رجوع

   

    الصفحة الرئيسية 

 

العلامة محمد تقي الحكيم.. الأفذاذ لا يعيشون مرتين !!

 


محمد حسن الأديب

قال لي صديق - وفي غمرة الحديث عن المزايا الكاريزمية للعلامة محمد تقي الحكيم - هل أعطينا هذا المفكر الإسلامي الكبير حقه في حياته حتى نعطيه حقه بعد رحيله؟!.

هذه مشكلة كبيرة نواجهها بعد رحيل المفكر والمجتهد العالم والفقيه الذي كان يملأ النجف ومدارسها العلمية حضوراً وتأثيراً وانغماساً في حركة الفكر والواقع. المشكلة هي أننا لا نتعرّف على قيمة الفقيه وعظمة إنجازه وانعكاس أفكاره في حركة الأمة ومناهج التحليل العلمي والمعرفي الإسلامي وفي سلوكه الحضاري المؤثر إلا بعد وفاته.

في حياته لا نتعامل مع مؤلفاته وإنجازاته بوصفها خيارات منقذة واستراتيجيات أساسية في الفكر والمعرفة، بل نتعامل (معه) و(معها) من خلال حساسياتنا السياسية وعواطفنا الحركية وميولنا وأمزجتنا الشخصية، ناهيك عن الهمسات التي عادةً ما تسمعها في حلقات الدرس والتدريس وفي جلسات الأحاديث الشخصية في البيوت. وإلى أن تحين ساعة هذا الفقيه لكي يغادر الحياة نكون نحن قد أشبعناه موتاً وتجاوزاً وهي نتائج لمخلفات تقاليد (درسية) درجت عليها بعض المدارس والحواجز إزاء هذا الفقيه أو ذاك!.

إن العلماء ورثة الأنبياء، ورسول الله (صلى الله عليه وآله) يصف بل يبالغ في توصيف درجة العلماء ومكانتهم في الحياة الإسلامية والسياسية والاجتماعية والثقافية والمعرفية، في الدعوة والدولة والمستقبل فيقول: (علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل) وفي رواية أخرى (علماء أمتي أفضل من أنبياء بني إسرائيل). هذا يعني أن علماء الإسلام خصوصاً علماء أهل البيت (عليهم السلام) منارات معرفية شاهقة وإضاءات مشرقة، لولاها لكان العالم الإسلامي يغط في نوم عميق وسبات محيق.

ويعني أن التجربة الإسلامية التنويرية لولا العلماء وإغناءاتهم وإشراقاتهم وأضافاتهم لكانت توقفت وتوقف معها هذا الدفع الحضاري الذي يسجله صعود الحالة الإسلامية في كل زمان ومكان من العالم.

العلامة آية الله السيد محمد تقي الحكيم - عالم إسلامي جليل - ومفكر موسوعي، وعقلاني، إليه ترجع مجمل المؤلفات المعرفية والفقهية التي تزينت بها المكتبة الإسلامية بشكل خاص والثقافة العربية ومساراتها واتجاهاتها التنويرية بشكل عام، ولعل مؤلفه (أصول الفقه المقارن) واحد من أهم إبداعات المسيرة الشيعية وتراثها وقراءاتها المجتهدة باستمرار ومسيرة العمل من أجل حقيقة الفكر الإسلامي عامة.

كان أديباً كبيراً وشاعراً عربياً - إسلامياً له إضافاته الشعرية وكان يسمى في النجف أيام شبابه شاعر النجف وأديبها، فضلاً عن كونه من القيادات الفكرية والشعرية التي أشرفت على تأسيس المنتديات والمجامع الشعرية كجمعية منتدى النشر في النجف.

عاش حياة الزهد والتواضع والترابية والتقشف والابتعاد عن كل الملذات وزينة الحياة الدنيا لكنه لم يبخل يوماً على أمته الإسلامية في الخارج وشعبه العراقي والحالة الإسلامية في العراق بالفكر والاجتهاد والتعريف بأصول الظاهرة الإسلامية في أبعادها ومزاياها وحقيقتها الحضارية.

جمعته الفكرة والحوار واللغة والحرص على الإسلام وحركته التنويرية مع العديد من العلماء والمفكرين والشعراء والفقهاء والأساتذة في مختلف دول العالم الإسلامي، فزار القاهرة وألقى بحثاً فقهياً واسعاً في (الوضع) بحضور عميد الأدب العربي آيامذاك الدكتور طه حسين وحينما كان العلامة محمد تقي الحكيم يلقي بحثه وسط دهشة الحاضرين وتصفيقهم المستمر في القاعة صاح أحد الجالسين: إن في البحث عجمة!!. فردّه الدكتور طه حسين: لا فارسية في الإبداع والفكر. أو قولٌ شبيه بذلك..

وربطته في الستينات من القرن الماضي علاقات استراتيجية بعمالقة الفكر والتنوير والأدب نذكر منهم الشاعر عمر أبو ريشة وشخصيات أدبية بحكم كونه عضواً في مجامع اللغة العربية في كل من عمان والقاهرة وبيروت وبغداد.

أشرف في حياته على عشرات بل مئات رسائل الماجستير والدكتوراه في الفقه وتخرج على يديه مئات الأساتذة وطلبة الدكتوراه وهم اليوم في مواقع فكرية وحضارية وفقهية وأصولية معروفة ينتشرون على بقعة واسعة من العالم تبدأ من بيروت وباريس وأسبانيا ولا تنتهي بإيران ولندن والولايات المتحدة الأمريكية ويشرفون على مراكز إسلامية ويبلغون رسالات الله وفق المدرسة والمنهج التي أسسها هذا الفقيه الكبير وتحولت إلى إشعاعات مضيئة في حركة الإسلام ومشروعه التأسيسي.

كان قليل الكلام في المسائل التي لا علاقة لها بهموم الإسلام ومشروع حركته الفقهية والسياسية والاجتماعية وقلق حضوره في العالم، لكنه حين يسأل عن الإسلام ومستقبله وراهنه ودرجة قوة الحالة الإسلامية ومستوى الصراع الإسلامي مع الاتجاهات المتضادة مع نهجه ومدرسته، فإنه يهدر كالسيل ولا يتوقف، كان يمتاز بدقة تحليله العقلاني لمشهد الظاهرة الإسلامية المعاصرة.

كان العلامة محمد تقي الحكيم سيداً في الفقه والفكر وعمامة محمدية مشرقة وظفت جهدها في سبيل حركة الإسلام ومبانيه ومناهجه، وكان من المفترض أن يحرك رحيل هذا الفقيه الحواضر الإسلامية لإغناء تجربته عبر الندوات والحلقات الدراسية في الحوزات العلمية والمدارس الأكاديمية الإسلامية، بل كان من المفترض أن لا يمر رحيله كما مر بنا، باهتاً بارداً مخجلاً ولا تستأهله شخصية مثل العلامة الحكيم.

ماذا يعني هذا؟َ!

يعني أننا نعاني من تراجع في مسيرة حضور الكبار في حياتنا، وهذا التراجع سوف لن يتوقف عند تأبين العلماء الكبار في حوزاتنا ومسيرتنا الإسلامية بل سيمتد إلى تخليدنا لرموزنا وقياداتنا المقدسة.

المطلوب أن نؤكد حضورنا الإسلامي عبر تخليد هذه الشخصيات الإسلامية العظيمة، فنحن حين نؤبن شخصياتنا العلمية ورجالات الفكر والقادة السياسيين في التجربة الإسلامية إنما نقوم بفعل إحياء أنفسنا.

 

أرسل ملاحظاتك حول الموضوع