رجوع

 

 

    الصفحة الرئيسية 

 

الخوف: الجذور والأسباب 1 / 2

 

العلامة الشيخ حسن الصفار

الخوف المفرط الذي يشل الفكر، ويرهق الجسم، ويمنع من التقدم وتفجير الطاقات، هو المرض الذي تعاني منه الأكثرية الساحقة من الناس..

إنهم يفرطون في خوفهم من كل شيء: من الفشل، التعب، الألم، السلطة، مراكز القوة، المستقبل، الموت... الخ.

وهذا الخوف هو المسئول عن شل قدرات الكثيرين، وتجميد طاقاتهم وكفاءاتهم، وبالتالي فهو المسئول عن قسط كبير من التخلف.

انه الخوف.. ذلك الشبح الذي يلاحق النفوس حتى إن البعض يخاف من ظله ومن أطياف نومه.. ولعلك تصادف البعض ممن يقصون عليك أحلام نومهم، وهم خائفون وجلون.

فما الأسباب والجذور التي يتكون وينمو بسببها هذا المرض الفتاك (الخوف) المفرط في نفوس كثير من الناس؟

ترى المدرسة اللاشعورية (مدرسة التحليل النفسي) إن الخوف - كباقي الأمراض النفسية - ذو أسباب (جنسية) بل وان الخوف - المرضي - الرهاب يعود إلى الضعف الجنسي للأفراد ودعم فرويد نظريته، بمجموعة من الأمثلة التي تنسجم مع مسلمات المنهج (الفرويدي).

ومعلوم - أيضا - إن المرحلة الأوديبية، في عمر الطفل، تعتبرـ المرحلة المركزية على صعيد الحياة النفسية كلها، وان الخوف الشاذ - الرهاب - له جذوره في طفولة الإنسان، وبالذات فان عدم قدرة بعض الأشخاص على تجاوز مشاكلهم (الاوديبية) هي التي تؤدي بهم الى هذه الحالات ونحن اذ نعالج اسباب مشكلة الخوف غير الطبيعي وأسبابه، نرفض الأخذ بهذه النظرية، لأسباب عدة:

أولا: إن هذه النظرية ثبت فشلها، بعد ظهور المدارس الأخرى، مثل المدرسة السلوكية، والمدرسة الشعورية (الفيزيولوجية) التي استطاعت أن تخطئ الكثير من مسلمات التحليل النفسي - الفرويدي.

ثانيا: إن العامل الجنسي، الذي يلعب دور المتغير الرئيسي في المدرسة اللاشعورية، يعتبر اليوم، وضمن آخر النظريات السيكولوجية، عاملا (مهما) وليس (بمحوري).

ثالثا: إن هذه النزعة (الجنسوية) التي استند إليها التحليل النفسي، قد أفقدته القدرة على تفسير العوامل الأخرى في النفس الإنسانية تفسيرا علميا، يرقى إلى المستوى المطلوب.

كذلك نحن لا نستطيع أن نقبل العلاقة بين النظرية (الفرويدية) القائلة (بجنسوية) الرهاب أو الخوف، وبين ظاهرة (الاغورافوبيا) التي هي حالة من الرهاب تكتنف الإنسان في الأماكن الوسيعة، المفتوحة؟! ربما في النظرية السلوكية (عند بافلوف) قد نجد، نوعا من البسط والاتساع في مفهوم الظاهرة النفسية، ذلك إن الخوف هنا ليس سوى رد فعل نفسي، سببه العادة، التي قد تكون (التربية السيئة) أهمها، وتجربة (بافلوف) حول (الكلاب) جعلته يصل إلى نتائج مفيدة في حقل الأمراض النفسية.. كما وفرت إمكانيات العلاج..

وعلى أي حال، فان مجال الدراسة النفسية، هو أوسع مما حددته المدارس النفسية الغربية، لأنها لا تفعل أكثر من استقراء النتائج من تجارب محدودة اكلينيكيا وفي أوساط وبيئات لها خصوصياتها الاجتماعية والنفسية والجغرافية وبعض الشعوب أكثر خوفا من الأخرى.. والشعوب التي تعيش في البيئة الديكتاتورية، تكون أكثر عرضة للرهاب من التي تعيش أجواء الحرية..

إذا يمكننا الحديث عن الأسباب والجذور، من جوانبها المتعددة، متجاوزين النظريات ذات الاتجاه الواحد، مع مراعاتنا لخصوصياتنا الاجتماعية والنفسية والتاريخية.

لذلك يمكننا الحديث عن الأسباب والجذور التالية:

الوراثة

موضوع الوراثة، وانتقال الصفات والخصائص الجسمية والنفسية، من الآباء والأمهات إلى الأولاد، واضح بالمشاهدة، وثابت بالبحوث العلمية ومشار إليه في كثير من النصوص الدينية.

فتارة ما نلاحظ التشابه واضحا بين شكل الولد وبين شكل احد والديه.. كما نلاحظ احتفاظهم ببعض صفاتهما الأخلاقية والسلوكية..

وعلميا توصل العلماء بعد جهود عظيمة ودقيقة، إلى أن في الخلية التي يبدأ منها تكون الإنسان توجد نواة بيضية الشكل ذات جدار مرن توجد في داخلها أجسام صغيرة، تظهر عند انقسام الخلية، سموها (الكروموسومات)، وتحوي كل خلية لدى الإنسان (48 كروموسوما) ولهذه الكروموسومات أجزاء صغيرة جدا يبلغ عددها العشرات والمئات تسمى (الجينات) وهذه هي التي تؤثر في نقل الصفات الوراثية..

وعن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام): (حسن الأخلاق برهان كرم الأعراق).

والخوف المفرط صفة نفسية قابلة للانتقال والتوارث..

وينقل لنا التاريخ رواية جميلة عن الإمام علي (عليه السلام) يؤكد فيها على تأثير العامل الوراثي في نقل وتركيز صفة الخوف بالذات، في نفس الولد، ففي واقعة الجمل كان (محمد بن الحنفية) ابن الإمام علي (عليه السلام) حامل لواء الجيش فأمره الإمام بالهجوم فأجهز على العدو ولكن ضربات الأسنة ورشقات السهام منعته من التقدم فتوقف قليلا.. وسرعان ما وصل إليه الإمام وقال له: (احمل بين الأسنة) فتقدم قليلا ثم توقف ثانية فتأثر الإمام من ضعف ابنه بشدة واقترب منه وضربه بقائم سيفه وقال له: (أدركك عرق من أمك)؟! (ابن أبي الحديد عبد الحميد / شرح نهج البلاغة ج 1 ص 243 ـ الطبعة الأولى دار الجيل 1987م ـ بيروت ـ تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم).

فهنا يثبت الإمام (عليه السلام) إن الجبن والخوف الذي ظهر واضحا في ابنه محمد ليس موروثا منه لأنه لا يعرف للجبن معنى قط فلابد وان يكون من أمه.

أرسل ملاحظاتك حول الموضوع