![]() |
|
الإسلام يدخل البيت الأبيض ويصوغ قرار منع الاختلاط |
|
يفتح القرار المقدّم للرئيس الأمريكي جورج بوش القاضي بمنع الاختلاط بين الجنسين في المدارس الأمريكية الباب واسعاً أمام نقاشات وجدالات فكرية وسياسية واجتماعية واسعة في العالم من جهة، وإزاء حوار الحضارات والثقافات والتعرف على الإسلام والشريعة الإسلامية ومنابعها الأصيلة من جهة أخرى. فموافقة الرئيس الأمريكي على هذا القرار تشكل أولى المعالجات الموضوعية لأكبر القضايا الاجتماعية الحساسة في الولايات المتحدة، وبعد شعور بالمرارة رافق الإدارات الأمريكية السابقة من ظروف نشوء تلك الظاهرة - ظاهرة الجريمة الاجتماعية في المدارس -. وقد أنتجت تلك الظاهرة أنماطاً وسياقات وأفعالاً اجتماعية وتربوية سلبية زادت من وتيرة ما يسمى بـ(عنف المدارس) وأدخلت المجتمع الأمريكي بدوامات لا تنتهي من المشكلات والمعاناة النفسية المستمرة. هنا نتسائل: ماذا يهمنا نحن المسلمين المقيمين في البلدان العربية والأجنبية خصوصاً أخوتنا أبناء الجاليات العربية والإسلامية المقيمين في الولايات المتحدة الأمريكية من أمر هذا القانون الذي حظي بموافقة ودعم الإدارة الأمريكية والرئيس بوش؟!. وهل يمكن أن نجد مشتركات ومفردات مشتركة بيننا نحن المسلمين في الولايات المتحدة الأمريكية وخارجها، بحيث يكون بإمكان هذه المشتركات أن تؤسّس إطاراً حقيقياً لمناخ العمل الإنساني والمعرفي والثقافي والاتفاق على بناء منظومة إنسانية إسلامية غربية وخدمة الإنسانية والابتعاد عن المعارك والمواجهات واستخدام السلاح ورفض منطق الاحتكام للقوة الغاشمة؟. ما نودّ تأكيده في هذا الإطار أن المؤسسات الأمريكية خصوصاً الكونغرس، وعندما تشرّع قوانين من هذا القبيل وتمنع اختلاط الجنسين في المدارس إنما تهدف في الحقيقة إلى ضرورة تحسين (صورة) المجتمع الأمريكي وإبراز ملامح القوة في علاقاته الاجتماعية وهي خطوة تسعى الإدارة الأمريكية من خلالها تنشيط فكرة المجتمع الديمقراطي الأول في العالم. نحن كمسلمين لا نعترض على أهداف وطموح أي شعب من الشعوب في طريق الإصلاح الاجتماعي والسياسي والتربوي، ولن يقف الإسلام حجر عثرة في طريق أية أمة تريد العمل من أجل قوة مؤسساتها التربوية والاجتماعية والثقافية والمعرفية، إيماناً منا نحن المشتغلين في مجال الحركة الإسلامية - يهمنا في الحقيقة - الاقتراب من حقيقة الإسلام. فالخطوة كما نراها - وكما يراها الكثيرون - أساسية يمكن أن تدفع باتجاه التعريف بالإسلام. أما كيف يمكن أن تشكل هذه الخطوة محاولةً للتعريف بمنظومة الإسلام والفكر الإسلامي فعبر الإفادة من القرار المذكور بإنشاء المدارس الإسلامية النموذجية والانطلاق من هذه الفكرة للتعريف بالفلسفة الاجتماعية الإسلامية ورأي الإسلام بالاختلاط ومضاره وسلبياته مثلما هو رأي الإسلام بالسفور والحجاب والمعرفة والثقافة والعمل الإنساني وإقامة المجتمع المدني. هذا يعني أن بإمكان الجاليات الإسلامية في الغرب أن تفكّر بآليات العمل الإسلامي لا من خلال طرح الفكرة الإسلامية والدفاع عن وجهة نظر المشرع الإسلامي إزاء مسائل الحياة والمرأة والدولة الإسلامية وقضايا الحلال والحرام. بل عبر الإفادة من قوانين المجتمع الديمقراطي الغربي والأمريكي التي تلتقي ومعايير النظرية الإسلامية مثل القانون الأمريكي الأخير القاضي بـ(حرمة) الاختلاط. وهنا نتسائل مرة أخرى: هل بدأ المجتمع والسياسة الأمريكيتان العودة إلى منابع الإسلام والحضارة الإسلامية في بداية الألفية الثالثة وبعد مخاضٍ عسير من الأحداث والاضطرابات السياسية والعسكرية العاصفة التي اجتاحت العالم؟. يجب أن نستثني الإسلام ومجالاته المعرفية والثقافية والحضارية ومفرداته التربوية والسلوكية والأخلاقية الربانية الرفيعة من السلوكيات الجماعات (الإسلامية) لأن هذا الفصل بين الإسلام و(إسلام الجماعات) سيحقق مقداراً لا بأس به من الواقعية في النظر للإسلام والشفافية في العلاقة بمنظوماته وآفاقه الفكرية والروحانية العالية. فالإسلام ليس ديناً إرهابياً وقوانينه إنما جاءت لتكريس الحياة الحقيقية في الأمم والحضارات والمنظومات البشرية ولم يأت حاملاً في يديه المنجل والفأس والبندقية كما حصل ذلك في المدارس والأنظمة الفاشية التي حكمت دنيا الناس قرابة سبعين سنة من الآن تحت شعارات التعددية وحكومة الإنسان؟. ولهذا يفرض هذا الدين من جديد حقيقته بوصفه الدين الذي يحمل التنوير وإشعاع الفكر وكاريزما العقلانية والاستمرار والتهذيب. والدين الذي يعبر بعمق عن قضايا الإيمان والتربية وحامل لواء المجتمع الفاضل في كل زمان ومكان. نحن نعتقد أن هزّة 11 أيلول في الولايات المتحدة تحولت إلى هزات باتجاه العودة إلى المنابع الأساسية للتربية الكونية، تربية المجتمع على أصول خياراته الاجتماعية في الحياة، من دون أن يكون مبدأ تلك الأصول والخيارات يتعارض مع نظرة الإنسان في الغرب والولايات المتحدة الأمريكية لطريقة عيشه وحياته وإيمانه بالنظام السياسي الذي يحكمه وينتمي إليه. هذه الهزة أحدثت في الغرب أنماطاً من العلاقة بالإسلام، الشعوب الإسلامية، ومباني الفكر الإسلامي - الفلسفي والاجتماعي والسياسي والثقافي. وباستثناء بعض الممارسات المخلة في الولايات المتحدة بميزان (العدالة الأمريكية ذاتها) إلا أن القانون الأخير (منع الاختلاط) وقوانين أخرى هي عودة إنسانية إزاء مسألة التعريف بالإسلام، فإن الولايات المتحدة الأمريكية قادرة لو أتقنت مؤسساتها السياسية الأداء الحقيقي لقراراتها وقراءاتها، على استلهام الإسلام ديناً يعين مجتمعها على إدارة حياته بالطريقة التي يتجنب فيها هذا المجتمع السقوط في مربع الاهتزازات اللاأخلاقية المشينة التي تحولت بمرور الوقت إلى (سمة) بارزة تميز الحياة الاجتماعية الأمريكية عن غيرها في العالم. الملاحظة الأساسية التي يجب أن نذكرها هنا هي إذا كانت الولايات المتحدة الأمريكية بدأت تستعيد تربية أجيالها في المدارس عبر تطبيق سياسات الإسلام، فهل يمكن تطبيق السياسات الإسلامية ومن باب أولى في مدارسنا ومعاهدنا وجامعاتنا في الوطن العربي وعموم العالم الإسلامي؟. هل يعني هذا أن الصحوة الإسلامية والإنسانية المستنيرة قد تبدأ من الغرب ولا تبدأ من العالم العربي والإسلامي رغم أن العالم الإسلامي والعربي يملك مؤهلات واستعدادات وتراثاً تاريخياً كبيراً وعلاقة أقوى بالإسلام من الغرب ومدارسه واتجاهاته الاجتماعية. لقد علمتنا التجربة البشرية والإسلامية بشكل خاص، أن (التنوير) قضية كونية وليس حكراً على جماعة معينة والإسلام مشروع مفتوح على الإنسانية وليس دين العرب والمسلمين وحسب. |