رجوع

   

    الصفحة الرئيسية 

 

شيعة العراق والمستقبل..

 


حسين إبراهيم

يجتاز شيعة العراق واحدة من أصعب مراحل تاريخهم ويقدمون في هوامش هذا التاريخ أزكى الدماء وأكثرها مساحة في الأهمية والأولوية النهضوية من مساحة الكثير من الدماء التي روّت شجرة الإسلام طوال عقود مديدة.

وتبلغ المأساة ذروتها في هذا الكم والنوع الهائل من التضحيات التي قدّمها شيعة العراق دفاعاً عن الوطن والتراب الإنساني وثغور الإسلام، سواء في العراق أو في الدفاع عن تجربة الوعي الإسلامي المعاصر في لبنان وأخيراً في فلسطين، هل يدرك قرّاء وجهات نظر أن شيعة العراق ومجاهديه روّوا أرض القدس وفلسطين بدمهم عبر انخراطهم في السنوات الأخيرة في التنظيمات الجهادية مثل حركة الجهاد الإسلامي، هؤلاء الضحايا الذين قدمتهم التجربة الشيعية طوال هذه العقود إضافة إلى تنوع تجاربهم الإنسانية والسياسية كما تنوع اهتماماتهم وأولوياتهم الإسلامية.. هؤلاء يضافون إلى تراكم الحقيقة الشيعية على مر التاريخ، حقيقة أن شيعة العراق لا يمثلون هوية التشيع ومرتكزات نهضته في كل لحظة وزمان ومكان، بل يمثلون حقيقة قيامته المتوقعة ودوره القادم.. دور التشيع وثوابته ومسلماته الحقيقية التي ستنفض غبار الشبهات عن حقائقه الناصعة، وتزيل التراب عن جوهره الذي كان يفترض أن ينعكس في كل خطواتنا وحركتنا وتجربتنا السياسية.. وهي تجربة ستبقى بحاجة للمزيد من إشعاعات روح التشيع وهبّاته النورانية وثقافته النهضوية، وقدرته على صناعة النموذج الديني الصادق.

في هذه العجالة من أمرنا كان يفترض أن تولى الأهمية الكبيرة في مقامات ومواقع كهذه، لمناقشة تطور الفكر الشيعي في العراق وملاحقته لأجواء الحركة السياسية في المحيط والعالم وكل المفردات التي لها علاقة بمستقبل الشارع العراقي ومصير الدولة والمجتمع والعلاقة بالعرب السنّة خصوصاً وأن العراق محاط بدول عقائدية تنتمي في سياقها السياسي أو التاريخي لمدارس وتيارات حزبية ودينية وقومية وليبرالية وإسلامية مختلفة ما يجعل شيعة العراق على الدوام معرضين للاحتكاك بمجمل هذه السياقات وقد كان لوجود هذه الدول العقائدية دور هام في تطور مفهوم الفكر السياسي الشيعي في العراق سواء منه النظري أو التطبيقي، إن إثارة هذه المفردة والتعليق عليها ومناقشتها وإثرائها بالقراءة والتحليل والاجتهاد بتفاصيلها تعد محاولة لتلمس مواقفنا السياسية كشيعة في المسألة العراقية، وفي مستقبل العراق ومستقبل المنطقة العربية. لأن التشيع ومثلما كان يشكل حالة ديناميكية في كل زمان ومكان في العالم العربي فإنه سيلعب دوراً مميزاً واستثنائياً حقيقياً في العراق ومحيطه والعالم. لو تم استثمار الحالة الشيعية العراقية، واستيعاب إحباطاتها وآمالها وآلامها وتراجعاتها وإنجازاتها. وتتبع مسيرتها الحركية والعلمائية والفكرية والسياسية بالنقد الموضوعي والتشخيص النظيف لأن هذه الحالة رغم كل إحباطاتها وتضحياتها الكبيرة وخساراتها بالرجال والطاقات والعلماء والفقهاء الكبار لم تستطع كل محاولات القتل من القضاء على الدنياميكية الذاتية لها واستيعاب الطاقة الشيعية.

إن الشهداء الأبرار المجاهدين وأبناء المقاومة الذين يقاتلون اليوم في كل شبر من الأهوار الجنوبية وبغداد ومحافظات الجنوب، هم أرصدة أبدية تزيد التشيع نصاعة وهويته تجذراً وتراثه سعة واجتهادا وديمومة وديناميكية، ويفترض هنا أن أدعو لحوار مماثل يناقش أثر الشهادة وقيمتها الجماهيرية والسياسية وقدرتها في تحريك مكامن القوة والديناميكية والحركية الدائبة في المجتمع العراقي، فالمجتمع العراقي ولكثرة ما قدم من شهداء في سبيل حرية واستقلال العراق تحولت الشهادة والموت إلى مفردة معرفية يتعامل معها كخبز يومي وهذا الأمر يفرض علينا كنخبة إسلامية متابعة هذه القيمة وتطوير مفهومها في حياتنا لا أن ننكفأ على جراحاتنا وهمومنا فنطيح بإنجاز الشهداء بالبكاء والندب والحسرات ولا نتلمس القيم المعيارية للشهادة وأثرها في تعزيز روح المقاومة في حياة الشعب العراقي.

الفكر السياسي الشيعي.. استشرافات في أدبياته الحديثة:

شيعة العراق عموماً تعرّفوا على الأفكار السياسية المتعلقة بالدولة والحرية والمعارضة ونوعية الحاكم من خلال منظومة من الأحاديث والسنن والعقائد والأمثلة الشخصية لسيرة الأئمة (عليهم السلام) ومسيرات الفقهاء والعلماء المجاهدين ولم يمارسوا هذه المفردات تطبيقاً عملياً في داخل السلطة والقرار. لقد كان ابتعاد الشيعة عن الحكم بسبب نظرتهم لمسألة الدخول في الحياة السياسية والاختلاط بالآخر واحداً من الأسباب التي عززت لديهم فكرة تكوين (المعلومة) المحددة المتعلقة بالدولة والسلطة والقرار والمشاركة وكان من جرّاء ذلك أن نشأ فكر سياسي خفي لم يعبر عن نفسه بشكل عام وفاعل وديناميكي وواضح إلا في فترات ضئيلة من حركة التاريخ. وحين نقول (ضئيلة) فلأن هامش الحركة التي أعطيت لهذا الفكر لم تجعله يعبّر بحرية عما يتطلع إليه شيعة العراق كوحدة عقائدية وطائفية نهضت بواجب الحركة الاستقلالية الوطنية بدايات القرن الماضي ولأنها فوق ذلك كله، القاعدة السياسية والسكانية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي يتشكل منها البناء الهرمي للخارطة العراقية.

كان لانتصار الثورة الإسلامية في إيران 1979 دور استثنائي في بلورة وتحديد اتجاهات ما يريده شيعة العراق من الدولة والمشاركة والعراق والمصير والحاكم والسلطة والمظالم التاريخية التي كانت تجري على قدم وساق ضد فقهائهم وعامتهم بما لم يسبق له مثيل في تاريخ العراق، وصار الشيعة في العراق يتطلعون إلى التاريخ كثمرة لإنتاج ما يمكن أن نسميه بالتشيع الذي بد أن يكون له دور لا في العراق وحسب بل في امتداد خريطة الوجود الشيعي في العالم.

من هنا نشأ الاحتكاك المباشر بالفكر السياسي، فتحرك الجمود، وتطور التقليدي ونهض مارد الحماسة لاستعادة الدور والشريعة من قمقم الركود والاستكانة والموت. ونحن نعتقد أن انتصار الثورة الإسلامية في إيران بقيادة السيد الخميني (رض) وجهود السيد الشيرازي (رض) كان الحافز الذي شجع الفكر السياسي الشيعي في العراق من إعادة النظر في مسألة الدولة وتأسيس الهامش السياسي الذي يضمن لهم الحقوق ومستلزمات البقاء والاستمرار وخدمة بلدهم خصوصا وأنهم يعتقدون أن التشيع العربي في العراق كان مساهماً أساسياً في تطوير وبناء وبلورة صورة النموذج النوعي لقاعدة الحضارة الإسلامية.

هذا لا يعني أن الفكر السياسي الشيعي لم يكن موجوداً ومتحركاً في الساحة الشيعية العراقية بل إننا نعتقد أن الوفرة الفكرية والمعرفية والسياسية التي قدمتها الحوزة العلمية في النجف وكربلاء وسامراء وجهود الإثراء النوعية التي قام بها الشهيد الصدر على مدى أكثر من خمسين عاماً من حياته هي التي قدمت التشيع للمحيط العربي والإسلامي والدولي وعرّفت بقيم رسالته السياسية، ونضيف على ذلك أن مدرسة الشهيد الصدر ومؤلفاته في الفكر والمعرفة وجملة الأدبيات السياسية التي كتبها والأخرى التي أنجزها في الواقع، هي المدرسة الاستقلالية الأولى التي حرّرت الإرادة العراقية من الهيمنة ومظاهر الخوف والتمسك بملذات الحياة والانبطاح أمام طغيان السلطان وإرهاب الدولة. الشهيد الصدر يجب أن نقرأه ونحن نتحدث عن تجربة شيعة العراق السياسية ووجود فكر سياسي شيعي في العراق باعتباره رجل الاستقلال الثاني، لأنه لم يحرر الإرادة العراقية من نير التقييد والانبطاح والخوف وحسب بل حرر الفكر السياسي الشيعي الذي كان إلى وقت قريب يخشى أن يتسع في قراءاته للحياة السياسية إلى أبعد من مفهوم المواطنة المستلبة المقهورة التي تعيش فكرة الانتظار التاريخية بروحية سلبية إلى القراءة العقائدية التي أطلقها فقيه أهل البيت (عليهم السلام) الإمام الشيرازي (رض) القائم على شرط إقامة الدولة الإسلامية وتحرير الناس من العبودية البشرية وتجسيد قيم إقامة مجتمع العبودية المطلقة لله سبحانه.

كانت النخبة الثقافية والعقائدية الشيعية في العراق تعمل في السياسة لإنتاج مجتمع متدين عارف بقيمة ما يفعله، لكن النخبة كانت تعمل وفق برنامج فكري وسياسي طويل الأمد لصالح فكرة التغيير في مجتمع إسلامي، كالمجتمع العراقي لا يحتاج لهذا التراكم الطويل والممل من العمل المرحلي، لقد بدت هذه السنوات الطويلة من الجهود الفكرية التي كانت صادقة مع نفسها وربها وتاريخها ومشروعها غير مجدية وكأنها تسبح في غير محيطها حين داهمها انتصار الثورة الإسلامية في إيران. فالثورة كانت عملية تراكمية تمت عبر تأجيل خلاف القوى وتأجيج النفوس بالحماسة عبر الإفادة من المنظومات الشيعية في هذا المجال، ولم يكن يحتاج الإمام (رض) ليقوم بالثورة ويطيح بالشاه أكثر من الإفادة من هذه المفردات والقنوات. أما نحن في العراق فلم نستفد من تجربة الثورة الإيرانية بل كنا نعمل بنفس طويل وباع أطول وسنوات أوسع بينما القضية لم تكن مسألة أزمة فكرية يعيشها العراقيون الشيعة مع الإسلام قدر ما كانت مسالة الخطاب وإلهاب الحماسة إزاء تراث أهل البيت (عليهم السلام) كما فعل رجال الثورة الإيرانية ومفكروها، لقد تعامل الفكر السياسي الشيعي الحركي مع الشيعة العراقيين بنفس تشكيكي، ونفس تربوي مكّن إرهاب الدولة من أن يتجاوز على إحدى المرجعيات الاثني عشرية في العراق ويعتدي عليها ويكشف خططها ويلجمها بل ويلجم مشروع الحركة الإسلامية كله، إن المفارقة قد تبدو قوية حين تنتصر الثورة الإسلامية في إيران بقيادة مرجعية في الخارج لم تعتمد في حركتها على حركة سياسية إسلامية معينة بل اعتمدت على الحالة المسجديّة - الشارعية، الفكرية والسياسية الدينامية، بل وتتفجر الأوضاع في فترة وجيزة من عمر إسقاط فرعون باطش مثل الشاه اريامهر، في حين لم تستطع الحالة الإسلامية في العراق بجميع عناصرها ومحفزاتها الحركية من إسقاط إرهاب الدولة في العراق. إن هذه المفارقة قد تتبدى وتتضح في الخطأ الاستراتيجي الذي سقط فيه الفكر السياسي الشيعي الممثل بحركياته السياسية والحزبية حين أطلق اليد لنهج طويل الأمد في الإعداد للثورة وغياب مطلق لسياسة التقاط الشوارد السياسية السانحة والفرص الكبيرة التي توفرت للشيعة في العراق لاستلام السلطة ورفع الحيف والغبن عن كاهل الشعب العراقي بأكمله.

أما أطرف وأكثر اللحظات إحراجاً للتجربة السياسية الحركية الإسلامية الشيعية العراقية قيام الانتفاضة الشعبانية التي انطلقت من صدور الشباب وصرخات الأيامى وإحساس العراقيين بالخطر الشامل الذي يتهدد وحدتهم وسيادتهم ووجودهم وكيانيتهم السياسية والاجتماعية والإنسانية، لقد مثلت الانتفاضة الشعبانية رد الفعل المنطقي الوحيد الذي وضع الفكر السياسي الشيعي في العراق على جادة الواقعية والجدية والمصارحة وقبول حقيقة أن يقوم بإجراء المراجعات الواقعية والنهائية لطروحاته وسياساته لا أن يبقى في دائرة العجز وانتظار المعجزة أو انتظار أن يتحرك الشارع الذي لم يعبأ بكافة السياسات والإجراءات الحركية السابقة وتحرك بنفسه ليحدث الاهتزاز والأهمية المطلوبة التي يشعر الجميع من خلالها بأنه موجود ولا زال الشيعي أقوى من التذويب والتهميش، وعصي على القضاء على إرادته العقائدية ومستعد أن يقوم بأي شيء لصالح عقيدته وإيمانه بحقوقه.

نحن نعتقد هنا أن مرور أكثر من عشرين عاما على المواجهات الأولى التي حدثت بين شيعة العراق وإرهاب السلطة الفاشية ودخول القضية العراقية في انعطافات سياسية عربية ودولية وإقليمية خطيرة واستثنائية أحدثت اهتزازاً واقعيا في ماهية الفكر السياسي الشيعي في العراق، ومروراً سريعاً على أبرز محطاته يعطي انطباعاً جلياً أن هذا الفكر بدأ يستوعب خطر المؤامرة وإرهابها القادم من بوابات القصر الجمهوري وحماة هذا القصر في الداخل والخارج، وبدأ يستفيق على هول الصدمة التي أفاق منها ووجد نفسه خارج حيز الامتياز والموقع والدور بل وجد نفسه مهدداً بحياته وموته بخبز أطفاله وحبة دواء أبنائه وشيوخه ونساءه، لقد وجد شيعة العراق بعد حربين كونيتين 1980-1988 و1990 وبعد مجازر رهيبة ضد أبرز علمائهم وفقهائهم أنهم خارج التاريخ والجغرافيا، محكومون بالموت مع سبق الإصرار والترصد، لا لشيء إلا لأنهم (شيعة) ومرتبطون بمفاصل تحولات كبيرة في المنطقة، إن هذا الاهتزاز عبر عن نفسه في الحوزة العلمية والمرجعية الدينية قبل أن يعبر عن نفسه في الانقلابات الجوهرية في أدبيات الحركة الإسلامية الشيعية في العراق ورصدها للواقع ومعطياته. وفي هذا الإطار تأتي مرجعية الصدر الثاني الصدامية مع السلطة وما استتبعها من أحداث أشد صدامية اتسعت لكافة المدن العراقية وفي اعتقادي أن (صدامية) الحالة التي أسسها الإمام الصدر الثاني في العراق وإن لم تستمر طويلاً انطلقت في الحقيقة من إحساسها بقيمة هذه الهزة ومقدار التراجع الذي حصل في تعاطي الفكر السياسي الشيعي مع الإرهاب والتعدي السافر للحكم للشعب العراقي وطريقة تعاطيه مع السيادة وأرواح الناس فضلاً عن كيفية إدارة السلطة للبلاد بعد أن أغرقتها بالدم طيلة ثمان سنوات متواصلة.

إنني على يقين من أن هذه الحالة الصدامية ستتواصل بجهود كل القوى والشرائح والمؤسسات والمرجعيات الدينية، فلقد وضع إرهاب الدولة النظم الشيعة في العراق في خانة واحدة وبعد أن تولد إحساس متطور في الناس يؤكد على ضرورة التخلص من هذا النظام المجرم والمجيء بحكومة تلبي المطالب السياسية والوطنية أجمعها على درجة واحدة من التساوي لكن يجب أن نلفت النظر هنا لضرورة السعي لتطوير حالة الرفض وتسخين الصدام وخلق الأرضيات المطلوبة لإقامة حالة عالية من الإحساس بالقوة ومن أن التشيع كهوية ومؤسسات وقيادات قادر على قلب الطاولة بوجه السياسات والمؤامرات وإرهاب الدولة وأنه مشروع للفكر يتأثر ويتفاعل ويؤثر وينطلق إحساسه بالكيانية الوطنية وحماية البلاد من الانفراط بنفس الدرجة التي ينطلق منها لحماية كيانيته الدينية والعقائدية والروحية والمذهبية.

الشيعي في السلطة أفضل للمستقبل من الشيعي في المعارضة..

من موقعنا هذا ننطلق في حواراتنا مع الآخر الشرقي والغربي ودول القرار والمواجهة مع نظام صدام ومن مسلمات الفكر الإسلامي ومنظومة الفكر السياسي الشيعي في الحديث عن المستقبل العراق ومصير الشعب العراق والصراع ضد الدكتاتورية وإرهاب الدولة والأكراد والعلاقة بالغرب والجوار، وطوال السنوات العشر الماضية - على الأقل - استطاع الفكر الشيعي أن يعطي انطباعاً لدى أوساط القرار في الغرب وفي دول إسلامية وعربية مهمة أن الشيعي في السلطة وفي مركز القرار في دولة عادلة غير إرهابية تتعايش مع الجميع وتعرف وتؤمن بحقه في المشاركة قائمة على التعددية والديمقراطية والمساواة خير من الشيعي في المعارضة.

ويؤكد هذا الفكر أيضاً أن الشيعي لا يؤمن بالمعارضة كقاعدة أساسية في الحياة والدولة لمجرد التعارض والخلاف والجدل بل لأنه يشعر بالظلم والإقصاء والتجاوز واللامبالاة والإعدام والسجن، ولمجرد زوال أسباب هذه الأزمة المعقدة التي شكلها هذا النظام في العراق فإن أسباب المعارضة ستنتهي ويعود الشيعي لممارسة حريته وعمله في حقله ومدرسته وحوزته شأنه في ذلك شأن كل الوحدات السكانية المتنورة التي تقع في منتصف المسافة بين الحلم والحقيقة، بين الثورة والاستقلال وبين الحرية والسلطة، وإن الشيعي لا يعادي الغرب بالفطرة بل لديه مشكلة مع القرار السياسي والتحالفات التي صنعها في المنطقة العربية والإسلامية ودعمه السابق وبعض اللاحق لصدام في حربه وإرهابه ضد الشعب العراقي. أما القضية الأساسية التي نحاول إدراجها في أولويات خطابنا السياسي فتتمثل بأن الشيعة لا يريدون حكماً طائفياً في العراق، صحيح أنهم ظلموا وجرت عليهم جولات من العنف والإرهاب والذبح المنظّم لكن ذلك كله لن يدفعهم إلى إقامة دويلة (شيعية) في الجنوب على غرار (المحمية) الكردية في الشمال. لأن شيعة العراق يملكون الأكثرية العددية والدينية ولا يعقل أن تفكر الأكثرية بطموحات مجتزأة بعيدة عن الواقعيات ومنطق الأكثريات في الدولة والامتياز والمشاركة وإقامة الشراكة السياسية التنافسية، وقد حققنا في سبيل تكريس هذا الانطباع الذي نؤمن به إنجازات سياسية مهمة ظهرت وتظهر باستمرار في طبيعة العلاقات الثنائية مع الآخر وفي القبول بدعواتنا وفهمنا السياسي وتصورنا لحل المشكلة العراقية، وفي تأييد طروحاتنا الخاصة برؤية عراق ما بعد صدام، وعراق الدولة التي ستحكم الشعب بعد أن يتم الانتهاء من قبضة إرهاب الدولة الراهنة.

إن هذه القناعة اشتغلنا عليها من خلال قراءتنا السياسية ورؤيتنا الواقعية للمشكلة الشيعية في العراق ولم نبتدع شيئاً خارج واقعيات المشكلة، فالشيعة في العراق هم أكثر الشرائح الاجتماعية والعقيدية حرصا وتمسكاً بالوطن ووحدته وسلامة أراضيه والتاريخ يشهد لهذا العنوان ابتداء من ثورة العشرين التي قادتها عشائر الفرات الأوسط بمعية المرجعية الدينية وريادتها السياسية بقيادة الميرزا الشيرازي وانتهاء بالحالة الثورية المجاهدة التي تحولت إلى خبز يومي في حياة العراقيين وتصاعد عمليات المقاومة الإسلامية في كل مكان من العراق، ولم يقم شيعة العراق بكل أعمال المقاومة ضد الوجود الاستعماري في الفترة الاستقلالية الأولى والأخرى الراهنة في الأربعة والثلاثين عاما الماضية إلا بما يوجبه الافتراض الحتمي لإزالة الظلم والاستبداد ليس ضد وجودهم المذهبي والعقيدي والبشري بل لأن الحملة السياسية والأمنية والتصفوية تستهدف كلّ العراقيين بمختلف شرائحهم وقومياتهم وأديانهم. وبهذا كان الشيعي يدافع عن وجوده عبر دفاعه عن شريكه في المواطنة ويعتبر الشهادة في سبيل ذلك عنوانا للخلود ودليلا على صدق الانتماء لوطن ممتلئ بالمقدسات والأضرحة والثورات، كما كان طموح الشيعي إقامة نظام لا يعاديه في معتقده ودينه ومسجده وزياراته وتجارته واقتصاده وأحلامه السياسية والثقافية، ولم يكن همّه الصدام واختلاق الأزمات والمشاكل.

إن الشيعي ضمانة أكيدة للبناء والتنمية والنهوض الوطني والقومي والإسلامي العربي والإنساني الشامل وقاعدة أساسية في الدفاع عن الثغور والإسهام في التنوير الحضاري المتعدد الأبعاد والأهداف ويفترض أن يتم تربية المجتمع الشيعي في العراق على أساس القواعد والخصوصيات المارة الذكر والتخلي عن الشعارات التي تتعامل مع الشيعي كبطل وتحرمه من حقوقه المدنية والإنسانية.