![]() |
|
المرجعية الدينية الشيعية وتطورات القضية الوطنية في العراق |
|
ما من شك في أن القضية العراقية من أعقد القضايا المصيرية من بين القضايا الكبيرة في العالم الإسلامي بسبب ما جرّه نظام صدام على الشعب العراقي من مظالم وويلات وكوارث وحروب ما جعل شعب العراق يعيش في فضاء العزلة والحصار والموت والديكتاتورية. وقد حرص النظام القائم في بغداد منذ توليه مقاليد السلطة على تكريس نظم الإرهاب والدموية وكان من نتيجة سيادة النظم القمعية والدموية المستمرة وبعد أكثر من خمسة وثلاثين سنة على وجوده في الحكم غياب الحريات السياسية والحزبية والاجتماعية والاقتصادية والدينية ومصادرة الرأي وتعليق الأحرار والنخب السياسية والدينية المثقفة والمؤمنة بعروبة العراق وإسلاميته وإعلان القطيعة بين شعب العراق وشعوب المنطقة العربية والإسلامية. لقد فجر النظام بدكتاتوريته ودمويته الشارع العراقي وذبح الشعب وأباد شرائحه وقضى على تعدديته التاريخية المعروفة القومية والدينية والاجتماعية والسياسية وما زال هذا النظام يمارس ذات الأساليب من أجل قمع الشعب العراقي كي لا يعي هذا الشعب مسؤولياته الريادية ودوره الوطني والإسلامي والقومي في الداخل وفي التفاعل مع هموم قضاياه العربية والإسلامية. ولم يكتف هذا النظام بذبح الشعب العراقي في الداخل وملاحقة أحراره ومجاهديه وشخصياته السياسية وزعاماته الوطنية في الخارج وعموم الشرائح العراقية التي فرّت من العراق إلى بلاد الأرض الواسعة بل راح يمني نفسه السيادة والسيطرة على النفط العربي والحدود العربية ومحاولة السيادة على المنطقة العربية الإسلامية برمتها وفي هذا فجر قرار حربه ضد الجارة إيران 1980- 1988 م، وما استتبع هذه الحرب من مآس ومعاناة في الأرواح والبنى السيادية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية عبر طابور طويل من نعوش مئات الآلاف من القتلى وضعفهم من الجرحى والمعوقين من الطرفين المسلمين في إيران والعراق في محاولة لضرب اللحمة الأخوية والقاعدة الإيمانية المتينة مع إيران. ولم تمض على انسحابه من إيران سنتان بعد أن أمضى رسالة للقيادة الإيرانية يوقع فيها ولأسباب سياسية ومطامع في الخليج ولدور في مهمة ضرب إيران على قرار انسحابه من كافة الأراضي الإيرانية التي احتلها حتى احتل الكويت وصادر أرضها واستلب ممتلكاتها في أعمق وأخطر عملية عسكرية شهدها تاريخ المنطقة العربية والإسلامية. حيث دفع فيها الشعب العراقي أيضاً مئات الآلاف من فلذات أكباده من أبنائه في مطحنة القوات الأمريكية والمتحالفة معها في صحراء الخليج. وتستمر الدوامة الفاشية والدكتاتورية في العراق بعد اثني عشر عاماً على احتلال الكويت وأربعة عشر عاماً على احتلاله الأراضي الإيرانية وانسحابه منها، وتستمر معها دوامة القتل والذبح ومصادرة الحريات وخنق الأنفاس واستخدام السلاح الكيماوي والمقابر الجماعية والقتل على الظن وتقسيم العراق إلى جزر أمنية ومناطق بوليسية مع إطلاق يد الجلادين من جنرالات الحرس الجمهوري للفتك بالناس والتلاعب بالمقدرات بما لم يشهده العراق لا في تاريخه القريب ولا البعيد. في الطرف الآخر، ومنذ مجيء هذا النظام إلى الحياة السياسية العراقية بمؤامرة إقليمية - غربية كان للمعارضة العراقية وقواها السياسية ومرجعياتها الدينية ورموزها وشخصياتها الوطنية دور استثنائي في المواجهة والتحدي والوقوف ضد تهور ودكتاتورية ودموية وإرهاب هذا النظام، وقد قدمت هذه المعارضة آلاف العلماء والمفكرين والكتاب والمثقفين ومن مختلف القوى والأطياف السياسية والدينية والقومية شهداء على مذبح الحرية واستعادة الكرامة والدور سعياً لإقامة دولة وطنية عادلة تحكم بقبة البرلمان لا بالقوانين القرقوشية وحاكمية الفرد المطلقة. ولابد أن نشير هنا إلى الجهود السياسية والفكرية والحركية العظيمة التي بذلتها مرجعيات عتيدة كالمفكر الشهيد آية الله العظمى السيد الصدر الأول والثاني والمفكر الشهيد آية الله السيد حسن الشيرازي الذي اغتالته يد الغدر والخيانة العفلقية في بغداد والمرجع المرحوم الشيرازي الكبير إذ قدم في هذا السبيل كل جهده وأمضى حياته الفقهية والفكرية والسياسية الشريفة في المنفى يكافح من أجل تأصيل الإسلام في العراق بعد عمليات التشويه والغزو والإبادة التي تعرضت وتتعرض لها الحياة السياسية في العراق. إن ما قام به المرجع الشيرازي الراحل وحرصه الشديد على توجيه الحركة الإسلامية في العراق باتجاه الرشد الفكري وضرورة دعم العشائر العراقية وتسليحها وتقديم كل أدوات العون للشعب العراقي وشرائحه الوطنية المجاهدة يشكل حجر الزاوية في أية عميلة نهوض حقيقية تستهدف إحياء دور العراق الفكري والحضاري والديني والسياسي وإنقاذه من أشباح المنظمة السرية التي تحكم العراق وإعادته إلى صفه العربي والإسلامي وتوجيه دفة الأوضاع فيه إلى تأسيس مناخ ديمقراطي ـ تعددي ـ يحكم بمنطق الحريات وقبة البرلمان ووجود الأحزاب السياسية. وقد أمضى هذا الفقيه الكبير حياته كلها في هذا السبيل، وإذا كان هذا الفقيه وافته المنية في المنفى ولم يشهد حرية شعبه وأمنه واستقراره بسقوط هذا النظام القمعي فقد أوصى أحبته وأهله ومقربيه والسائرين في خطه ومدرسته بأن يعاد دفنه (رضي الله عنه) في العراق لكي يتوسّد تراب أرض المقدسات، أرض العراق، أرض علي والحسين، الأرض التي غمرها الشهداء بالغالي من الدماء الزكية، إكراماً لمقدساتها وموقعها الفكري والحضاري المحوري. بناءً على ذلك نقول إن القضية العراقية اليوم تمر بمنعطف سياسي تاريخي حرج، والأوضاع في العراق مائلة إلى التحول بفعل إقبالها على مجموعة من المتغيرات السياسية - العسكرية الهائلة. واحتمال قيام الولايات المتحدة الأمريكية بتوجيه ضربة حقيقية قاصمة للنظام. وعلى هذا الأساس كان لابد من موقف سياسي ديني تتصدى فيه المرجعية الدينية (المتصدية) للفعل والقرار وإدارة شأن الداخل وتعبئة شرائح الشعب العراقي لكي يكون جاهزاً لممارسة دوره الديني والوطني والإسلامي لإنقاذ العراق من براثن السلطة القمعية - الدكتاتورية في العراق. إن دور المرجعية الدينية المتصدية هو العمل داخل العراق لتعبئة جمهور الأمة كي يلتف الشعب العراقي حول مرجعيته ولتستطيع تلك المرجعية ممارسة دورها القيادي في اللحظات الحاسمة وتفرض رأيها وموقفها على كل القوى والجهات السياسية الدولية الضاغطة ليصار الحكم للشعب وقيادته الدينية والوطنية الحقيقية. ولا يجب ترك الأمور على عواهنها فيفرض على الشعب العراقي بعد سقوط النظام حكم مفروض وواقع لا يرتضيه. المطلوب من المرجعية الدينية المتصدية التي علمتنا أنها حاضرة في هموم الشعب العراقي أن تكون في الميدان وشعبنا بحاجة اليوم لقيادته الحقيقية التي تشاركه همومه وتتطلع كما يتطلع لحياة الحرية والكرامة.
|