رجوع

   

    الصفحة الرئيسية 

 

مع (إعلان شيعة العراق) مرة أخرى

 


أحمد حسين إبراهيم

بعد صدور إعلان شيعة العراق الذي وقعته شخصيات دينية وفكرية وسياسية من مختلف القوى الشيعية العراقية صدرت العديد من التعليقات والتفسيرات ووجهات النظر بعضها تحدث بإيجابية كبيرة مثمناً الخطوة، وداعياً إلى تحويل الإعلان إلى (ميثاق شرف) يحقق فيه الشيعة أهداف وطن يتمزق تحت سنابك المجنزرات في الداخل وصيحات التقسيم في الخارج، والبعض الآخر تحدث بسلبية مطلقة عبر اتهام الطائفة الشيعية وقواها السياسية بأنها ضد وحدة الشعب العراقي، أما لماذا هي ضد الوحدة العراقية، فلأنها كما يقول هذا البعض تخاطب العالم وتدعو إلى إسقاط النظام من منطلقات طائفية بحتة ويكيل هذا البعض اتهامات بالجملة للشيعة وحركتهم السياسية وطريقتهم في التعبير السياسي. الاتجاه الثالث في هذا البعض وقف على الحياد في قراءته للإعلان فهو يؤيد الخطوة تارة ويؤاخذها في بعض التفاصيل والمنطلقات تارة أخرى.

نحن بدورنا نؤكد أن لا أحد يمتلك مفاتيح لأقلام الناس أو لديه القدرة على تكميم أفواههم. فما دام الإعلان يخاطب شريحة أساسية من أبناء العراق ومن قبل اتجاهات حزبية ودينية وحركية وفيهم المجتهدون والفقهاء والعلماء والكوادر الأساسية في الحركة الإسلامية في العراق فإن مسألة النقد تعد واحدة من الميزات التي تؤكد أولاً شرعية الإعلان وثانياً أصالته السياسية في ظرف تاريخي حرج جداً لا بالنسبة للشيعة العراقيين وهم الطبقة الأكثر انسحاقاً وألماً وعذاباً في الكيان الوطني بل للعراق كبلد وموقع ودور، مثلما يؤكد النقد دائماً إنما يستهدف لباب المشروعات الحضارية والمسائل العقدية الفاصلة في حياة الأمم والشعوب الحية.

وفي ودّي أن ألج باب (الإعلان) عبر مجموعة من الملاحظات.

1- لقد كشف هذا الإعلان، أن الشيعة في العراق عرب لا إيرانيون بعد أن اشتغلت آلة التعبئة (الإمبريالية) و(الوهابية) والقوى الطائفية المعادية للإسلام ضد عروبة العراقيين، فقد ركزت هذه التعبئة على تلفيق تهمة خطيرة وظالمة بحق التشيع كفكر وقراءة للإسلام ومشروع للحركية الإسلامية وبحق الشيعة، من أنهم إيرانيون ونفى أن يكون هناك تشيع عربي في الوقت الذي تؤكد التجربة السياسية في الإسلام أن التشيع انبثق من بيت العروبة والإسلام بل انطلق من بيت النبوة وهي تهمة أريد لها أن تدمر المنجز الشيعي الأبرز في التاريخ وتسحق كل الجهود والمكاسب المعرفية والثقافية والحضارية المختلفة التي قام بها دعاة الإسلام والتشيع طوال التاريخ.

2- إن الإعلان وثيقة سياسية حركية تؤسس لمجتمع ديمقراطي تعددي - تقدمي منفتح على الثقافات والحضارات والشعوب. متصالح مع ذاته وأهله وجيرانه وبقية المجتمعات العالمية، يؤمن بالانتخابات وثقافة حقوق الإنسان وإحياء المدنية الاجتماعية بجميع أبعادها وسننها وقوانينها ومثالاتها، مثلما تركز هذه الوثيقة على الدور الذي يمكن أن ينهض به التشيع في صياغة معنى الحرية وحدودها وميزاتها وتأسيساتها في الحق والعدل والمساواة والأمن والاستقرار والعافية الاقتصادية وقيام نظام الإدارة الذاتية في العراق. كما أن هذه الوثيقة لا تعكس وهي تتحدث عن هذه الميزات رغبة الشيعة في تكوين مجال حيوي لهم قدر ما تحاول النهوض في مجال صياغة أسس المجتمع العراقي بكافة تكويناته القومية والدينية والسياسية واثنيات أعراقه.

3- كان الشيعة وزعاماتهم السياسية والدينية في السابق وبالتحديد في الفترة الواقعة ما بين تأسيس أول دولة وطنية عراقية 1920م إلى اليوم يتحدثون خارج سياق المساهمة في الحياة السياسية على قاعدة أن يكون للشيعة وهم صنّاع التاريخ والدولة العراقية بجهودهم وتضحياتهم وكتائبهم الجهادية ومشاريعهم العسكرية والميدانية والسياسية في التصدي للاستعمار، دور في الدولة. لكن هذا الأمر لم تسلط عليه الأضواء ولم يتم التركيز عليه في ما مضى لأسباب جوهرية لسنا هنا في وارد شرحها أو نقدها.

اليوم يتطلع الشيعة باعتبارهم مساهمين في صناعة التاريخ العراقي والعربي أن يكون لهم دور في الدولة والمسؤولية السياسية المباشرة، وهذا الدور لن يكون دوراً استعمارياً تسلطياً فوقياً نخبوياً كما حدث خلال سبعين سنة على حكم الأقليات في العراق بل لإنقاذ البلاد من أزمة التحكم المزاجي وسياسية الانقلابات العشوائية التي أدخلت البلاد في فوضى القرار وأحالت الشعب العراقي إلى أداة في خدمة توجهات (السياسيين) وشراذم الأحزاب وأدوات الاستعمار وحروبهم.

الشيعة يعتقدون أن الاتفاق على عقد اجتماعي - سياسي - فكري - عراقي - عربي سيفضي بالتأكيد إلى قيام دولة وطنية عادلة تحترم نفسها وشعبها وتقوم بتوظيف كل رساميل الطاقة والجهد والثروة والدور والموقع العراقي في الجغرافية السياسية لصالح العراقيين والإسهام في تطور مجالات التعاون مع المحيط العربي والإسلامي.

ولم ولن يكون في ذهن أي شيعي سواء أكان عالماً فقيهاً أو مفكرا أو مثقفا في مؤسسة أو مركز أي أطماع في عراق الغد، وكيف يتحول الشيعي إلى طامع وهو ومنذ أكثر من سبعين سنة يقدم الدم الغزير والعزيز ومن مختلف الشرائح بل سالت أنهار من الدم المقدس في العراق من أجل أن يكون العراق بلد الأمان وواحة الاستقرار ولكي ينال شعبه الحرية بعد سنوات طويلة من الاستبداد والقمع ومصادرة الحريات..

إنني أتذكر في هذا الصدد كلمات المفكر والمرجع الإسلامي آية الله العظمى محمد باقر الصدر حين أطلق ندائه الشهير إلى الشعب العراقي بقوله (يا شعب آبائي وأجدادي إني لك أيها الشيعي مثلما أنا لك يا أخي السني، وأنا معكما بقدر ما أنتما مع الإسلام).

القضية الشيعية إذن هي قضية الاتفاق على عقد سياسي يفضي إلى قيام دولة المساواة والعدل لكي يستطيع الشعب العراقي ممارسة حقه في الحياة بعد أن سيق إلى ممارسة الموت رغماً عنه في ظل نظام ديكتاتوري أشبه إلى المنظمة السرية من الدولة.

4- الإعلان حقق هدفاً أساسياً في قناعات الكثيرين من الذين تابعوا بيانه في لندن، والهدف يكمن في وعي الشيعة لدورهم السياسي في المرحلة الدولية الراهنة، وضرورة الالتفات إلى عدم تمرير اتفاقية برسي كوكس - عبد الرحمن النقيب ثانية والعودة إلى حكم أقلية الأقلية لضمان مكاسب أقلية الأقلية وحرمان الأقلية والأكثرية.

إن العودة إلى اتفاقية (عبد الرحمن النقيب - برسي كوكس) خيانة يرتكبها كل من يقف ضد هذا الاتفاق سواء كان شيعياً أم سنياً، لأن من شأن تمرير هذه الخيانة العودة إلى سياسة التمييز الطائفي وملأ السجون والمعتقلات الرهيبة بالأحرار والمجاهدين والمناضلين من كافة القوى والتنظيمات السياسية واستخدام الناس أدوات في حروب النيابة عن القوى الدولية المارقة كما حدث بعد مجيء نظام الثنائي البكر - صدام في 17-30 تموز 1968 في العراق. وفي ودنا أن نؤكد لإخواننا أصحاب المبادرة (الإعلان) ضرورة أن يتسع الإعلان كوثيقة وعقد إلى الهموم والأشواق العربية - العراقية من كافة الاتجاهات وأن يتحول هذا الإعلان بعد استيعاب هذه المفردة إلى مؤتمر شيعي سني في العراق يتبنى سياسات وأطراً كفيلة بصياغة الحقوق والمسؤوليات وبناء الشخصية العراقية الجديدة بعد زوال هذا النظام.

5- من الضروري تطوير الأسس التي ارتكز عليها الإعلان، ونعني بالتطوير انبثاق مركز استراتيجي يعنى بفهم القراءة الشيعية للمجتمع المدني والديمقراطية على سبيل المثال كعنصرين هامين في منظومة الخصائص الفكرية للإعلان، وحري بالأخوة أصحاب المبادرة تطوير المجالات السياسية للوثيقة عبر التحرك بها في الأوساط الدينية والسياسية العربية. باعتبارهم زعامات دينية - سياسية عراقية تتصدى في الوقت الراهن لمسؤوليات إسقاط النظام وإقامة المجتمع المدني.

إن العلاقة بالمحيط العربي ستخفف أعباء كبيرة عن كاهل مشروع الإسقاط. بلحاظ (التخوف) الذي تبديه أوساط عربية (سنية) مجاورة للعراق من مجيء الشيعة إلى السلطة، ونعتقد أن جزءاً كبيراً من جهود عرقلة المشروع الإسقاطي تكمن في التريث الدولي وقراءته لهذه المخاوف. كما أن انبثاق (كتلة سياسية دينية) للفعل التاريخي العراقي الحالي مهمة مقدسة ويفترض أن تنهض بها الصياغات الحقيقية للتشيع ومحاولاته الفكرية المقنعة قبل أن تنهض بها كتلة بشرية.

الإعلان مشروع يكرس الحق السني قبل تكريسه لحقوق الشيعة، وهو دعوة ورسالة سياسية في إقامة الدولة العادلة ومنعطف حقيقي لتوازن الشخصية العراقية بعد عهود من الاستبداد والحرب المعلنة على الإسلام والعروبة والعراق.

أرسل ملاحظاتك حول الموضوع