رجوع

 

 

    الصفحة الرئيسية 

 

أيتام بلا مأوى!

 

رياض الحسيني*

ربما تُعد حسنة لم يكن قد سعى إليها النظام البعثي البائد في العراق، ألا وهي رعاية دور الأيتام التي ضمت بين جوانحها مئات من المشردين والأيتام من فتيان وفتيات بعمر الزهور. وفي ذات الوقت فهي إحدى اكبر جرائم النظام حينما يتسنى لنا معرفة سبب تيتم هؤلاء الصبية في زمن الحرب وتقليد أنواط الخزي والعار.

في الوقت الراهن وبعد سقوط النظام البعثي الفاشيست في العراق، بات هؤلاء المحرومين في زمن الحرب والسلام بلا رعاية حقيقية. باتوا يفترشون أرصفة طرقات بغداد السلام ويلتحفون السماء، ولا يجدون إلا القمامة لسد الرمق (إن وجدوا شيئا منها يؤكل)؟! وفي الوقت الذي تردد فيه حناجرهم البريئة المفعمة بروح الأمل أغاني الحرية والمستقبل المشرق، فإنهم لا يجدون غير المياه الآسنة للاستحمام! وفي الوقت الذي لا يجدون فيه تفسيرا لما يحدث حولهم وما سيئول إليه مآلهم، فإنهم لا يجدون بدا من ترديد شعارات الحزن ومواويل بكائية. فالحدث ضخم بكل المقاييس ويمكن تحسسه، كما إن للأبرياء حاسة لا يمتلكها الملوثين والمرضى والمعوجّين.

ربما يكون لهم عالمهم الخاص لبعض الوقت، لكن ما أن يُدركوا هول الخطب والمصاب الجلل حتى تتقلب بهم الدنيا وتأخذهم رحاها في دورة الزمن المرعب ليعود الزمن من حيث بدء وكأن الدنيا لم تتحرك قيد أنملة. وإذا كانوا اليوم لا يملكون سوى حناجر رقيقة فإنهم حتما سيصحون يوما وقد تخشنت تلك الأوتار الصوتية لتتحول إلى أصوات غوريلات مرعبة! وإذا كانوا لا يملكون اليوم سوى أصابع ناعمة، فإنها ستتحول يوما ما بفعل فاعل إلى أطراف أشبه بأطراف الكواسر والوحوش التي لا تفرق بين الحرث والنسل؟! وإذا كان اليوم يوم لعب وأغاني وهزل، فهل سيبقى الأمر كما هو عليه حينما يشب حملة اليتم ليصحوا يوما على حقيقة الحرمان والعقد الاجتماعية من قبيل الأنانية، وحب الذات، والصراع من اجل البقاء؟!

ما يزيد من معاناة أولئك الأيتام فضلا عن اليتم البيولوجي هو اليتم السياسي والتجاهل الاجتماعي الذي يضج به الشارع العراقي في تلك الفترة الحرجة من حاضر ومستقبل الأمة. ولان كل حزب بما لديهم فرحون، فقد تجاهلت كل التيارات العراقية تلك المسألة الإنسانية فلم تثر مراكز الأيتام وبيوتاتهم الخاوية شهية أي طرف بما فيهم قوات التحالف، أصحاب الإنسانية ودعاة الديمقراطية والتحضر واحترام الإنسان ! وفي الوقت الذي كان يتأمل أولئك الأطفال رعاية أفضل وحنان اصدق، إلا أنهم لم يجدوا حتى من يسأل عن حالهم ويدبّر أمورهم. وأستطيع القول جازما إنهم كانوا يتمنون أن تزين بيوتاتهم الممزقة كملابسهم وأشلائهم البريئة لافتات الأحزاب وشعارات التيارات من مختلف الملل والنحل. فعلى الأقل كانوا سيحسون بأنهم مهمون وإنهم جزءا من هذا المجتمع. لكن يبدو أن تياراتنا قد آثرت السلامة كعادتها وسلّمت لجلادها طمعا في فتات ربما يأتي موعد حصاده أو لا يأتي؟! كانوا يتطلعون إلى غسيل حزبي مماثل كالذي طرأ فجأة على اغلب المؤسسات الحكومية والمراكز الفخمة التي احتلتها الأحزاب القادمة من وراء البحار. كانوا يتوقعون أن يلتقي اليتيم بأخيه اليتيم الآخر في عناق بعد طول فراق، ففهمهم للحياة يؤكد أن اليتم واحد إذ لا فرق بين اليتيم السياسي واليتيم البيولوجي!

لا استنكر على احد بدءأ من دعاة الثقافة ودعاة الحرية والديمقراطية، ودعاة فلسفة التوازن الطائفي، ومرورا بالأحزاب اليمينية واليسارية والوسطية، وليس انتهاءا بأقصى اليمين وأقصى اليسار، ولا بدعاة العهر القبلي. لا استنكر على كل هؤلاء وأولئك فعلهم في السعي الحثيث إلى السلطة وطلب العافية، بقدر ما أستطيع الجزم أن بناء نفسية وعقلية يتيم وتربية إنسان لا معيل له إنما تفوق ما يحلم به الحالمون ويطلبه المطبّلون. إن الالتفات إلى تربية وتنشئة الجيل أولى بالاهتمام من تفريخ الأحزاب والتيارات. وإذا كانت الإدارة الأمريكية قد آثرت الاهتمام بعقود النفط والاستثمارات وعقود الاعمار، فانه يتوجب علينا نحن أبناء البلد الذين عانينا لسنوات عديدة ظلم وقهر سلطة جائرة مستبدة أن نعي إن ترك هؤلاء الزهور في الشوارع والأزقة يعني إيجاد المناخ المناسب لعودة دورة الزمن من جديد. وان افتقاد الأيتام للرعاية المطلوبة والحنان والعطف والشفقة إنما ينذر بكوارث اجتماعية لا آخر لها، خصوصا إذا أدركنا أن التسيب يولّد الشواذ، والأخير بدوره يصنع المجرمين الذين لا رادع لأحدهم من اعتلاء السلطة والتحكم في رقاب الجميع. وقتها فقط ندرك إننا كنا مقصرين لنعود إلى زمن الثكالى والبكاء والعويل، بينما قد أتم الزمن دورته ونحن لازلنا نراوح في مكاننا الأول وكأننا موتى بلا حراك.

إعلامي عراقي

أرسل ملاحظاتك حول الموضوع