رجوع

 

 

    الصفحة الرئيسية 

 

تأمل في المرجعيات : استكشاف سر خلود العراق والعراقيين

 

د‌.سيار الجميل
sayyarjamil@yahoo.com

مؤرخ عراقي مقيم في تورنتو / كندا

لا يتصور المرء ان موضوعا مثل هذا الذي اعالجه اليوم بسيط في اقتحامه او سهل في معالجته فالاخطر في استنتاجاته خصوصا ونحن نمر اليوم في مرحلة تاريخية فاصلة من حياة العراق والعراقيين الذين ستكون تجربتهم على مدى خمس سنوات قادمة وحتى العام 2009 مثالا حيا ونموذجا ساطعا لمتغيرات هائلة في حياة المنطقة التي يسمونها منذ خمسين سنة بمنطقة الشرق الاوسط! وكثيرا ما كان اصدقائي الاعزاء وطلبتي النجباء يسألونني على امتداد اكثر من عشر سنين ومنذ العام 1990: ما الذي تتوقعه بعد انفلات الامور من عقالها في ذلك العام؟ كنت اجيب: ترقبوا العام 2009 ان كنا سنحيا حتى ذلك الوقت! فكان هناك من يلومني وهناك من يتشاءم وهناك من يتأمل وهناك من يحتار وهناك من يستطرد مستفهما ليقول : كيف استطعت حساب ذلك؟ فأقول : دعوا عنكم الاجابة، فثمة استنتاجات مؤكدة تشير عندي الى زحمة التحولات الساخنة ابان العقد الاول من القرن الواحد والعشرين.. وهذا ما استطعت نشره او التلميح به في اكثر من رؤية او دراسة او مقالة او كتاب منذ العام 1990! تلك (السنة) التي تحول فيها الصراع من الاقليمي الى الدولي بعد ان وضعت الحرب العراقية ــ الايرانية اوزارها الاقليمية العام 1988 واندلعت الحرب العراقية ــ الدولية اثر غزو الكويت العام 1990! فالعراق هو الذي شغل العالم بمشاكله الداخلية والعربية والاقليمية والدولية على امتداد العقدين الاخيرين من القرن العشرين.. وان استقرار المنطقة سيبدأ من حيث يرتّب العراق شؤونه الداخلية على امتداد العقد الاول من القرن الجديد..
لماذا يطالبنا واقعنا باستكشاف اسرار العراق والعراقيين؟
أثارت بعض الطروحات التي نشرتها عن العراق والعراقيين جملة من الاسئلة العراقية والعربية وخصوصا عندما قلت استنادا الى بديهيات لابد من العناية بها ويشاركني في ذلك اغلب الناس بأن العراق بلاد صعبة وان المجتمع العراقي صعبا للغاية! وفي صعوبة كل من الاثنين جملة هائلة من المسلمات والموجبات وقبل ان اذهب بعيدا في تحليل المواصفات والركون الى المرجعيات لابد ان نجيب علي السؤال الذي اقترحناه حول مطالبة واقعنا اليوم باستكشاف كل من العراق والعراقيين! نعم، لا يمكن ابدا معالجة ما حدث وما يحدث اليوم من متغيرات قوية وتحولات ربما تكون مخيفة للبعض في تاريخ العراق بانتقالاته التي يمكننا ان نتأمل نتائجها المصيرية من بعد.. لا يمكن ابدا ان تلوكها السنة اولئك الذين لا يفقهون معاني كل من العراق والعراقيين وهم ينّظرون علي البعد جملة من الابعاد وكلها بائسة وقميئة وبليدة ولا تدرك اولى المسلمات الاساسية وهذا ما تشحن به اجهزة الاعلام العربية وغيرها المقروءة والمرئية والمسموعة ليل نهار! ولا يمكن ايضا ان يفتي بمثل هذه التحولات الصعبة كل من هم ودب من الجهلاء والمتخلفين والمتعصبين والمنحازين والمؤدلجين والمرتزقة والمنتفعين.. الذين ليس لهم اي تفكير وبعد نظر في فلسفة التاريخ والاشياء والمتغيرات..

من يمتلك مثل هذه المرجعيات؟
لقد اطلعت ليلة امس بالصدفة على كتاب صدر عن العراق قبل ايام باللغة العربية كتبه كاتب عربي مشهور ــ وستكون لي معه قريبا جولة نقدية احاول شرحه للقارئ الكريم ــ، دعاني هذا كله للدعوة الى محاولة استكشاف معاني العراق والعراقيين لمعرفة الاجابة الحقيقية على سؤال يطرح نفسه منذ دهور: اين تكمن صعوبة العراق والعراقيين؟ واين تكمن قوتهم الحقيقية؟ ما مواطن ضعفهم التي لابد ان تعلن من دون مواربة او تزييف وبكل حرية وشجاعة؟ وهنا ادعو العالم كله للتأمل قليلا ليس في الخلط المبهم الذي ينشر اليوم على الناس في كتب ومجلات وجرائد، بل للتأمل في غرابة المرجعيات المتنوعة التي لا يمتلكها غير العراق والعراقيين.. ولما كانت المرجعيات لها غرابتها واعماقها السحيقة، فان ذلك كافيا لاستغراب كل انعكاساتها وتأثيراتها في الحاضر وصياغة اساليب المستقبل ضمن هذا المجال الجغرافي العجيب الذي يتمركز في قلب محيط يسمونه بـ الشرق الاوسط!
ما معنى ان يبحث العراقيون منذ القدم في اساطيرهم الميثولوجية عن سر الخلود؟ ما معنى انهم اقدم مجتمعات هذا المحيط؟ ما معنى وجود حالة الطوفان منذ آلاف السنين في اقدم ملحمة بشرية صنعها العراقيون؟ ما معنى وجود اقدم قانون لحمورابي لم يزل العالم يستنشف منه رؤي متجددة؟ ما معنى وجود اصعب سجل لمشكلات مزمنة في تواريخ الارض الزراعية ومشروعات الري؟ ما معنى انبثاق الاديان السماوية ها هنا؟ ما معنى وجود اقدم الحضارات المتنوعة في هذا الوادي الخصيب؟ ما معني وجود اقدم مكتبة في التاريخ لآشوربانيبال؟ ما سر انشغال كل العالم بهذا المكان الاسطوري منذ تواريخ اكسنافون الاغريقية حتي تواريخ ارنولد توينبي المعاصرة؟ وشبيه الشييء منجذب اليه : ما معنى سر انجذاب كل العالم الى هذا المكان الساحر من عهد الاسكندر المقدوني الغابر الي جورج بوش الابن المعاصر والحبل على الجرار؟ ما معنى القداسة وولادة اولي الكتب المقدسة في بابيلون؟ ما معنى عشتار وتموز والشمس؟ ما معنى ان نجد مناخا قاريا في العراق لوحده بحيث نجد العراقيين يخترقون ببساطة تناقضات صارخة لما بين 50 درجة مئوية وتحت الصفر مئوي؟ وما معني ان يتنقل البدو الرحل في الصحاري العراقية المحرقة بحثا عن رشفة ماء آسن في حين تمتد مجتمعات عراقية قديمة جدا في بحيرات وانهار واهوار لمياه زرقاء عذبة علي مساحات هائلة؟ ما معنى وجود تاريخ مزدحم في كل من شقيه السياسي والحضاري معا.. ويمتد اطول مركز خلافة اسلامية في بغداد! واطول مركزية حضارية للعرب المسلمين في التاريخ! ما معني وجود اقدم الفئات السكانية التي تتميز مجتمعاتها بثقافتها الانثربولوجية العراقية القديمة جدا فهل يزاحمنا احد بوجود يهود ويعاقبة شرقيين وصائبة مندائيين واطياف من السريان والكلدانيين والجرامقة والاثوريين والاكراد البهدينانيين والسورانيين.. وغيرهم الذين تغور اعماقهم في العراق منذ الاف السنين؟ ما معنى ان تجد تراثات غاية في التنوع والتعدد والجماليات والغرائبيات التي لم يكتشفها اصحابها العراقيون حتى اليوم بعد؟

العراقيون مَن يفهمهم ويقّدر سحر تناقضاتهم وتنوعاتهم؟
العراقيون عالم غرائب وعجائب ربما لم يدرك قيمته اصحابه انفسهم فكيف نريد من الاخرين المخلصين والمتطفلين والمعادين : فهمه وادراك فضاءاته التي تستعصي كثيرا من دون حالة اختراق حقيقي للكشف عن المعاني الحقيقية لا الفلسفية والواقعية لا التنظيرية! ان مشكلة العراقيين ازاء الاخرين هي الكامنة في خصوصياتهم التي تقبل التأويلات فهي منكشفة لمن يريد التحري والبحث والاستكشاف. وان حاجة العالم كله اليوم مطلوبة لمثل هذا الاستكشاف بدل ان نقرأ ما قالته البريطانية المس غروتورد بيل قبل ثمانين سنة من ان العراقيين جماعة نهرية ذكية خارقة بعد ان عايشتهم سنوات طوال مقارنة بما كتبه سكوت ريتر في احدى مقالاته الامريكية قبل ثمانين يوما بأن العراقيين مجموعة من اذكى السلابة والنهابة في هذا الوجود! صحيح ان الاربعين حرامي خرافة ادبية لكنها تجسدت حقيقة امام كل العالم وقد اصبحوا اليوم بالالاف في شوارع بغداد.. ولكن من دون ان نسأل : من الذي جعلهم بمثل هذا المستوى من الرداءة والخسة؟ وهل ان الرداءة مقياس للجميع من ملايين العراقيين الطيبين؟ ان العراق يخلق التحديات دوما لاهله العراقيين الذين عرفنا كيف ينتفضون ويثورون بعد ان تؤججهم العاطفة الحارة! وعرفناهم يزحفون وهم يبكون بكاء صعبا ويلطمون باكفهم على صدورهم تعبيرا عن رغبة جامحة بالنقاء ففي ذلك تطهير رائع للروح عبر جلد ذاتي وحقيقي ومباشر لها! وعرفناهم يمجدون زعمائهم وملوكهم ويرفعونهم فوق رؤوسهم ويفدونهم بالروح والدم كالالهة.. وما ان تسقط العروش والاصنام حتي يضربونها بالاحذية او يسحلونها في الشوارع! وقد قلت منذ سنوات طوال : ان مشكلتهم الصعبة في حكم انفسهم بانفسهم من دون ديمقراطية حقيقية تحكمهم وقوانين صارمة تردعهم واقرأوا تاريخهم تعرفونهم منه.. العراقيون يعتزون بارواحهم وانفسهم ومشاعرهم وانسابهم واعرافهم وتقاليدهم.. ويا ويل من يجرحهم في مشاعرهم؟ فكيف بمن يثير الحرب ضد معانيهم .. قد لا يلتفتوا الى مصالحهم ابدا، ولكن يقيمون الدنيا ولا يقعدونها اذا مست كرامتهم او رموزهم! ربما لا يلتفتوا الى دواخلهم فعيونهم دوما نحو الاخر اي نحو الدنيا، ولكن ثمة روابط شديدة عجيبة لا تفصل مشاعرهم الحقيقية عن ترابهم الأم! مجتمع يعتز بذاكرته ومواريثه اعتزازا كبيرا مهما كانت تلك المواريث القديمة في طبيعتها والوانها واشكالها وكل مقاييسها وحتى رداءتها انظروا الى متعتهم وهم يتلذذون باكلاتهم العريقة، وباحاديثهم السياسية الساخنة في المقاهي والمجالس والتي اخرسهم النظام السابق عنها!! وعشقهم للانفتاح والحريات،  ومن يذهب بعيدا في فحص الصور الشعرية التي يخلقونها، لا اعتقد البتة ان يضاهيهم فيها احد سواء في قصائدهم او ازجالهم او شعرهم الشعبي أو امثالهم الشعبية! والعراقيون دنيا واسعة من المفارقات التي لا تنسجم مع بعضها البعض بسهولة فلكل مدينة او حتى محلة وقصبة شخصيتها ولها خصوصيتها.. وكل عراقي عالم قائم بذاته منفصل عن الاخر في افكاره واهتماماته وهذا جانب على منتهى من  الخطورة، اي ان من الصعب والعسير جمع ولاءاتهم جميعا من دون ان يكون هناك اسلوب معين في تغليب رأي الاكثرية على الاقلية.. ولكن المشكلة على نوعين، فليس كل ما تريده النخب يتوافق مع نزوعات الاكثرية.. وليس كل ما تقرره الاغلبية يمكن ترضخ له الاقلية وهنا اقصد النخب والجمهرة العليا من الناس! وعليه، فلابد هنا من التمثيل النسبي وترجيح الرأي.. لقد اثبتت التواريخ ان من اصعب الامور عند العراقيين هو ما يمكن تأسيسه عندهم اذ لابد من ان يستغرق طويلا، ولكن الهدم والانهيار ما اسهل حدوثهما في العراق!


وأخيرا: ما اسلوب البحث عن سر الخلود؟
لابد من القول ان مصادر الثروات العراقية الهائلة لم تكن ابدا في مصلحة اهلها ومنذ عصور ساحقة في القدم، فهل سيبدأ تاريخ جديد يوظف العراقيون ثرواتهم الضخمة في بناء مستقبلهم وادماجها بتكنولوجيا العصر من اجل احياء فكرة التقدم والخلود عند العراقيين.. وهذا لم يتحقق أبداً إلا اذا هدأ العراق سياسيا واستقرت احواله ومضى في طريق جديد من دون ان يلتفت الى العثرات فينتقلون من اسوأ الاحوال التي عاشوها على العهد الاسود وهم يمتلكون اكبر احتياطيات بترول في العالم الى قوة تاريخية مؤثرة في صناعة اقليم مهم في عالم القرن الواحد والعشرين.. وعند ذاك سيتغلب العراقيون على تحدياتهم ويستجيبوا لنداء قديم يتهادى من اعماق آلاف السنين يطالبهم بالبحث دوما عن سر الخلود
!

 أرسل ملاحظاتك حول الموضوع