رجوع

 

 

    الصفحة الرئيسية 

 

هوامش نقدية على واقعنا السياسي

 

أحمد شهاب*

 

(إذا عارضت هذا النظام أشعر بأني خائن، وإذا أيدت هذا النظام أشعر بأني خائن ، فماذا أفعل ؟ هل أنتحر؟) غالي شكري

مجتمعنا السياسي كغيره من المجتمعات العربية والخليجية بحاجة ماسة لدخول بوابة التجديد من أوسع أبوابه ، فلن تتيح المتغيرات المتسارعة من حولنا مزيدا من التلكؤ أو التفكير في أن نجدد أو لا نجدد ، بل لا بد من المسارعة في استحداث إصلاحات شاملة تصل في بعض القطاعات إلى تغييرات جذرية وجوهرية .

هذا التجديد لا يختص بمعالجة الظواهر وتغليف البنى والنظم التقليدية بأغلفة الديمقراطية والمؤسسات على طراز الدولة الغربية ، فهذه التحديثات لا جدوى منها إذ ستعود بطريقة وأخرى لقواعدها المجتمعية القديمة ، وستمارس تحت مظلتها أسوء أنواع التمييز والطبقية والطائفية .

المطلوب تحديدا استحداث ثقافة جديدة تقطع عن الثقافة السياسية السابقة ، وتبني لنفسها خطابا جديدا يقوم على تخفيض صلاحيات الدولة مقابل زيادة صلاحيات المجتمع ومؤسساته الأهلية ، فلا يمكن بناء الدولة بناءا حقيقيا دون مشاركة مباشرة وفاعلة من المجتمع ، إذ سيكون مشروع البناء في إتجاه وحركة المجتمع في إتجاه آخر مناقض له ، وهي حركة لن تكون في أي حال منسجمة بل ستظل متفرقة وكل فئة سوف تتحرك ضمن مصالح ضيقة ومحدو! دة وهو ما سوف يُشعل من التناقضات والمصالح المتضادة ويشجع على نمو التفكير الفردي والفئوي .

إن إعتماد الدولة في الكويت على الولاءات القبلية والطائفية ، وتخلفها في الكثير من الميادين السياسية يجعلنا نقرر أنها لا تزال في طور المشروع ( مشروع دولة ) ولم ننجح حتى الآن في تثبيتها كدولة بالمفهوم الحديث ، كما أن المجتمع الكويتي لا يزال في طور المشروع ( مشروع مجتمع ) وليس مجتمعا سياسيا فهو الآخر يعاني من التمزقات ويفتقد ! القدرة على الإنسجام ، وتكفي إثارة بسيطة لتوقع بين المختلفين في الساحة ، إختلاف يصل حد التكفير والرغبة في الإلغاء ، وعدم إحترام الآخر .

ولا زالت بعض فئاته تعتبر نفسها وقبيلتها أولى بالدولة من غيرها ، كما تشعر فئات أخرى بأنها ( طبقة عليا ) لها حق تجاوز القوانين ، وتقلد المناصب القيادية ، بينما تخالج قطاعات واسعة مشاعر الإحباط كونها عاجزة عن أخذ حقوقها الطبيعية ، ومحرومة من بعض الوظائف العليا على المستوى الوزاري مثلا مهما حصلوا من تعليم أو امتلكوا من كفاءة .

إن ربط مستقبل السلطة بمجموعة أفراد ومجموعة قيم فردية لا يخدم عملية نهوض الدولة ومشروع استقرارها ، وستزيد التوترات الإجتماعية من ضعف الدولة وتراكم من سلبياتها ، بما يوجب تحويل السلطة من ممارسة نخبوية ضيقة إلى مشاركة عامة ، وترسيخ مفهوم (الجهد الجمعي) في بناء الدولة والمجتمع ومحاربة ثقافة (الفرد الحديدي) الذي يستطيع أن يحقق كل الإنجازات لوحده ، وينسب كل الإنجازات ! لنفسه .

وهو ما يستدعي ضرورة التقليل من صلاحيات الدولة وزيادة صلاحيات المجتمع ، فنحن بحاجة إلى دولة ذات دور محدود تقوم بمهماتها بصورة محايدة بحيث يشعر الجميع بالمساواة أمام القانون ، والمساواة السياسية ، وبحيث يمتلك الجميع صلاحيات التعبير عن الرأي وتقلد المناصب القيادية العليا بغض النظر عن انتماءه الديني أو العرقي أو العائلي .

ويبدو من خلال تتبعنا منذ سنوات ماضية وحتى الآن أن الدولة في الكويت لن تستطيع أن تفعل وظائفها الحضارية ، إلا عبر وضع خطة مدروسة تعيد الدولة لحجمها الطبيعي وتعيد للمجتمع دوره المفقود ، مجتمع تسوده قيم التسامح ويحكمه القانون ويكون فيه الإنسان بغض النظر عن انتمائه محترما ، وحقوقه السياسية والإجتماعية والثقافية مصانة .

فلا يحق لنا تحويل مأساتنا السياسية إلى موضوع نشرحه على مائدة البحث والحوار الإجتماعي والتاريخي والإقتصادي ، بدلا من التحزب قوميا أو دينيا ، ليبراليا أو أصوليا ؟؟ وألم يحن الوقت للشروع بدراسة الأزمات السياسية ومناقشتها في الأوساط الثقافية والسياسية ، وعلى مستوى النخب الفكرية والشعبية وإعطائها ما تستحقه من إهتمام وحوار موضوعي يتسم بالجدية والحياد بدلا من الصمت أو الصراخ دون أن يفهم أحدنا ماذا يريد ال! آخر ؟

* كاتب كويتي

AHMED_HJ@HOTMAIL.COM

أرسل ملاحظاتك حول الموضوع