![]() |
|
شيعة العراق ومستقبل المعركة القادمة بين بغداد وواشنطن |
|
أحمد حسين إبراهيم
لا يخفى على الباحثين في التاريخ العراقي الحديث الدور الذي لعبه وقام به شيعة العراق في الدفاع عن السيادة والمقدسات والوحدة الوطنية للبلاد والوقوف جبهة واحدة في مواجهة الغزاة والمحتلين. والشيعة في العراق كان لهم قصب السبق في معرفة منطق المؤامرة الاستعمارية البريطانية - الفرنسية عام 1916 وهي المؤامرة التي قسّمت البلاد الإسلامية بين قوتي النفوذ الاستعماريتين آنذاك وكانوا من أوائل هذا القرن طلائع المجاهدين العرب والمسلمين الذين أسهموا في الذود لا عن العراق الواقع آنذاك تحت نفوذ السياسة البريطانية بل عن مناطق عربية وإسلامية واسعة خاضعة لنفوذ السياسة الفرنسية. وفي الوثائق التاريخية التي يحفظها الجيل العراقي الذي عاش تلك الفترة أن المرجعية الدينية آنذاك أرسلت كتائب الجهاد ومجموعات فدائية متطوعة إلى ليبيا لمساندة القائد الإسلامي عمر المختار، كذلك أرسلت كتائب الجهاد إلى الجزائر، وفي سنة 1919 فجرت المرجعية الدينية ثورة اجتاحت أغلب مناطق العراق ضد الاحتلال البريطاني ولمعت في هذه الفترة أسماء مرجعيات كبيرة كالميرزا الشيرازي والحبوبي والحكيم والحيدري كما كان للشيعة في العراق والمرجعية الدينية الدور الأكبر في تفجير الثورة العراقية الكبرى عام 1920 التي قادها الميرزا الشيرازي بدعم واسع النطاق وبيعة مشهودة من قبل العشائر العراقية في الفرات الأوسط. ومن مجمل هذه الثورات والانتفاضات الوطنية والإسلامية وقف شيعة العراق سداً منيعاً أمام العدوان والقوى السياسية الكبرى كما وقفوا يدافعون بأرواحهم من أجل كرامة الإنسان العراقي، ولم يقتصر شيعة العراق في نضالاتهم وجهادهم على المطالب الشيعية بل كانت مطالباتهم وطنية تعنى بالنسيج الاجتماعي والسياسي العراقي بقومياته ودياناته واتجاهاته المختلفة تشهد لهم بذلك أشواط التاريخ ومحطاته وثوراته. فلا غرو بعد ذلك أن توجه لشيعة العراق أحزاباً إسلامية ومرجعيات دينية وجمهوراً واسعاً يعد بالملايين السهام والاتهامات والتلفيقات والشتائم من قبل أبناء سلطة بغداد وأعلامها ورجالاتها وصحفها.. فقبل فترة قام (عدي) ابن حاكم العراق بفتح النار على واحد وعشرين مليون عراقي و(12) مليون مواطن شيعي عربي واتهامهم بأنهم أبناء زنى ويستخدمون العتبات المقدسة ملاذاً لممارسة المحرمات كاللواط والزنى وكذلك التجرؤ في الحديث عن الأئمة (عليهم السلام) والنكاية بهم مما لم يحدث به أعتى الزنادقة، أعداء المدرسة الإمامية على طول التاريخ. إن هذا الأمر يعد دليلاً ملموساً على الحقد السياسي والطائفي الدفين الذي تكنه السلطات الباغية على الشيعة ومفاهيمهم الإسلامية وطريقتهم السياسية في التصدي لإرهاب والسلطات المارقة وكفرها وجحودها وعدوانها على الله ورسوله والأئمة (عليهم السلام) وعلى الكرامة والسيادة والمقدسات كما أن هذا يعد إشارة واضحة على نزاهة التشيع وقادته ومرجعياتهم الدينية ونظافة الفكر السياسي الإسلامي الشيعي ووضوح مساراته ضد كل الذين يريدون الإساءة للإسلام وتصفيه وجوده الكياني في واحد من أعمق البلدان التصاقاً بالإسلام والحركة إسلامية، بل بالإسلام وحركته الشيعية الثورية. إن الحرب السياسية والنفسية والفكرية والاقتصادية الشعواء التي شنتها ويشنها النظام الطائفي في العراق ضد الشيعة ليست جديدة، بل إنها أضحت واحدة من عجائب الدهر وبوادر الزمان بالنظر لفداحة الخسارات الكبيرة التي منيت بها الحالة الشيعية والقتل والتنكيل الذي مورس ضد كل ما هو شيعي ودون استثناء ودون أي اعتبار لهؤلاء الذين كان لهم الدور الأكبر في صيانة وحدة البلاد وكرامتها. لعل هدف النظام الطائفي في العراق عبر إساءاته ومجازره بحق شيعة العراق يكمن في تصفية وجودهم الوطني كونهم هم المسؤولون عن تقرير مصير البلاد لأنهم أساس ومحور حركة التحرر والنهضة والوعي والثورة ضد الأجنبي ولأن النظام كان ولم يزل يشعر بأن الشيعة لا يمكن أن يسكتوا عن مطالب الشعب العراقي ما داموا يرون أنفسهم القوة الجماهيرية والسياسية والروحية القادرة على تقرير مصير البلاد ولأنهم لن يتركوا أمر البلاد ولو وصل الأمر إلى تقديم الأرواح، وهذا هو دأبهم ونهجهم على مر التاريخ. نحن نعتقد أن شيعة العراق الذين وقفوا ضد القوات الأجنبية وقاتلوها ثلاث سنوات متتالية ولم يسلّموا بغداد إلا على جثث كتاب الجهاد 1917 رغم التباين الشديد في القوة والعدد بينهم وبين القوات البريطانية، سوف لن يسلّموا البلاد ومستقبلها لقوات أجنبية بديلة، لكنهم في الوقت نفسه سوف لن يفرطوا بالفرصة التاريخية الكبيرة التي وفرتها وتوفرها التجاذبات العسكرية والسياسية المحتدمة بين السلطة العدوانية والإرهابية والطائفية في بغداد وبين السياسة الأمريكية، على قاعدة إسقاط النظام وإقامة حكومة وطنية ديمقراطية تلبي مطالب الشعب العراقي وتنبثق من قاعدة تمثيل كافة شرائح المجتمع العراقي الدينية والقومية والوطنية، وإلا لو مرّت هذه العاصفة بسلام على هذا النظام وأمكنه التغلب على قرار إطاحته الصادر من قبل الولايات المتحدة أكبر قوة في العالم، فإن هذا النظام سيرتد ثانية على شيعة العراق ليعمل فيه سيف القتل والإرهاب وربما سيواجه الشيعة العراقيون (ترانسفير) شبيه بالترانسفير الإسرائيلي الفلسطيني سيقوم النظام بتصفية الوجود الاجتماعي ويزيل شيعة العراق عن الوجود، وربما ستقدم بعض الدول على طريق قبولهم لاجئين أو نازحين أو بحجة الحماية الدولية (بتنظيف) العراق وإخلائه لصالح أسوأ نظام وأسوأ حاكم عرفه التاريخ!!. إن المطلوب هو تلاحم كافة الجهود الإسلامية والوطنية العراقية من أجل الإطاحة بهذا النظام ولا مانع أن يقوم الشيعة وهم أصحاب خبرة ودراية بالشأن السياسي العام وتجربة عميقة في معرفة خريطة التوجهات الدولية البريطانية والأمريكية بالتفاوض مع القوى الكبرى على أن يكون التغيير في العراق بيد الشعب العراقي وأن تتاح الفرصة من أجل تمكين العراقيين بمختلف اتجاهاتهم الدينية والسياسية لإقامة دولة المؤسسات بعيداً عن رقابة نظام سيئ ودولة سيئة وحاكم أسوأ. كما أن شيعة العراق الذين برعوا في كل المجالات وكانوا الند الحقيقي لكل الحضارات والمجتمعات قادرون على إزالة هذا الدكتاتور عن صدر العراق وقادرون أيضاً على تشكيل الدولة وإدارة البلاد وتعميق صلة العراق المفقودة مع المحيط والداخل والخارج وكل الفضاءات السياسية والثقافية في العالم، أما الذين يقولون بأن العراقيين غير قادرين على إدارة أمورهم بأيديهم فهو أشقاء صدام وأخوان علي المجيد وزملاء الجزراوي وسلطة الإرهاب في بغداد. وللعراقيين بعد سقوط النظام كلمة بحق هؤلاء الذين يرون صدام يقمع بالشعب وهم ساكتون لكنهم ترتفع عقيرتهم بالكلام عن العراق ووحدته حين يتعرض النظام للسقوط والهاوية والسكن بشقة مكيفة في (مزبلة التاريخ)!!.
|