أن تقيم دولة الله في الأرض وتبسط امر العدالة الاجتماعية في كل بشر وتتطلّع لإنقاذ الإنسانية المعذبة التي كانت تعيش خارج إطار الدولة الإسلامية. ومهما قيل عن الهجرة النبوية الشريفة، إلا أنها احتّلت مكانتها في التاريخ، وفي حركة الإنسانية والأديان والثقافات والتيارات الاجتماعية والفكرية، وعدّت في نظر خصومها قبل أصدقائها والمتعاطفين معها بأنها أول رسالة سماوية وهجرة تمكنت من بسط حركيتها بعد النكبات والمشاكل والأزمات المعقدة التي حدثت في تاريخ الأديان والرسل الذين بعثهم الباري عز وجلّ لإنقاذ البشرية من الطغيان إلى أمان الحرية. وهذا الأمر يعود فضله إلى الرسالي الأول والقائد الرسولي سيدنا صاحب أوسع واعرّق وأقدم وأسمى هجرة عرفتها البشرية على امتداد تاريخها وتاريخ علاقتها بالرسالات السماوية. هذه الهجرة المباركة وضعت المجتمع الإسلامي بعد ذلك في موقع متقدم من حركة الشعوب والأديان والأمم المتقدمة، وصار لهذا المجتمع نفوذ سياسي وحضاري واسع واستطاعت الثقافة الإسلامية أن تبسط سيادتها وقدرتها قروناً مديدةً على مساحات واسعةً من الأرض. هنا تثار الإشكالية الفكرية التالية: كيف يمكن لنبي أن يشكلّ الجماعة الإسلامية في ظروف غايةً في التعقيد يقود أضخم مشروع إنساني لتحرير الإنسان حتى يصل به إلى تخوم فرنسا وليبسط العدالة الإسلامية في كل الأرض؟ إنه الاتكال على الله تعالى والإيمان بنصره والثقة بإرادته كما الإيمان بالإرادة البشرية التي كانت تشكل الحلقة الأقوى حول مشروع النبوة في مكة والمدينة. أن النبوة المحمدية دخلت مكة بإرادة الله سبحانه في أبهى مهرجان لسقوط آخر معاقل الجاهلية الأولى لكن هذا الدخول كان مترافقاً مع دخول الإرادة البشرية المؤمنة بالنبوة كقوة فاعلة ومهيمنة ومسيطرة تمتلك مفاتيح الفعل وتستحوذ على القلوب قبل استحواذها على جدران الكعبة. وإذا كانت الهجرة النبوية الشريفة حقّقت أهداف حركة النبوات السابقة وكانت إيذاناً كبيراً على انبثاق أولّ تجربة في تاريخ الإنسانية فأن واقعة الطف الكربلائية الحسينية التي نعيش ذكراها وهي تطّل هذه الأيام المشروع الذي أستكمل أهداف الرسالة المحمدية فقد كشف الزيف وأماط اللثام عن الانحراف والكفر وخداع الأمة والسيطرة على مقدراتها من قبل السفيانية الجاهلية. ولذا نعتقد أن ثورة الإمام الحسين (عليه السلام) لم تكن معركة الإمام مع يزيد والنظام الأموي الفاسد بل كانت معركة المحمدية ضد السفيانية، معركة القرآن ومشروعه الاجتماعي التغييري ضد الجاهلية واصنامها. مع هجرة النبوة إلى المدينة وهجرة الأمة لمحراب الحسين (عليه السلام) في عاشوراء يتجدّد الوعد بانتصار الإسلام ويتبلوّر أفق ملوّن بالدم المقدس الذي يصنع التاريخ بجراحات الداعية وأحكام الدعوة!. |