|
|
|
|
|
|
الحالة العراقية خاصة والخلاف يدور حول المصالح |
|
امير طاهري سماها الجنرال تشارلس ديغول «الأداة»، وقال عنها الرئيس الباكستاني السابق ذو الفقار على بوتو، انها «ناد للمهن الشاذة»، وحديثا حذر الرئيس بوش بأنها اصبحت «بلا مهام». ومع ذلك فإن الأمم المتحدة قد افتتحت الاجتماع السنوي لجمعيتها العامة بنيويورك بكل الوقار الذي ما تزال قادرة عليه. وقد هزت حرب العراق هذه المنظمة الدولية من أساسها، وذلك بفضح تناقضاتها. وليست القضية هي ما إذا كان من حق الولايات المتحدة وبريطانيا شن الحرب ضد العراق، دون موافقة من مجلس الأمن، فمثل هذه التدخلات حدثت في مرات سابقة، كان آخرها في البلقان، حيث تدخل حلف الناتو، بقيادة الولايات المتحدة، تدخلا عسكريا لإنقاذ المسلمين في البوسنة وكوسوفو الذين كانوا معرضين للاستئصال من قبل الصرب. ولم يكن «تغيير النظام» هو القضية وقتها. ولم يكن الجيش التنزاني، الذي أزاح عيدي أمين في أوغندا، يفعل ذلك بتفويض من مجلس الأمن. كما أن فيتنام لم تكن تملك تفويضا من الأمم المتحدة لتجتاح كمبوديا وتسقط حكم الخمير الحمر. وخططت فرنسا لتغيير نظم كثيرة في مستعمراتها الأفريقية السابقة دون أن تطلب إذنا من أحد. ولكن قضية العراق لها وضع خاص لعدة أسباب: هذه هي المرة الأولى التي يستخدم فيها مجلس الأمن لتعطيل قرارات اتخذها المجلس نفسه من قبل. ومعروف أن المجلس أجاز منذ 1990 قرارات ملزمة وصل عددها إلى 18 قرارا حول العراق، حظي بعضها بإجماع أعضاء المجلس، ولكنه لم يقم بمجهود يذكر في تنفيذ بنود تلك القرارات. وقد ادعت بعض البلدان، وخاصة فرنسا وروسيا، أن إزاحة صدام حسين تعتبر عملا غير قانوني. ولكنهما لم يكونا على درجة من الشجاعة تجعلهما يختبران ذلك الراي بتقديم اقتراح مضاد. وفي نفس الوقت فإن الولايات المتحدة وبريطانيا، اللتين اضطلعتا بدورهما في تنفيذ قرارات المجلس، ترددتا في اختبار مواقفهما في تصويت مفتوح داخل المجلس. وحتى بعد بداية الحرب فإن المعارضين لها كانت تنقصهم الشجاعة لدعوة مجلس الأمن إلى جلسة طارئة، كما حدث في حالات كثيرة أخرى، ليطالبوا بوقف إطلاق النار. كما أن عضوا واحدا من مجلس الأمن لم يقدم مشروع قرار يدعو إلى وضع حد «لاحتلال» العراق. اتخذ المجلس موقفين متناقضين، وهو ما لا يعني شيئا مطلقا من الناحية الأخلاقية. والاسوأ من ذلك أن أولئك الذين عارضوا الحرب في العراق، فعلوا ذلك لاسباب لا علاقة لها بنزاع العراق مع الأمم المتحدة. فعلى سبيل المثال، أعلن المستشار الالماني غيرهارد شرودر، الذي كانت بلاده عضوا في مجلس الأمن بالتبادل، تاييده الأولي لعمل يتخذ ضد صدام. ولكنه كان يخوض انتخابات عامة حاسمة. وقد ابلغه خبراء استطلاعات الرأي العام، أن الشيء الوحيد الذي يمكن أن يوفر له عددا من أصوات النساء ويضمن له نصرا بفارق صغير في الاصوات، هو اتخاذ موقف معاد للحرب. وقد غير موقفه بصورة مفاجئة وبرز كمعارض عالي الصوت لأي عمل معاد لصدام. ولكنه وبعد أن كسب الانتخابات، ناى بنفسه عن معارضة الحرب، ورحب بإزالة صدام، وحاول ترميم الاضرار التي حدثت في العلاقات الأميركية الألمانية، بإرساله جنودا ألمانا إلى أفغانستان لتمكين القوات الاميركية من الذهاب إلى العراق. ومن الجانب الآخر فإن موقف روسيا من الحرب لم تكن له علاقة بالعراق. فقد حاول الروس الاستفادة من الجانبين. فزرعت نوعا من الغموض في هذه القضية لضمان الحصول على تنازلات من التحالف الاميركي ـ البريطاني بما في ذك إطلاق يدهم في الشيشان وتقديم وعد بالمشاركة مستقبلا في النفط العراقي. الموقف الفرنسي لا يزال مثيرا للاهتمام. فالمسألة بالنسبة لباريس لم تكن تتركز في الأساس حول ما اذا كان يجب على صدام حسين الالتزام بقرارات الامم المتحدة، اذ ان القضية الاساسية بالنسبة لفرنسا كانت تتركز في كيفية محاربة «القوة الهائلة للولايات المتحدة الاميركية». وفي هذا السياق يقول المفكر الفرنسي غيلوم بارمنتير: ان السبب وراء إبداء فرنسا لمخاوفها إزاء الهيمنة الاميركية بصورة أقوى من الدول الاخرى يكمن في ان التاريخ الفرنسي معروف، في ما يتعلق بمقاومة احتكار السلطة في اوروبا. ويتذكر بارمنتير كيف ان فرنسا اصبحت دولة قومية رغم محاولات من جانب الامبراطورية الرومانية المقدسة والبابا الهيمنة على أوروبا. ويؤكد بارمنتير ان «مقاومة الإمبراطوريات الاجنبية مسألة متجذرة في الثقافة السياسية الفرنسية». ولكن، هل كانت الولايات المتحدة الاميركية تسعى «لاحتكار السلطة في اوروبا» من خلال إطاحة الرئيس العراقي المخلوع صدام حسين؟ وهل يمكن عقد مقارنة بين الامبراطورية الرومانية المقدسة وبابوات العصور الوسطى او النازيين في القرن الماضي؟ نسي بارمنتير فيما يبدو محاولة فرنسا نفسها احتكار السلطة في اوروبا خلال عهد نابليون. وهل ثمة حاجة لنتذكر ان فرنسا وقعت معاهدة ميونيخ مع هلتر؟ قال بارمنتير، مرددا فيما يبدو موقف وزير الخارجية الفرنسي دومينيك دوفيلبان، ان معارضة فرنسا لغزو العراق جاءت كجزء من استراتيجية اكثر اتساعا «لمقاومة الهيمنة الاميركية». بمعنى آخر، ربما لا تشعر فرنسا بحزن اذا تم تحرير العراق بواسطة لوكسومبورغ او ليختنشتاين. تظهر المسألة العراقية ان قوى متعددة قد تستخدم مجلس الامن، الذي من المفترض ان يكون أداة للإرادة الدولية، لخدمة اجندة سياسية محلية لا علاقة لها بالقضية المطروحة. ربما لم يكن شرودر يريد للعراقيين أن يعانوا من طغيان صدام لعدة عقود. ما كان يرغب فيه شرودر هو الحصول على أصوات النساء الألمانيات. وبنفس الدرجة لم يكن فلاديمير بوتين مهتما بالقضية العراقية في ذاتها. وإنما كان يسعى إلى إطلاق يده في الشيشان وإعطائه نصيبا من النفط العراقي. ولم يكن جاك شيراك، هو الآخر، مهتما بالعراق. فبعد أن فشل في تطوير سياسة خارجية ذات معنى، حاول استغلال الموضوع لمضايقة القوة الأميركية العظمى. ويمكن لمعارضي الحرب ان يستخدموا هذه الحجة نفسها ضد الولايات المتحدة وبريطانيا. يمكنهم أن يقولوا ان واشنطن ولندن لم تكونا مهتمتين بمعاناة الشعب العراقي تحت حكم صدام، بل كانتا تحاولان خدمة مصالحهما الخاصة. ولكن استخدام مثل هذه الحجة، وبصرف النظر عما تنطوي عليه من حقيقة، لن تخدم غرضا سوى تقوية الاعتقاد بأن مجلس الأمن قد كف عن الوجود كهيئة مؤهلة لاتخاذ القرارات الدولية. وكان مجلس الأمن، قبل نشوب الصراع حول العراق، وبفضل الفيتو الذي يتمتع به أعضاؤه من الدول الدائمة العضوية، قادرا على أن يقول (نعم) أو (لا) في القضايا الدولية العاجلة التي تعرض عليه. ولكن القضية العراقية أتت بإجابة جديدة لا هي نفي ولا إيجاب. إنها تعني باليابانية «مو» أي «اسحب السؤال الذي وجهته» وتعني بالإيرانية «باري»، أي «الأمر لله». ويحاول كوفي أنان أن يقدم مثل هذه الإجابات على القضايا الدولية. ولكن ثمة شيء عطن في هذه المنظمة، يرمز إليه مبناها الزجاجي القائم بمدينة نيويورك.
|