![]() |
|
عاشوراء.. مصيف مميّز لحوار الحضارات |
|
عبّرت نهضة الإمام الحسين (عليه السلام) من المدينة المنورة إلى كربلاء عن نزوع إنساني نحو الحرية وطموح بشري إزاء ضرورة إن يكون الإنسان سيّد نفسه ولم تفلح الدعاية السفانية التي عملت على اركاع المجتمع الإسلامي في النيل من مكونات هذه النهضة ولم تستطع إخماد جذوة الثورة، بل على العكس من ذلك فقد تحولّت كربلاء إلى محطة أساسيّة من محطّات الحرية وقبلة مهمة يستظل فيها الاحرار ويجدوا بها الموئل والموقع المميز في الدعوة لهذا الدين. ورغم أن الإمام الحسين استشهد بطريقة مأساوية هو وأهل بيته واخوته وأصحابه إلا أن الثورة كشفت تفاصيل وأبعاداً غاية في الدقة والواقعية في النظر لقيمتها المعرفية والإنسانية وفي مقدمة أبعاد الثورة وقيمها البعد الحضاري وعلاقة الإسلام بالأديان والارادات الدينية التي واكبت الثورة وشاركت بها وأسهمت بدمائها لتجسيد نبل الإسلام في معركته ضد السفيانية. وفي الحقيقة أن مشاركة بعض المسيحيين العرب في الحركة الحسينية واستشهادهم مع الإمام الحسين (عليه السلام) يوم كربلاء كان حدثاً نوعياً بحد ذاته لكنه كان مقدراً له أن يكون كي تعطي التجربة الإسلامية - المسيحية ودماء الشهداء الغزيرة التي سالت في يوم العاشر من المحرم الدرس الأبلغ في كيفية تعميق أواصر الأخوة الواحدة والمشترك الديني الكبير الذي لم يؤكد نفسه في كربلاء عبر رسائل التقدير والاحترام للإمامة الحسينية بل بالدفاع عن الإمام الحسين (عليهم السلام) وحمايته والذود عن تجربة المشروع الاجتماعي - السياسي الذي نهض بأعبائه الحسين (عليه السلام).
إن شهادة وهب المسيحي وجون المولى المسيحي الذي كان خادماً في بيت الإمام الحسين (عليه السلام) واستبسالهما بالطريقة التي تمتّ يوم العاشر رسالة حضاريّة تعبديّة إنسانيّة راقية يبعثها هذان المجاهدان الكتابيان لكل الذين يريدون تشويه دعائم الحوار الحضاري الإسلامي المسيحي والإسلامي الإنساني - خصوصاً بعد أحداث الحادي عشر من أيلول في الولايات المتحدة الأمريكية وهو تشويه متعمد هدفه إسقاط غائية الإسلام الحضاري وقدرته على صهر الإثنيات القومية والدينية والاعتراف الحقيقي بأهدافها وتطلعاتها وإسقاط لمدنية الفكر الإسلامي الذي ينظر للناس على قدر كبير من المساواة والعدالة، بعين قرآنية، مدنية لا تفريط فيها ولا إفراط فضلاً عن اقتران هذه المدنية بإظهار توق المشرّع الإسلامي لإنجاز نوع التماثل البشري والديني بينه وبين الأديان والمنظومات الدينية الاخرى. أن (جون) هذا المولى الفدائي العظيم، لم يجسد نظّرة المسيحي المنصهر في دائرة الدولة الإسلامية وقيادتها الحسينية الرشيدة بل انصهار الإنسان المجاهد الذي يشعر بقيمته وكرامته وحريته الإنسانية في بيت الإمامة الحسينية ورغم تخيير الإمام الحسين (عليه السلام) لهذا المولى في أن يختار الليل جملاً ويذهب إلى حياة أكثر أمنا إلا أن هذا الفدائي المجاهد رفض تلك الحياة وعدها حياةً خاليةً من الكرامة الإنسانية إذا لم يكن فيها الحسين (عليه السلام) فالكرامة عند هذا الرجل المسيحي تعني الحسين والإسلام والحرية الإنسانية في ظلال الإمامة.
هنا لابد أن نثير إشكالية حوار الحضارات من خلال مجمل التصورات التي أدلى بها المنظرون الإمريكيون والغربيون على هامش أحداث 11 أيلول ونقول أن الولايات المتحدة الأمريكية ارتكبت خطأً فادحاً حين اعتبرة أحداث 11 أيلول في إطار ما أطلقت عليه بالإرهاب الإسلامي.. فهل هناك حقّا إرهابً إسلامي؟ نحن هنا ندعو المنظرين الغربيين والأمريكيين بالذات إلى الرجوع لخليفة التجربة الإسلامية الأولى في تاريخ الإنسانية ليقرأوا كيف تعامل الإسلام يوم كان سيّد العالم والدولة الأولى في الكون مع الاثنيات الدينية والقومية والسياسيّة. كان يعتبرهم حجر الزاوية في نقاء ونظافة وزهد ورقي التجربة الإسلامية ولم يكن يعتبرهم (فائضاً بشرياً) مثلما كان كسينجر يعتبر لبنان - المسيحي - المسلم بل أن كل المحاولات الإرهابية والعدوان على الإنسان كانت تأتي على الدولة الإسلامية من الرومان في يوم كانت الدولة الرومانية هي التي تقود أوربا - مثلما تفعل الولايات المتحدة الأمريكية اليوم. ليس هناك إرهاب في الإسلام، ولا عدوان لا بالنص القرآني ولا الحديثي الذي يدعو إلى قيام دولة العدل والحرية والإنسان، بل بالنصوص العملية الإسلامية. إن حوار الحضارات لا يجب أن يكون موجهاً من قبل السياسات والمصالح والإمتيازات السياسية والاقتصادية والأمنية، ولا يجب أن يقوده أولئك الذين يقودون حروب الابادة في أفريقيا واسيا وأمريكا اللاتينية، ولا المستشرقون الذين يزورّون التاريخ ويطعنون بالتجارب والأمثلة الدينية والسياسة الحية في الوطن العربي والعالم الإسلامي. إن حوار الحضارات هو مهمة رسولية نبوية، يشرف عليها ويتبناها ويفترض أن يقودها الشرفاء والحريصون والمخلصون لسيادة الحرية والمساواة والعدالة من العلماء والخبراء من مختلف المذاهب والعقائد الدينية في الكون وفي مقدمتها الديانتان الإسلامية والمسيحية. أن العالم المقبل وعلى ضوء الدعوات غير البريئة للحرية والعدالة والمساواة ومعاداة الإرهاب سيكون عالماً يمتلئ بالفوضى والجنون والاحتراب والإرهاب بكل أشكاله ومظاهره السياسية والثقافية والاقتصادية والعسكرية، ولن يكون عالم الاستقرار والحريّة والأمن- عالم الإنسان الا بالشراكة القيادية في زعامة العالم - والشراكة لا يمكن أن تكون زعامة سياسية تقودها مجموعة من الواجهات الحزبية والسياسية المحكومة بضوابط المصالح النفطية اكثر من مصالح حرية الإنسان. إن الشراكة المقبلة لابد أن يكون الدين وعلمائه محورها الأساس والاستراتيجي لكي تتحقق العدالة بأبهى حللها وأسمى معانيها وليكون حوار الحضارات حقيقة يؤمن بها كل المعنيين من الديانتين في تحويلها إلى واقع. ندعو كل الذين يتهمون الإسلام بالإرهاب أن يرجعوا إلى أحد شهداء الواقعة الكربلائية من المسيحيين (جون) ويسألوه عن الإرهاب الإسلامي!! وندعوهم أن يكونوا واقعيين في النظر للمشاكل السياسية الناجمة عن منعكس سياساتهم في منطقتنا الإسلامية والعربية، فما بين رحمة الإسلام وعطفه ومكانة جون المسيحي في بيت الحسين (عليه السلام) وقيمة (المسلم) ما بعد 11 أيلول في الولايات المتحدة، تتجلى حقيقة الفرق بين الحضارة العربية الإسلامية وديمقراطية الإرهاب الدولي الجديد. |