|
|
|
|
|
|
عراق اليوم : المختبر والمرآة |
|
فوزي كريم العراق اليوم، بقدر ما هو مرآةٌ على درجة عالية من الصفاء، تعكس الخليط من المعايير والمُثل، التي يتشكل منها الكيان العربي، إلا أنه مختبرٌ على قدر عال من التعقيد أيضاً، يُفحَص فيه هذا الخليط من المثل والمعايير، مع كل ما تنطوي عليه من أضدادها ومتناقضاتها. إنه مدهش وآسر بقدر ما هو مثير للذعر والريبة. جميل بقدر ما هو مقرف. سحنة التشاؤم فيه سوداء، بقدر إشراقة الآمال! الأمر يعتمد تماماً على زاوية النظر، التي يطل منها المتطلع. المعايير والمثل متجذّرة في الموروث، وفائضة في كتب المثقفين، وقرارات الأحزاب، وتوجهات الأنظمة، وفي الدوائر الرياضية المكتملة المغلقة داخل كيان الفرد. الزمن في هذه الدوائر واقف ولا شأن له بالزمن التاريخي. كان الشاعر العربي، حين يصف فرساً في الطبيعة، لا يعنيه واقعه قدر ما يعنيه الفرس المثال، يسبغ عليه كل فضائل المثل المجردة من الواقع الأرضي. يحدث ذلك في المدح والهجاء. ويحدث ذلك مع الخليفة، والداعية السياسي بذات القدر. ويحدث ذلك في الزمن القديم والزمن الحديث على حد سواء. وليست حداثة المثقف والحاكم، والمسؤول الحزبي إلا مظهراً وقشرة أو قناعاً. الجوهر وراءهما واحد. الموقف من الغرب لم تمله المصلحة، أو الزمن التاريخي، إن صح التعبير، بل تلك المعايير والمثل الثابتة الخالدة، بالهاجس الديني أو القومي القديمين، أو بالهاجس الثوري التقدمي الحديث. ما من فرق. الأولان يعتمدان معاييرَ ومثلاَ هابطة من السماء للأرض، والثاني يعتمدها مرتفعة من الأرض المتغيرة الى الأعالي الثابتة، ويسبغ عليها مسحة القداسة. وجود المعسكر الاشتراكي الخيّر لم يعزز الصبغة الشريرة للمعسكر الغربي فقط، بل عزز الإثنوية التي يحتاجها عقل المعايير والمثل الثابتة. هذا العقل العاجز عن فهم كل ما يفلت من هذه الإثنوية: خير شر، أبيض أسود، جميل قبيح، يسار يمين. والانتصار للأول لم تمله المصلحة أيضاً، بل القدر الخالد. ولذا فأن تعابير: نمر من ورق، الشيطان الأكبر، مصاص دم الشعوب، الغرب المادي.. قالها الماركسي ماو، أو الديني خميني، أو الشاعر الطليعي أدونيس، تعابير ذات جوهر واحد. ولأن العقل المعتقل لا يعنيه الصراع مع النفس، بل الصراع مع الآخر، ولا تُشغله الحقيقة، بل الانتصار، فهو دائم اليقين، وإثنوي، حتى لو ادعى غير ذلك. الشعار الذي رُفع قبل سقوط الطاغية: «لا للحرب، لا للدكتاتور» هو وليد واضح المعالم لهذا العقل المعتقل، الذي لا يعنيه التناقض الواقعي للشعار، لأن زوال الدكتاتور لا يتم إلا بالحرب. إنه يفضل العيش داخل «الاستحالة الإثنوية»، على أن يقبل «وحدة الأضداد الممكنة». والمطالبة الملحة بخروج الأمريكي الغربي متولدة من أفق المثال المقدس، حتى وهي تعني حرفياً: حرباً أهلية، وانقضاضاً عربياً وغير عربي غاية في الشراسة، وعودةً محتملة للدكتاتور. وكذلك النصوص التي تحيّي المقاتلين ضد المحتل، حتى لو عرفت أن هؤلاء المقاتلين هم بناة المقابر الجماعية للآلاف المؤلفة من العراقيين! هذا العقل لا يجد استراحته إلا في مخاتلة الواقع، والاحتيال عليه. فهو ينذر العراقيين بأن الأمريكان ما جاءوا حباً فيهم، بل طمعاً في نفطهم. وكأنه بذلك يكشف وجهاً آخر للحقيقة الواقعية خافياً إلا على عقله المتسامي، متناسياً عن عمد أن التاريخ لا يحركه الى الأمام إلا صراع المصالح، وأن المصلحة التي دفعت الأمريكان لدخول العراق هي وحدها التي ضمنت للعراقيين إزالة الدكتاتور، وإخراج الثروة الوطنية من قبضة عائلة «العوجة» ومرتزقتها الى السوق المشرع للبيع والشراء، وهي وحدها التي أتاحت الفرصة بالقوة، ولأول مرة، لسيادة الدستور والقانون والتمثيل الديمقراطي، وأعطتنا حق التمتع بالمعنى الجديد لكلمة الحرية. من «حرية القمع» التي فرضتها سلطة العقيدة، وأحزاب العقيدة حتى لم نعد نألف غيرها، الى «حرية الرأي»، التي وفدت علينا مع الرياح القادمة من الغرب. |