![]() |
|
الشيعة على طريق الدولة الحديثة والإعلان أول وثيقة سياسية صريحة لاستعادة السلطة |
|
أُعلن في لندن وبجهود (121) شخصية دينية بارزة إعلان شيعة العراق، وهو وثيقة سياسية أقرت بالإجماع توضح طبيعة الأهداف السياسية والاجتماعية التي يرغب الشيعة في رؤيتها ماثلة في المستقبل بعد زوال الفاشية في العراق. ما الذي يقصده هذا العنوان في تلك المرحلة التاريخية الدقيقة والحساسة من حركة شيعة العراق باتجاه نيل الكرامة المضيعة في عهد الفاشية العراقية؟. لا يخفى على أحد أن الشيعة في العراق هم رواد حركة التنوير وقادة ودعاة تحرر أساسي من نير الاستعمار والهيمنة الأجنبية، ومنذ مطلع التاريخ السياسي المعاصر كان الشيعة السباقين لإعلان مبادئ الثورة ضد الاحتلال الأجنبي، وقد تصدى قادة ومرجعيات الطائفة الشيعية للاحتلال البريطاني 1914 وبقي السجال بين كتائب الجهاد التي كانت مرابطة في مناطق البصرة والشعيبة والقوات الاستعمارية فترة ثلاث سنوات من دون أية مساعدة تذكر من قبل الدولة العثمانية. وبعد ثلاث سنوات أي 1917م دخلت القوات البريطانية بغداد، لكن دخولها كان على جثث كتائب الجهاد الشيعية من مجاهدين وعلماء كان من بينهم الفقيه الكبير آية الله العظمى السيد مهدي الحيدري. وبعد ثلاث سنوات على الاحتلال البريطاني للعراق أي 1920 انطلقت أكبر ثورة في تاريخ العراق بعد الاحتلال قادتها كتائب الجهاد التي قادت أكبر تحرك جهادي 1919، وفيها شكلت أول دولة إسلامية في كربلاء بقيادة آية الله العظمى الشيخ محمد تقي الشيرازي ليسانده علماء وفقهاء ومجاهدون من جميع المدن والمحافظات. كان من المفترض أن يكون شيعة العراق هم أهل الحكم لأنهم أول أمة اشتغلت بالجهاد وذادت عن السيادة الوطنية وقدمت الغالي والنفيس من أجل كرامة الشعب العراقي وحريته، لكنهم غابوا عن ذلك لأسباب جوهرية، فيما تم سرقة الحكم عبر اتفاق أبرمه عبد الرحمن النقيب (سني) مع برسي كوكس الحاكم البريطاني تم على أثره تسليم الحكم للضباط الذين تخرجوا من (الآستانة) ويضمرون السوء والحقد والانتقام للشيعة ومجاهديهم وفقهائهم وأكثريتهم العددية (85%) من أبناء العراق.. ومنذ ذلك التاريخ إلى اليوم وشيعة العراق يتقلبون في واقع طائفي - شوفيني حاقد عليهم ولا يبرح مكانهم تضييقاً وإعداماً وتشريداً وهتكاً للأعراض وأخيراً استخدام الأسلحة الكيماوية ضد قطاعات كبيرة منهم، والنظام العربي بل والكثير من القطاعات الشيعية في العالم (نيام)!. لقد باشر صدام وهو سليل مشروع إبادة الشيعة في العراق بمشروعٍ طويل الأجل لتمزيق وحدة الحالة الشيعية العراقية، فابتدأ بإعدام قادة ودعاة التحرك الإسلامي في العراق من أبناء الحركة الإسلامية 1974 عبر ذبح خمسة من هؤلاء القادة (قبضة الهدى) وفي الفترة ذاتها أقدم على إصدار قرار بإعدام آية الله العظمى الإمام المرحوم محمد مهدي الشيرازي (قدس سره)، لكن عناية الله تعالى أبعدت هذا الإمام عن المقصلة واستطاع الخروج من العراق ليواصل مشوار كفاحه الطويل من الكويت. ثم تتالت المعركة الشرسة بين مشروع الإسلام وأصالته الفكرية ومشروعه الحضاري وبين عصابة عفلق - صدام - البكر، فأقدم النظام 1980 على تهجير ما يقرب من نصف مليون مواطن عربي عراقي شيعي إلى إيران بدعوى أصولهم الإيرانية أعقبتها حفلة إعدام كبيرة طالت أبرز المفكرين الإسلاميين كإعدام آية الله العظمى السيد محمد باقر الصدر واغتيال آية الله السيد حسن الشيرازي في بيروت وإطلاق حملة هي الأشرس من نوعها في تاريخ العراق غيّب على إثرها أكثر من (مليون) مواطن شيعي عراقي بينهم أبرز النخب الفكرية والثقافية والسياسية، وبذا فقد العراق خلال عشرين عاماً على تولي صدام السلطة الطائفية في بغداد خيرة فقهائه وأبنائه الإسلاميين الذين كان لهم دورٌ بارز واستثنائي في درأ العدوان عن العراق وحمايته والذود عن عرينه. إن المخطط الصدامي - الصهيوني - الأمريكي هو إلغاء أي دور للشيعة في حاضر العراق ومستقبله لأنهم إن جاءوا للحكم أطلقوا الحريات والصحافة وحرية التعبير وأسّسوا البرلمانات الوطنية وقادوا تحركاً إسلامياً ووطنياً حقيقياً وهذا ما لا يرضاه (المستعمر الكافر) ولا المشروع الصهيوني، ومن مصلحة واشنطن كما صدام في العراق لجم المشروع الشيعي والتضييق عليه والقضاء على رموزه كما تم في الثمانينات وبداية التسعينات في العراق. من هنا أنا أعتقد أن الإعلان وإطلاق الشيعة لآرائهم في مستقبل العراق وأهدافهم لإدارة الدولة هو بداية سياسية موفقة للشيعة كيلا يأتي نقيب متعاون مع السلطات الاستعمارية الحديثة على غرار عبد الرحمن النقيب - برسي كوكس ويصادر جهودهم ودمائهم ومكانتهم ووجودهم السياسي والحركي والحضاري. وفوق هذا وذاك أصالتهم في تأسيس تاريخ إنساني جديد للعراق والعراقيين لم يأت بالسهل وكتابة القصائد الشعرية، بل بالدموع والمعاناة والمعتقلات ودماء أشرف الفقهاء وأقدسهم على الإطلاق. إن الإعلان رسالة سياسية فيها الكثير من الوطنية الأصيلة النابعة من حرص الإسلام على السيادة والمخاطب بها كل المعنيين بالملف العراقي من قوى داخلية وقوى خارجية - أوروبية وأمريكية وإسلامية وعربية. هدفها إفهام كل هؤلاء أن شيعة العراق ليسوا طائفة من المسلمين تكتفي بالتقاليد الفكرية والمعرفية والروحية المتعارف عليها في الإسلام، بل هم مشروع إنساني - سياسي - فكري حضاري ينطلق من ثوابت الإسلام في بناء الحياة السياسية والدينية الحقيقية وبما يحقق للبلاد رقيها ووحدانيتها بعد عهود من العسكرة وفرق الموت وحاكمية المنظمة السرية وبطل مشروعها القومي صدام!!. كما أن الإعلان يمثل رؤية الكتلة السياسية - الدينية الشيعية لصورة العراق المستقبلية وهي صورة تنسجم مع رؤية العالم للأمن والاستقرار والمدنية والديمقراطية، وبكلمة أخرى يريد الشيعة في هذا الإعلان القول أن استقلال العراق وكرامته وحريته لا تتحقق إلا بممارسة مشروع التغيير عبر الميدان وعلى قوى الداخل وأبنائه المجاهدين وكتائبه الغيورة والتحاور مع القوى السياسية الدولية التي لا مناص من حوارها وإطلاق سجال الأقوياء معها. وفي عقيدتي سيشكل هذا الإعلان بداية حركية سليمة لأكثرية مظلومة قدمت الدماء الأغلى على طريق التنوير ولم تزحف لسلطة وضحت بأعز رؤوس فقهائها لقاء مغنم الحرية لا الحكم، فهل سيأتي الشيعة إلى الحكم لاستعادة قيم العدالة والوطنية روحها بعد أن مرغها النقيب وصدام والبكر بوحل الهزائم.
|