|
|
|
|
|
|
واشنطن ومعركة رفع العقوبات عن العراق |
|
مصطفى رجاء ما أن وضعت الحرب الأمريكية ـ البريطانية ضد العراق أوزارها لتنتهي مع توقف العمليات العسكرية الرئيسية، وسقوط سلطة نظام صدام التكريتي، حتى بدأت الولايات المتحدة خوض غمار معركة النفط والإعمار في العراق وبأسلحة الدبلوماسية والصراع السياسي داخل أروقة الأمم المتحدة وفي مجلس الأمن الدولي بالذات. فمجلس الأمن بدأ منذ الجمعة الماضية مناقشة مشروع قرار أمريكي يدعو إلى رفع العقوبات المفروضة على العراق والتي كانت المنظمة الدولية قد أقرتها إثر غزو نظام صدام الكويت صيف 1990، ولا زالت نافذة إلى اليوم، كما يهدف المشروع إلى منح القوات الأمريكية المتواجدة على الأراضي العراقية سلطة الأشراف على الاقتصاد العراقي لمدة عام. وتريد الإدارة الأمريكية للرئيس جورج بوش أن يتم تبني القرار في موعد أقصاه الثالث من حزيران يونيو (المقبل) وتأمل أن تجتاز العقبات الكثيرة آليت قد تعترض سبيل إقراره، فالمشروع يواجه انتقادات عدة، ودول أوروبية وأخرى غيرها اتهمت واشنطن بأنها تسعى من خلاله إلى السيطرة على صناعة النفط العراقية، واحتكار الحصة الأكبر من مشاريع الاعمار والاستثمار المنوي الشروع بتنفيذها في العراق قريبا، ولغرض إقناع بعض الأطراف الدولية التي تشهر اعتراضاتها على بعض بنود المشروع الأمريكي، فان إدارة الرئيس بوش أوفدت إلى كل من ألمانيا وروسيا مبعوثا لها للبحث في أمر رفع العقوبات عن العراق، والتنسيق مع هذه الدول لاحتواء اعتراضاتها على المشروع وتمريره، فيما وصفت واشنطن الاتهامات التي وجهت إليها بأنها تنوي وضع اليد على النفط العراقي تحت غطاء رفع العقوبات الدولية بأنها (بلاهات سخيفة ومرفوعة). وقد عززت بريطانيا من جانبها إدانة هذه الاتهامات، الموجهة إلى كل من واشنطن ولندن، حيث رد احد كبار مسؤولي وزارة الخارجية البريطانية خلال حديث له للصحافة، على ذلك، ومن كونهما يسعيان إلى إعطاء مجلس الأمن والأمم المتحدة دورا (تجميليا) أو متواضعا في العراق بعد تحريره من سلطة صدام المنهارة، بأنها اتهامات غير دقيقة على الإطلاق، معتبرا أن تعيين منسق خاص للعراق، والذي تشمل مسؤولياته تنسيق النشاطات المختلفة بين الأمم المتحدة والوكالات الدولية العاملة في مجالات المساعدات الإنسانية وإعادة الاعمار في العراق، والتنسيق مع السلطة العراقية الجديدة، إنما يهدف إلى مساعدة الشعب العراقي بكل الوسائل ومختلف المجالات حسب قول المسؤول الذي شدد كذلك على أهمية رفع العقوبات باستثناء تلك المفروضة على الأسلحة العراقية، لأن مبرر بقاء هذه العقوبات قد زال مع زوال نظام صدام، مبينا أن ذلك هو ما يتضمنه أساسا المشروع الأمريكي ـ البريطاني المعروض حاليا على مجلس الأمن، والذي من المؤمل أن يتم إقراره في النهاية، مع كونه قابلا للتعديلات الممكنة على ضوء بعض المقترحات المقدمة بهذا الشأن فرنسا الطرف الأوروبي والأطلسي البارز الذي يتصدر لائحة الاعتراضات والتعديلات الواجب إدخالها على المشروع الأمريكي، أعلنت إنها تريد لمنسق الأمم المتحدة في العراق أن يلعب دورا أكثر أهمية من الدور الممنوح له في مشروع القرار الأمريكي، مؤكدة أن باريس ليست معزولة وستتعاطى مع المشروع بـ (انفتاح). وخلال زيارة لبولندا، أكد الرئيس الفرنسي جاك شيراك أن الأمم المتحدة يجب أن تلعب دورا مركزيا في إعادة إعمار العراق، مضيفا القول أن (الهدف من هذا الاعمار هو الإصلاح السياسي والاقتصادي، وإعادة السيادة لهذا البلد في أسرع وقت ممكن...، ونحن مقتنعون انه لتحقيق ذلك وتحقيق تطلعات الشعب العراقي يجب أن تلعب الأمم المتحدة دورا مركزيا، مؤكدا أن ذلك هو رأي الغالبية العظمى لأمم العالم ودوله). أما المندوب الفرنسي في الأمم المتحدة جان مارك دي لاسابليار في ختام محادثات المجلس قال (إن باريس ترى إن الدور التنسيقي للأمم المتحدة يجب أن يعزز خصوصا في المجال السياسي). من جانبه شدد دومينيك دوفيلبان (على ضرورة انخراط الأسرة الدولية في إعمار العراق من خلال دور مركزي للأمم المتحدة، معتبرا أن هذا الدور لابد منه لضمان الشرعية... ونبه إلى حتمية التعامل مع مرحلة ما بعد الحرب على العراق بطريقة تسمع بتلبيته الحاجات الإنسانية والأمنية الملحة، والعمل في الوقت ذاته لضمان نجاح العملية الانتقالية السياسية). وأشار دوفيلبان إلى مشروع القرار الأمريكي في مجلس الأمن لرفع العقوبات عن العراق مؤكدا أهمية (الرد على الأولويات المطروحة في هذا البلد وهي: نظام العقوبات ونزع التسلح وإدارة الموارد النفطية، إضافة إلى تحديد المخرج الملائم لبرنامج النفط مقابل الغذاء). وفيما يخص المرحلة الانتقالية في العراق فقد رأت مصادر فرنسية ينبغي أن تكون مماثلة لما حصل في أفغانستان حيث كان هناك مبعوث للأمم المتحدة تتعاون معه السلطات الانتقالية مشيرة إلى أن المضمون السياسي لمشروع القرار الأمريكي يشكل مشكله بالنسبة إلى فرنسا التي لديها أفكار ستعمل لطرحها، وإذا تعذر التوافق حولها ستكون هناك خيارات، على صعيد النهج الذي تؤيده باريس. واستدركت المصادر إذا رفضت الولايات المتحدة مثلا الدور المركزي للأمم المتحدة، فأن فرنسا قد تلجأ إلى طلب إلغاء أي دور للمنظمة الدولية في العراق لئلا يكون غطاء للاحتلال (الأمريكي). وأشارت إلى أن بريطانيا دعت فرنسا إلى عدم الأقدام على مثل هذا الخيار، لأن المتشددين في واشنطن قد يستخدمونه كي يستبعدوا الأمم المتحدة كليا من العراق. روسيا هي الدولة الأخرى التي تتقاطع مع فقرات في المشروع الأمريكي المعروض على مجلس الأمن، وتشدد على أهمية إدخال تعديلات لتوضيح مدة ما تسميه بـ (الاحتلال) ، ودور المنسق الدولي وموقع الحكومة العراقية المؤقتة ومصير العقود الموقعة ضمن برنامج النفط مقابل الغذاء. وقال نائب وزير الخارجية الروسي يوري فيدوتوف أن في المشروع (جوانب إيجابية لكن صياغة عدد من بنوده ليس واضحة بدرجة كافية). وفي السياق ذاته لاحظ حقوقيون في وزارة الخارجية الروسية أن المشروع لم يحدد (تناسب الصلاحيات بين سلطة الاحتلال والحكومة العراقية المؤقتة التي ستشكل لاحقا، كما إنه لم يوضح شكل ومواعيد نقل السلطة والصلاحيات إليها). وتخشى روسي من أن تتكبد شركاتها خسائر في حال تطبيق الفقرة 17 التي تحدد فترة أربعة أشهر لأنهاء تنفيذ الالتزامات في شأن العقود الموقعة في إطار برنامج النفط للغذاء، من دون أن توضح هذه الفقرة مصير العقود التي سيتم تنفيذها أو يتقرر تعطيلها، كما لم تحدد الجهة التي ستدفع تعويضات الشركات. وفي ظل أجواء المعركة الدبلوماسية المحتدمة داخل مجلس الأمن بخصوص الشأن المستقبلي السياسي والاقتصادي للعراق، فأن أنظار المراقبين والمحللين تبقى مشدودة نحو نيويورك بانتظار ما ستؤول إليه النتيجة في نهاية المطاف. |